ربط الصينيون منذ خمسة وعشرين قرناً من الزمان (فن الحرب) معرفة أساسيات الجغرافيا بمحددات شخصية المكان للتمكن من قيادة الجيش هكذا صارت بين الجغرافيا والحرب علاقة مبنية علي الحكمة الاستراتيجية لإحراز النصر العسكري وتحقيق مغانم السياسة والاقتصاد، وكذلك بقاء نتائج الدور المتبادل بين جغرافية البيئة ومسرح العمليات العسكرية مهما تقدمت صناعة السلاح وتطورت تقنيات السيطرة الشاملة علي المكان، أي يظل قيام أهمية عناصر الجغرافيا الأساسية في إدارة المعركة وتحديد مكاسبها رغم ظهور القوة العسكرية الفائقة بلا حدود. ولا يقف دور علم الجغرافيا في الاستراتيجية العسكرية عند دراسة الأرض والبيئة ووضع الخطتين الطبيعية والبشرية بل تمتد إلي قاعدة المعلومات لدعم كافة عناصر القيادة والسيطرة علي مسرح العمليات في الجو والبحر والبر، وتقوم الجغرافيا العسكرية بدراسة علاقة خصائص جغرافية المكان بمختلف الأنشطة العسكرية لفك شفرة النسق المكاني وتفعيل الخريطة الذهنية لدي أفراد منظومة القوات المسلحة، وذلك من أجل رفع كفاءة التنبؤ والتحكم في الأحداث من خلال تحديد القوي والأهداف والمواقع الحيوية والاستراتيجية ومشكلات مناطق النزاع. لقد تحدت (استراتيجية حرب أكتوبر 1973) إجماع خبراء العالم وإسرائيل في عبور عائق قناة السويس المائي واختراقها الساتر الترابي للضفة الشرقية من القناة، علاوة علي كشفها خدعة إسرائيل الكبري ونقاطها الحصينة بامتداد خط بارليف المؤيد لأسطورة الجيش الذي لا يقهر، حيث وزعت الخطة الشاملة للحرب محاور القوات علي الجبهة الرئيسية لخدمة سرعة نقل الجنود والعتاد والانتشار الآمن داخل مسرح العمليات العسكرية، ورصد مناطق الضعف بقوات العدو ضمن الخطة الحربية لشن الهجوم المباشر، واحتواء مسرح العمليات وشل حركته بقطع خطوطه للإمداد والتموين، بعد إحكام السيطرة علي خطوط المواصلات. ولما كان ممر القناة يشهد حركة العبور من خلال رؤوس الكباري الخمسة لنقل القوات البرية المصرية وعتادها الحربي فقد توقف نقل البترول إلي العدو عبر خليج السويس الذي أصبح ممراً مغلقاً أمام الملاحة الإسرائيلية، حيث حالت قوات البحرية المصرية بين وصول الإمدادات الخارجية للعدو ولا سيما القادمة من دول شرق أسيا وكذلك البترول الإيراني، عبر خطوط المواصلات الإسرائيلية في المسار البحري من مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج العقبة إلي قواتها البحرية المتمركزة في كل من إيلات وشرم الشيخ علي سواحل شبه جزيرة سيناء. لقد أنجزت (القوات البحرية) مهامها التعبوية والقتالية جنوبالبحر الأحمر لاستباق السيطرة اللوجستية علي مجموعة الجزر الحيوية بمدخل باب المندب بالتوافق مع قواتها المتمركزة بميناء عدن والأخري المنتشرة بطول البحر الأحمر وخليج العقبة، وذلك ضمن استراتيجية حرب أكتوبر، بينما كانت (القوات الجوية) ومعها (قوات الدفاع الجوي) وراء إحكام السيطرة وغلق حيز العمليات العسكرية أمام قوات العدو وإجبارها علي الخروج الفعلي من دائرة التدخل في وقت العبور، وذلك بعد كشف قدرات إسرائيل الجوية والقتالية في أثناء (حرب الاستنزاف) وعند ضرب الطائرات المصرية علي الأرض (1967)، حيث أعاقت القوات الجوية ورجال الصاعقة تقدم مدرعات العدو السريع غرباً باتجاه خط بارليف لمنع التقدم البري للقوات المصرية في عمق سيناء، ناهيك عن الضربة الجوية الأولي والتأمين الجوي لكافة العمليات العسكرية في أثناء عبور قناة السويس.