الجمهورية: 5/11/2008 من الأخطاء الجوهرية التي يقع فيها الكثيرون.. النظر إلي الحزب الوطني علي أنه مجرد "حزب" بالمقاييس التقليدية المعروفة في الفقه السياسي.. لأن النظرة ستكون قاصرة.. في الحكم أشد ظلما وتضليلا. والمسألة ببساطة شديدة وبعيدا عن التعقيدات والفلسفة والوقوع في "حسبة برما".. أن الحياة الحزبية في مصر لم تصل بعد إلي الدرجة التي يمكن تطبيق المعايير الحزبية الخالصة عليها وليس هناك أدني شك ولا يمكن أن يجادل أحد لدينا مجموعة من أسماء الأحزاب فقط.. بعضها له اسم تاريخي وبعضها ولد بطريقة قيصرية ولا يزال في "الحضانة".. وبعضها ولد "سفاجا".. وأخري ماتت قبل أن تولد.. وأخيرة ماتت أكلينيكيا وتعيش فقط علي "المعونة الحكومية".. ويرفضون إطلاق رصاصة الرحمة عليها.. لأي سبب من الأسباب العقلية أو النقلية.. أو لأن الديكور السياسي العام دوليا ومحليا يستلزم وجودها ولو بشكل صوري.. ولا ينكر أحد أنها جميعا بلا جماهيرية.. وليس لها وجود شعبي حقيقي.. وفي مجملها أحزاب أشخاص مرتبطة بالآباء المؤسسين وبموتهم ضاعت مكانتها ودورها.. ولولا الصحف لاختفت أسماء الأحزاب من الوجود وليس الخريطة السياسية في مصر فقط. صحيح كانت هناك قيادات تاريخية علي الساحة.. لعبت دورا كبيرا ومؤثرا.. إلا أن هذه القيادات لم تنجح في تربية أجيال قادرة علي القيادة.. ولعل "الكاريزما" الخاصة لتلك الشخصيات كانت سببا رئيسيا في ذلك.. أو قل بمعني آخر أن الطغيان الفردي والشخصي كان أقوي وأكبر من أي شيء.. وضاعف من حدة المأساة التربية المصرية المفرطة في تقدير الأشخاص والتي تتجاوز كل الحدود حتي تصل في بعض المراحل حد "التألية".. وإضفاء قدر من القداسة علي الشخص تمتد إليه ليس في حياته فقط ولكن بعد مماته أيضا.. وتنشأ أجيال وأجيال في ظل هذا الوضع "المربك" و"المرتبك" علميا وأدبيا وأخلاقيا فتترسخ في الأذهان قواعد "حرمة الخروج علي المألوف" أو تجاوز خطوط ما هو مرسوم.. وهنا تقع إشكالية بل إشكاليات التغيير والتطوير.. ومما يضاعف صعوبة ورزالة الوضع أنه لا توجد قواعد ومبادئ يتم الاحتكام إليها واعتبارها المرجعية الحاكمة لكل حركة وتطور.. إذ أن هذه القاعدة ظلت مهملة لفترات طويلة.. وكان الاحتكام الرئيسي والمرجع الأول والأخير هو للفرد الواحد.. والرأي الواحد.. والتوجه الواحد. صحيح أنه قد تم تداركها في الفترة الأخيرة ووضعت بعض الأحزاب تنظيما حزبيا مكتوبا علي الورق.. إلا أن الأمر لم يخرج في معظم الأحيان بعيدا عن رائحة الحبر الذي كتب به.. وبنظرة سريعة علي الساحة الحزبية لن يجد المرء أي عناء في اكتشاف ذلك.. والتأكد من ارتباط الأحزاب حقيقية بالشخصيات التاريخية.. وكيف دخلت أحزاب كانت عريقة في غياهب الظلمات بعد رحيل تلك الشخصيات.. وكيف أنها صارت أضحوكة وأمثولة مع أول خطوة لانتقال القيادات إلي شخصيات أخري خارج إطار العائلة القديمة.. وما يحدث في حزب الوفد علي سبيل المثال لا يمكن أن تخطئه عين مراقب حصيف أو غير حصيف. وكذلك حزب الأحرار الذي أصبح ممزقا إربا بين ستة رؤوس.. وأصبح أقرب إلي "التنين" ذي الرؤوس المتعددة. ولا أبالغ إذا قلت إن الأحزاب الأخري علي الطريق وبعضها تغطي الخلافات العائلية علي خطواته الأولي في المهد وقبل أن ينزل إلي الشارع. الأزمة الحقيقية للحزب الوطني تكمن في هذه الأجواء وتلك الموروثات التي يصعب التخلص منها في الغد القريب.. ولعل هذا هو ما دعا الحزب الوطني في أكثر من مناسبة وعلي لسان عدد من قياداته الفاعلة بتوجيه نداءات ملحة ومتكررة للأحزاب الأخري إلي المشاركة بجدية وفاعلية في الحياة السياسية.. وأن تتجاوز أدوارها الورقية والصوتية.. لتقترب من الناس حقيقة علي الأقل حتي توجد بيئة شبه حزبية.. يمكن التحرك علي أرضيتها.. أو يمكن التعامل معها علي أساس حزبي حقيقي.. وبمعايير حزبية يفهمها القاصي والداني فهي صادقة حتي وإن لم تكن من أجل سواد عيون الأحزاب المنافسة. يتغافل الكثيرون رغم علمهم بكل هذا عن حقيقة مهمة أن الحزب الوطني هو الشعب والحكومة والدولة.. في آن معا.. ولذلك لم يكن غريباً أن تجد في قيادته وبين عناصره الفاعلة في الحكومة شخصيات ذات انتماءات فكرية لأحزاب أخري.. ولم يجد غضاضة في الاستعانة بهؤلاء باعتبار أن الدولة والحكومة تستعين وتضم إليها من تشاء لتحقيق أهدافها وتطبيق سياساتها وتوجهاتها وخدمة أبناء الشعب. ** ما يثير الدهشة حملة الأحزاب الأخري علي الحزب الوطني وتوجيهها انتقادات حادة له -كما لو كانت تعيش في أرقي الديمقراطيات في العالم- أو بالمواصفات التي وضعها الكتاب لحياة الأحزاب - تنسي حقيقة أمرها وتعيش في أوهام اليوتوبيا الحزبية.. ونتحدث عن أشياء لا قبل لها بها من أمثال: تبادل السلطة والحكم.. وقيادة البلاد والعباد.. وغيرها من عبارات رنانة لا يقدر عليها إلا الأحزاب الموجودة بالفعل.. والتي تتمتع بقواعد جماهيرية.. وتتحصن ببرامج وسياسات واقعية وفعالة.. وقادرة علي تحريك الجماهير علي الأقل في أوقات الأزمات وليست أحزابا هشة تقتلها الأزمات وتفضحها الصراعات وتتوسل الهدايا والهبات من كل من هب ودب في الداخل والخارج علي السواء!! ** إن الأزمة الحقيقية ليست في الحزب الوطني أو عنده.. ولكن في حقيقة الوجود الحزبي أصلا علي أرض الوطن