جمال الغىطانى لا يوجد الآن من أعرفه، كلهم اختفوا، تاهوا في دروب الحياة، حتي الضفة تبدو غير الضفة التي أعرفها. رغم كثرة ما عاينته من ضفاف غير أن ما أراه هنا مغاير، لم أعرف مثله حتي في المناطق الأخري علي النيل ذاته، النهر هنا عريض، لكن ليس هذا سبب ما أدركني ولاح، شيء غامض لم أقف عليه، رغم أنه واحد، لكنه يختلف من نقطة إلي أخري، النيل الذي أشرفت عليه فجراً في أخميم بعيد عن ذلك الذي أطلت التحديق إليه في الأقصر، أما النهر الذي يتخلل جنادل أسوان فكأنه آخر تماماً، لا أعرف كيف يبدو إذا أمعنت جنوباً، لم أعرف أبعد من سريانه عند الخرطوم، نقطة التقائه ببعضه، الأبيض بالأزرق، لكل منطقة من المجري حالة مغايرة، غير أن ما رأيته بمجرد وصولي لم أقف علي ما يشبه في كل المواضع التي قدر لي بلوغها من أنهار عبرتها أو تأملت جريانها، هنا ضفتان وما بينهما مجري يصلهما ويفصلهما، لا يكون النهر إلا من خلال ضفتين، لكن ما عاينته عند وصولي خاص جداً، لا مثيل له، كأني أقف علي شاطئ بحر وليس نهر من أي نقطة قريبة منه يمكن رؤية الضفتين معاً، يتدفق الماء عفياً، رغم ملاسته الظاهرة إلا أنه جارف، هادر إذا ما نزل الليل ونزل الصمت، إذا زال العرض الذي فاجأني قبل انقضاء الشهر المحدد فيمكنني إنهاء الإقامة والعودة إلي مصر، كما يسمي أهل القاهرة، ليس في قبلي فقط، إنما في بحري أيضاً، الهواء هنا جاف، لا أثر للرطوبة، الجنوب عموماً خال منها، لكن هذه المنطقة بالتحديد الأشد، ربما لأن الأرض منخفضة، في الشتاء بردها قارص، جئت إلي هنا منذ حوالي نصف قرن خلال أسفاري المتصلة بعملي أو رغبتي في التعرف علي أماكن لم أبلغها خاصة تلك المرتبطة بأحداث خاصة، أو حقب ذات دلالة، هناك، تلك المرتفعات، مقابر بني حسن، ما يشبه التلال، أشك في بلوغها بسهولة، ارتقاء المنحدرات يتطلب جهداً لم أعد أقدر عليه، لا أستطيع استعادة الجدران كلها، لكنني أسترجع بعضاً منها كأنني أقف أمامها، الذاكرة تحتاج إلي جهد تماماً مثل الارتقاء، تلك الجدارية المدهشة، واضحة الألوان والقصد، الألعاب المعروفة في الفترة، البشر متشابهون، لا أثر للالهة أو الرموز مثل مقابر الأقصر، سواء الملكية أو للنبلاء الأشراف أو عمال دير المدينة ومبدعيها، تلك آثار ثورة اخناتون، تل العمارنة هناك إلي الشرق، ناحية منبع قرص الشمس. قال الحاج محمود صاحب الفندق الصغير الذي دلني عليه الحاج محمود الأقصري صاحبي ومالك البيت القديم في البر الغربي، هو من دلني إلي هذه القرية الواقعة إلي الغرب في مركز أبو قرقاص، تربطهما صلة قرابة، عائلة إقامتها ما بين المنيا وإسنا، كل الذكور لهم اسم واحد، الحاج محمود، سواء أدي الفريضة أم لا، أما النساء فلهن عائشة، أو تنادي كل منهن باسم ابنها أو ذلك المأمول مجيئه، قال إن البر الشرقي صار قريباً بعد تشغيل المعدية الجديدة، قال إنها جزء من مشروع يمتلكه أحد المتنفذين في القاهرة، مركب حديثة من ثلاثة طوابق، فيها مكان للدراجات والبهائم ومقاعد نظيفة للركاب، فسحة بحق، آمنة إلي حد كبير، عكس المراكب الشراعية التي تزداد مخاطرها بسبب تزايد الحمولة، المركب الجديدة لها مرسي خاص، منه يبدأ الطريق الممهد إلي تل العمارنة، قال إنه يحفظ المواعيد، وأنها تتميز بالدقة، يمكن ضبط الساعة علي وصولها وإبحارها، بعد خمس دقائق من رأس الساعة، ثمانية وخمس دقائق، تسعة وخمس.. هكذا، والله شيء محترم. بدا محفزاً، غير أن اهتمامه بي، ومعرفته الدقيقة بحالي، بما يقلقني ويريحني وما يجب أن أتناوله في وجبتي الإفطار والغداء، وعدم اقترابي من أي شيء في العشاء، أحاط بما يخصني عبر وصايا الحاج محمود من الأقصر، أتردد عليه منذ ثلاثين عاماً، راسخ في مجاله، له شهرة حتي في الفنادق الكبري بالبر الشرقي لمهارته في التعامل مع القوم الوافدين، نساء منهن هِمن به وتعلقن، عروض للزواج صراحة مع إمكانية إقامة وعمل فيه رزق واسع، غير أنه يستوعبها بلطف ورقة، أوصي بي خيراً هنا، صحيح انني مولود في جهينة، لم تنقطع صلتي بالأهل، أقمت في المنيا لمدة سنة عام خمسة وستين، لكنني لا أعرف أبو قرقاص أو تل العمارنة، مرة واحدة جئت من سمالوط محل إقامتي زائراً غير أنني لم أمكث إلا ليلة واحدة عند مشرف الوحدة الإنتاجية، لم أعرف أنها من أشد مناطق مصر جفافاً، انني سأعود إليها مضطراً وبتوصية مشددة من الطبيب، المشي يومياً في الشمس حتي تجف المياه المتبقية في الصدر بعد العملية الكبري وإلا.. لا مفر من إجراء البذل، اجتهدت ألا يتم ذلك، باعثي الخشية من الاسم »البذل« أقبلت غير هياب علي إجراء جراحة يشق فيها الصدر وينزع القلب من مكمنه، وأرتعد لمجرد سماع اسم العملية التي بوسع حلاق الصحة إجراؤها فما أغرب وما أعجب! أجيء مرتين إلي الاقليم خلال نصف قرن قسراً، في المرة الأولي نتيجة قرار إداري باعثه الانتقام والتأديب لعملي ضد مراكز فساد متنفذة بالمؤسسة، الثانية لعلاج طارئ، يفصلهما أربعة وأربعون عاماً، أحاول تذكير الحاج صاحب النُزل ببعض المعالم والملامح، لكنه يتطلع إليّ صامتاً، جاهلاً بما أصفه أو أخبر عنه، لم يكن وُلد عندما جئت عام خمسة وستين إلي المنيا غير أنني أقمت في سمالوط، أشفق مدير عام المنطقة علي حالي فمنحني حق المكوث في الوحدة الإنتاجية، شغلت وقتئذ قصراً قديماً بناه أحد باشوات أسرة الشريعي، ضم اثنتين وخمسين غرفة، وفي الطابق الأسفل سجن للمتمردين ومن ارتكب جُرماً، لعلها الفترة الأقسي، ربما لأنها أول تغريبة، إذ يدنو الخميس من كل أسبوع أبدأ الاستعداد للعبور إلي الشرق، إلي زاوية سلطان، لسبب ما بني سلطان باشا قصره علي الضفة الشرقية غير المعمورة وقتئذ، إنه والد هدي هانم شعراوي، لماذا أقام هناك، وقتئذ الضفة مهجورة؟ لا أحد لديه الجواب، يذكر أطلال القصر والحمام الفسيح ذا السقف الذي تتخلله دوائر من زجاج معشق بالجبس، لم أعرف مثل ذلك حتي في بيت السحيمي المحتفظ بحمامه سليماً حتي الآن، سقفه مماثل، لكن فتحاته أصغر علي هيئة نجوم خماسية، ألوان زجاجها مألوفة، أصفر، أزرق، أحمر، عندما رأيت بقايا القصر المواجه للنيل من ناحية وللمقابر من الجهة الأخري دهشت، لم أعرف مثلها، قباب غير مكتملة الاستدارة، تلاحق كل واحدة الأخري، تولد منها، تتصل بها، أمواج من حجر وبشر، أذهلني التكوين، كأنه جزء من الأرض غير المستوية، ينطلق حتي المرتفع ويعلو معه ليختفي، يبدو كأنه ممتد، صحيح انني رأيت فيما تلا ذلك أشكالاً متعددة، مختلفة من المراقد الأبدية، خاصة ما عرفته في صحراء هِو، قبل بناء مصنع الألمنيوم كان الجمل إذا انطلق إلي خلاء هِو لا يكلف أحد نفسه عناء البحث عنه، لم يذهب أحد إلي هناك، شواهد علي هيئة جمال أسطورية، هكذا قدرت، غير أن البعض يصفها بالمساخيط، رحت أصف للحاج محمود ما رأيت مستفسراً عما إذا كانت زاوية سلطان باقية أم أن التغيير لحق معالمها، قلت إن صديقاً من البحرين قصد الناحية لسبب ما، أظنه مقابلة فنان تشكيلي مقيم بالغرب، رأي المقابر كتب مقالاً يصف التكوين الغريب الذي لم يعرف مثيلاً له، رددت محدثاً نفسي: كان ذلك منذ أربعة وأربعين عاماً بالنسبة لي، تطلع إليّ الحاج محمود حائراً، مجاملاً بصمته، لا يدري ربما ما ينبغي أن يرد به، النزلاء المحدودون عنده ذوو نوعية خاصة، إنهم من يبحثون عن المعرفة الدقيقة، ربما لدي بعضهم أهداف أخري، لكن شغله فترة في فنادق الأقصر علمه الإصغاء جيداً، وعدم إبداء ما يجول عنده علي ملامحه، تساءلت عن أماكن إقامة الزائرين قبل افتتاحه الفندق، قال إن الأهالي اعتادوا مجيء الأجانب القاصدين زيارة تل العمارنة، بعضهم يؤجر غرفة في بيته بشرط إبلاغ البوليس، إقامات قصيرة لا تتجاوز ليلتين أو ثلاث، لكن معظم الزائرين يجيئون من المنيا بالسيارات المستأجرة، يصلون مبكرين وينصرفون قبل العصر، يأتون بزادهم، حتي الماء، لا يستفيد منهم إلا خفراء الآثار واثنان أو ثلاثة يعبرون إذا جاء عدد لا بأس به، معهم أشغال من العظم وتماثيل صغيرة وحُلي، كله يأتي من أسيوط، أما إذا كانوا من الأثريين أو ذوي صفة رسمية فتفتح لهم الاستراحة، مبني من الخشب علي الناحية الأخري، بناه الانجليز، كان ذلك قبل افتتاح الفندق، قال إن معظم الأجانب يفضلون الإقامة عنده، في بداية رقادي اتجهت إلي الضفة الأخري رغم سكوني وكفي عن الحركة أو حتي التقلب، أتوق إلي العبور، اجتياز النهر، إلا أنني لم أحدد الوقت، كل من يقصد تل العمارنة يجيء نهاراً، لماذا لا أمضي ليلاً؟ وهل هذا ممكن؟ لا يوجد الآن من أعرفه، لا أدري إلي أين انتهي مصطفي المشرف علي الوحدة الإنتاجية، اعتدت المبيت عنده من الخميس إلي السبت، اجتاز النهر في قارب شراعي من المنيا حتي زاوية سلطان، أشد أيامي وحشة نهاية الأسبوع، أبقي مفرداً في القصر القديم الشاغر معظمه، عبور النهر في قارب شراعي غير مأمون وقتئذ لتجاوز الحمولة، تتعدد أسباب الغرق، أستعيد ما سمعته عن جندي شرطة شرع في ارتداء فردة حذائه الأميري الضخم، لدغته حية اندست في الفراغ المكنون، لسعتها والقبر، كثيراً ما استعدت التفاصيل، لم أره، لم ألتق به قط، لكنه ألح عليّ أكثر ممن عرفتهم يومياً، يرد عليّ هكذا: الجندي جاء في إجازة عند أهله، لدغته حية اختفت في حذائه، اللوحات النادرة في ألوانها وتفاصيلها، مقابر بني حسن التي يجب الصعود إليها وليس النزول، كلها محفورة في الجبل، كم استغرق ذلك؟، هناك تردد أبي لزيارة من أعتبره أباً روحياً له، أحمد حسين جندي الشرطة الذي أنقذه من الموت فجراً وهذا كله مفصل في كتاب التجليات، لم يتخلف عاماً واحدا عن السفر إليه والإقامة عنده والجلوس أمامه صامتاً، ممتناً، لا يفكر حتي في إشعال سيجارة تأدباً، الرجل لم ينجب، اعتبره مثل ابنه، كثيراً ما تلقيت منه رسائل يوصينا فيها علي أبينا، يذكرنا بشقائه الطويل، يهفو قلبي في رقادي، هل يمكنني الاستدلال عليه؟ هل أقدر علي لقاء من عرفه، من قابل أبي عند تردده عليه، هناك في الضفة، في مكان ما منها، كأن جميع ما عرفته، ما ألممت به سأجد له تفسيراً هناك، أين بالضبط؟، لا أعرف، لكنه مجرد عبور النهر المؤدي، فقط عبور النهر المتاح في أي وقت، ليلاً أو نهاراً.