البابا تواضروس الثاني يبدأ جولة رعوية أوروبية تشمل 4 دول    أسعار الذهب مساء السبت 25 أبريل 2026    وزير «التخطيط»: 35 مليار جنيه استثمارات لمحافظتي شمال وجنوب سيناء خلال عامين    نتنياهو يعتزم زيارة واشنطن للقاء عون بشرط استمرار الهدنة    رغم الدمار الهائل والحصار.. عروس غزة تزف بسيارة دمرتها قوات الاحتلال    محمد صلاح يقود هجوم ليفربول أمام كريستال بالاس في البريميرليج    الشيخ يعلن تشكيل وادي دجلة لمواجهة حرس الحدود    حملات أمنية مكثفة ب«أول الفيوم» لإعادة الانضباط.. مخالفات مرورية ورفع إشغالات وضبط كافيهات مخالفة    تداول 43 ألف طن و973 شاحنة بموانئ البحر الأحمر    خبير يكشف عن قفزة في أسعار العقارات بالعاصمة الجديدة    كوبي: ميليتاو سيخضع لجراحة جديدة ويغيب عن المونديال    تشكيل برشلونة - بردغجي وليفاندوفسكي أساسيان في مواجهة خيتافي    وزير الرياضة يعقد اجتماعًا مع مجلس إدارة اتحاد التجديف    بنك HSBC يرجئ البت فى طلبات بيع وحدته فى مصر بسبب أوضاع المنطقة السياسية    حبس المتهم بقتل والده في أبوتشت بقنا 4 أيام على ذمة التحقيقات    الطقس الآن، أجواء حارة على أغلب الأنحاء    مصرع مزارع ونجله فى حادث تصادم نقل وموتوسيكل بصحراوي بالبحيرة    اللواء محمد قشقوش يؤكد أن تنمية سيناء هي الضمانة الحقيقية للأمن القومي    رئيس قطاع المسرح يتابع العروض الفنية ويشهد عرض «أعراض انسحاب» بالإسكندرية    ميرفت أمين ل"البوابة نيوز": أنا بخير الحمد لله ومتنقلتش أي مستشفى    عالم أزهري يوضح الدروس المستفادة من قصة قوم عاد وعاقبة الطغيان في القرآن الكريم    مرحلة حسم لقب الدوري، تغييرات منتظرة في تشكيل بيراميدز أمام الأهلي    وفد من حماس يختتم زيارته إلى ماليزيا ويبحث دعم فلسطين ووقف النار في غزة    انطلاق الانتخابات المحلية بالضفة الغربية.. ولأول مرة منذ 22 عاما بدير البلح في غزة    زيلينسكي يعلن من أذربيجان تعزيز التعاون الثنائي في الأمن والطاقة    أسيوط تتوسع فى إنشاء المدارس.. والمحافظ يفتتح مدرسة الوليدية الابتدائية الحديثة    مصرع طالب وإصابة شقيقه وابن عمه في مشاجرة بسبب الميراث بإحدى قرى كفر الشيخ    صرخة سيدة على فيسبوك.. كواليس فيديو اقتحام منزلها وقطع الكهرباء لتطفيشها    توريد 34 ألف طن قمح بالشرقية، وأسعار مجزية للمزارعين وفق درجات النقاوة    اللواء خالد مجاور: سيناء لها أهمية استراتيجية بالغة وتشهد طفرة تنموية    برلمانيون: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى تحرير سيناء تؤكد ثوابت الدولة    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير يعلن لجنة تحكيم مسابقة الأفلام العربية لنسخته ال12    ضربة قوية للريال والبرازيل.. جراحة طارئة لميليتاو فى الساق اليسرى    رمضان عبد المعز: الدعاء هو العبادة.. والحمد لله أعظم كلمة تطمئن القلوب    نائب مدير الرعاية الصحية بالإسماعيلية يجرى مرورا مفاجئا بالمجمع الطبي (صور)    مدير معهد جوستاف روسى بفرنسا يقدم منحة تدريبية للفائزين بمؤتمر الإيسكو    وزير الكهرباء يتفقد مستشفى الكهرباء بألماظة ويطمئن على تقديم الخدمات الصحية    قسم اللغة الصينية بألسن عين شمس يستعرض فرص العمل أمام طلابه في مؤتمر علمي    حزب الوفد يواجه الحكومة بطلب إحاطة بسبب مناقشات القوانين    محافظ شمال سيناء: موقف مصر من غزة يعكس رؤية متزنة لحماية الأمن الإقليمي    5 جرائم نصب.. الداخلية تكشف مخطط الاحتيال الإلكتروني في موسم الحج    نائب وزير الصحة تتفقد المنشآت الصحية بمحافظة البحيرة وتعقد اجتماعات موسعة    شاهد الآن بث مباشر.. مباراة ليفربول وكريستال بالاس في الدوري الإنجليزي    عماد السيد: ناصر منسي أفضل مهاجم في مصر.. وإمام عاشور كواليتي مختلف    قرينة السيسي في ذكري تحرير سيناء: نحيي تضحيات أبطالنا ونفخر باستعادة أرضنا الغالية    محافظ جنوب سيناء من دير سانت كاترين: أعمال التطوير تنفذ وفق رؤية متكاملة    من إيطاليا، زاهي حواس يبدأ حملة دولية لاستعادة 3 قطع أثرية مهمة موجودة بالخارج    تجديد حبس عاطل بتهمة غسل أموال متحصلة من نشاطه في الاتجار بالمخدرات    لماذا يغيب وزير خارجية أمريكا عن مفاوضات إسلام آباد؟.. نيويورك تايمز تجيب    الرئيس السيسي: ذكرى تحرير سيناء لحظة فارقة فى تاريخ الوطن    "تكافل وكرامة" يصل إلى أهالي سيناء، دعم نقدي ومشروعات تنموية لتحسين حياة آلاف الأسر    السيدة انتصار السيسي: نفخر بتضحيات الأبطال في ذكرى تحرير سيناء    لا يوم نصفتينى ولا يوم عرفتينى.. شيرين عبد الوهاب تتصدر التريند بالحضن شوك    بمشاركة ممثلي 200 مستشفى.. «الصحة» تعقد اجتماعا لرفع كفاءة الخدمات الطبية    محمود يس جونيور: مشهدي مع الطفلة الأصعب في "وننسى إللي كان"    خطبة الجمعة من مسجد المشير: تحرير سيناء ملحمة وطن وعقيدة لا تُنسى    بسم الله أرقيك يا وطنى    مختار جمعة: إحياء النفس لا يقتصر على الحياة المادية بل يشمل كل صور الحماية والرعاية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ورقة وقلم
المحاربون لا يموتون .. يا جمال
نشر في الأخبار يوم 18 - 10 - 2015

أنظر إلي الساعة، تخطت الثانية والنصف من بعد الظهر، الزحام شديد، علي طول الطريق إلي مسجد السيدة نفيسة. بدأت أشعر بالقلق.. أريد أن ألحق بموعدي في لقائي الأخير مع جمال الغيطاني الأستاذ والروائي وابن أخبار اليوم الأبرز.
أتحسس ساعتي، أستحث عقاربها علي التوقف، لأصل قبل آذان العصر، موعد الوداع.
أتذكر لقاءنا الأول، كانت سببه ∩ساعة يد∪!
كنا معا نستقل سيارة واحدة، في رحلة من الاسماعيلية إلي بورسعيد، والدي، والغيطاني، والصحفي الشاب − يومئذ محمد بركات، كانوا في طريقهم لمتابعة الاستعدادات للاحتفال بالذكري الثانية لحرب أكتوبر وتغطيتها لجريدة ∩الأخبار∪ وكنت معهم ليشتري لي أبي من المدينة الحرة ∩ساعة يد∪ هدية نجاح تأخرت بسبب ظروف العمل شهرين!

40 عاما بالضبط تفصل بين اللقاءين!
في أول لقاء، شدتني حوارات الصحفيين الثلاثة، عن التمعن في معالم الطريق المحازي للشاطئ الغربي لقناة السويس، ومتابعة حركة السفن التي عادت للعبور من جديد قبلها بأربعة أشهر، ومصافحة بورسعيد لأول مرة، وهي تطل علي القادمين عند مدخلها بابتسامة ومرح ودلال، ووجه لم تفلح الحروب في إخفاء ملامحه الجميلة.
سمعت الثلاثة يتحدثون عن أيام أكتوبر، عن النار والبارود والدماء، عن الأبطال الرفاعي وعبدالتواب وزرد، وعن الرجال مأمون وخليل وبدوي وأبو سعدة وغالي ومحمد المصري وعبدالعاطي..
أسطورة إبراهيم الرفاعي لم يكن ليعرفها جموع الناس، لولا كتابات جمال الغيطاني، كذلك بطولة عبدالعاطي الذي أسماه الغيطاني ∩صائد الدبابات∪.

مضت السنون، وتوثقت علاقتي بالأستاذ جمال الغيطاني، أقرأه محققا لامعاً، وكاتب مقال رصينا، وروائيا مبهرا، تصدر جيل الستينيات، وذاع صيته خارج مصر والعالم العربي، ليصبح واحداً من أهم روائيي هذا العصر.
وعندما التحقت بجريدة ∩الأخبار∪ اقتربت منه أكثر، وكنت ضيفا دائماً علي مكتبه، أحب أن أري نظرته الذكية الحانية، وأسمع ضحكته المحببة وهو يسخر من أوضاع، كان غيره يخشي أن يهمس بها، وأستمع منه إلي حكاياته النابعة من عمق تاريخ مصر، ولعل منه أدركت تفرد العلاقة بين الشعب المصري وجيشه.
حين أصبحت رئيسا لتحرير ∩الأخبار∪، وجدت أستاذي الغيطاني أول من يزورني مهنئا، ويقدم نفسه − وهو من هو − جنديا في كتيبة ∩الأخبار∪ − بحسب تعبيره − في بواكير أيام ثورة 25 يناير. كان الغيطاني بالرأي والنصيحة والخبرة الهائلة بالفن الصحفي، خير مرشد لي ولزملائي في أسرة التحرير، وكان عموده اليومي ∩عبور∪ خلاصة حكمة شاب عاش ألف عام.
وعندما أخرجت من دار ∩أخبار اليوم∪ في مطلع الاحتلال الإخواني للبلاد، تعرض الغيطاني لكل أشكال التضييق من نظام الإخوان، وحينما عرضت عليه أن ينتقل بقلمه إلي ∩المصري اليوم∪، اعتذر بوضوح ليبقي عموده ∩عبور∪ في ∩الأخبار∪ هو ∩رأس عش∪ للجيش المصري في سيناء، حتي تتحرر الجريدة، مثلما تحررت الارض.
قاوم الغيطاني نظام حكم المرشد، في عموده اليومي، وفي مقالاته، وعلي شاشات التليفزيون، وفي المنتديات السياسية، ورأيته كثيرا في صالون د. أحمد العزبي وصالون اللواء محمد يوسف، أشد المؤمنين بزوال هذا النظام البغيض قبل انتهاء عامه الأول، وأذكر أنه أول من هنأني علي وصفي لهذا النظام في ظل عنفوانه علي صفحات ∩الأخبار∪ بأنه ∩جملة اعتراضية في تاريخ الوطن∪.

كان الغيطاني أول من نبه وحذر من اقتياد الإخوان لبعض الشباب الثوري إلي هاوية الوقيعة مع الجيش والإساءة له، وأذكر له كتاباته وحواراته مع الشباب في المنتديات السياسية، وهو يفند لهم ادعاءات الإخوان وأذنابهم، ويروي وقائع من التاريخ ومن الماضي القريب والحاضر عن تضحيات جيش مصر العظيم من أجل الوطن والشعب.
منذ شهور.. احتفلنا بسبعينية الغيطاني في أمسية رائعة، تألق فيها كعادته وهو يتكلم ويحكي، لكني لاحظت شحوبا علي وجهه، وكان سببها متاعب قلب تألم أكثر مما فرح. وعاني أكثر مما سعد!
بعدها.. فاز الغيطاني بجائزة النيل، أرفع جوائز الدولة شأناً، وقابلته في اليوم التالي مهنئاً، وبدا هو ممتنا لاحتفاء ∩الأخبار∪ به في مانشيتاتها ف ∩الأخبار∪ تظل في وجدانه هي بيته الأول. وأقلقني في اللقاء أن الغيطاني كان يتحدث بلسان محارب قديم يريد أن يترجل من صهوة جواده!
مضت أسابيع.. وهاتفني الغيطاني بصوت واهن، وعرفت أنه أصيب بوعكة صحية إثر تناول عبوة من منتجات الألبان منتهية الصلاحية.
ثم مرت أيام.. وأبلغني زميلي أسامة شلش مدير التحرير أن الغيطاني نقل إلي مستشفي الجلاء العسكري، وظننت ان السبب مضاعفات الوعكة، ثم عرفت أنه ذهب في غيبوبة عميقة.
لقائي الأخير مع الغيطاني، كان في غرفة العناية المركزة، وكان معي الكاتب الكبير جلال عارف رفيق مشواره الصحفي ورئيس المجلس الأعلي للصحافة.
كان الغيطاني محاطا بالأسلاك والشاشات تشير إلي أن كل أجهزة جسده تعمل بكفاءة، عدا المخ الذي راح في غيبوبة عميقة، بعد أن توقف القلب أكثر من 20 دقيقة.
إنها معجزة أن ينبض القلب من جديد بعد أن توقف خفقانه كل هذا الوقت، كما قال لنا اللواء طبيب بهاء الدين زيدان مدير مجمع الجلاء الطبي.
ظل الغيطاني كما عاش، يقاتل الموت من أجل الحياة طيلة شهرين، حتي حل أوان الرحيل.

استيقظت صباح الأمس، علي النبأ الحزين، وشعرت بغصة خسران هائل علي المستوي الشخصي، وفادح علي مستوي دار ∩أخبار اليوم∪ التي شاء المولي أن يختبرها ببلاء رحيل كبار أربعة في غضون عام، مصطفي حسين وأحمد رجب، ثم وجدي قنديل، وأخيراً جمال الغيطاني.
عند الظهر.. ذهبت إلي مكتب عميد الصحافة والفكر الأستاذ محمد حسنين هيكل، للقائه في موعد كان محدداً قبل رحيل الغيطاني، وقبل أن أدخل إليه، همست مديرة مكتبه في أذني تقول إن الأستاذ في حالة حزن شديد علي رحيل الغيطاني. أعرف قطعاً عمق العلاقة التي تربط الأستاذ هيكل بجمال الغيطاني، وبادرني الأستاذ مستفسراً عن السيدة ماجدة الجندي حرم الغيطاني، ثم قال: إنها خسارة فادحة، فقد رحل الغيطاني وهو في ذروة عطائه وأوج تألقه.

أقف مع الدبلوماسي النابه محمد جمال الغيطاني وزملائي في ∩أخبار اليوم∪ نحمل نعش الفقيد ملفوفا بعلم مصر إلي السيارة، ألمس النعش، وأهمس للغيطاني مودعاً، وأكاد أراه يقف بين أحباء بعد طول غياب، يقبل نجيب محفوظ، ويشد علي يدي إبراهيم الرفاعي وعبدالعاطي ويحتضنهما في شوق.
يعز عليّ فراق الغيطاني.. لكن المحاربين لا يموتون.. يا جمال.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.