محافظ سوهاج يعلن تطبيق قرار غلق المحلات 9 مساءً اعتبارًا من غدًا السبت    سعر الدولار أمام الجنيه في ختام تعاملات الجمعة 27 مارس    منتصف التعاملات.. قفزة جديدة في أسعار الذهب محليًا    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تناقش ملامح الرؤية الاستراتيجية للوزارة 2026–2030    مجموعة السبع تؤكد ضرورة ضمان حرية الملاحة بمضيق هرمز    رئيس وزراء بولندا: احتمال حدوث تصعيد بالشرق الأوسط الأيام المقبلة    مقتل 10 بهجوم استهدف مبنى سكنيا جنوب العاصمة طهران    دي فانس ينتقد تقديرات نتنياهو بشأن الحرب: توقعات إسقاط النظام الإيراني مفرطة في التفاؤل    مدرب منتخب الناشئين بعد الفوز على تونس: بداية مثالية.. ونستحق الفوز بنتيجة أكبر    نتائج قوية في ختام مباريات اليوم من الجولة 25 بدوري الكرة النسائية    أهلي جدة يعترض على التوقيت.. تحرك رسمي لتعديل موعد مواجهة الدحيل    فيديو| الداخلية تكشف خدعة مُسلح ب «لوجو مجلس النواب»    القومي للمسرح يفتتح احتفالية "اليوم العالمي" برسالة "وليم دافو" (صور)    الأزهر يوضح علامات قبول الصيام وطريق الطاعة المستمرة    وزارة الزراعة: تحصين وتعقيم أكثر من 20 ألف كلب ضال منذ مطلع 2026    المخرج سعد هنداوي ل"البوابة نيوز": شاركت في تطوير معالجة "اللون الأزرق" منذ اللحظة الأولى وجومانا مراد الشريك الأول في رحلة تنفيذ هذا المشروع وأصريت على وجود مختصين لضمان دقة تناول قضية التوحد    زاهي حواس يكشف حقيقة وجود «أبو الهول الثاني»    مصرع شاب وإصابة آخر بطلقات نارية إثر تجدد خصومة ثأرية بقنا    غدا.. عرض ومناقشة فيلم Hidden Figures بمكتبة مصر الجديدة    التضامن: دعم 37 ألف طالب في سداد المصروفات الدراسية بقيمة 55 مليون جنيه    قصر العيني ينجح في إنقاذ قلب طفل من ورم نادر شديد الخطورة    طريقة عمل طاجن الجمبري فى الفرن، أكلة يوم الجمعة المميزة    قافلة طبية مجانية بالعبور ضمن «حياة كريمة» لخدمة أهالي القليوبية    مزارعو العالم يشعرون بصدمة الحرب الإيرانية.. إمدادات الأسمدة والمحاصيل تشعل أزمة غذاء عالمية    أنشيلوتي يتجاهل التعليق على هتافات الجمهور بشأن نيمار    ضبط 160 كجم أسماك غير صالحة للاستهلاك الآدمي بالمنوفية    ثروة مشبوهة.. تفاصيل جريمة غسل أموال ب 10 ملايين جنيه    حملات مكثفة بأحياء وسط والمنتزه أول للقضاء على بؤر الفريزة والنباشين    من حق الرئيس ومن حق الشعب المصري    "عراقجي": الشعب الإيراني مسالم.. والعدوان الأمريكي الإسرائيلي طال مستشفيات ومدارس ومصافي مياه    نفوذ بلا صدام وتأثير بلا ضجيج.. لماذا اختارت بكين الحياد الصامت بين طهران وواشنطن؟    جامعة القاهرة تستقبل وفد جامعة بكين لتعزيز الشراكة الاستراتيجية    وصلت ل 65 جنيها، مزارعو المنيا يكشفون أسباب أزمة الطماطم وموعد تراجع الأسعار    استئناف حركة الصيد بعد تحسن الأحوال الجوية في البحيرة    9 أشخاص.. أسماء المصابين في انقلاب ميكروباص بقنا    كفر الشيخ: عودة الملاحة بميناء البرلس بعد استقرار الأحوال الجوية    مساعد وزير الصحة يتفقد 4 مستشفيات جديدة في القاهرة والجيزة والقليوبية لتسريع دخولها الخدمة    رئيس مجلس القضاء العراقي: انفراد فصائل مسلحة بإعلان الحرب خرق للدستور    تعرف على مواجهات الجولة الرابعة من الدور النهائي لدوري السوبر الممتاز لآنسات الطائرة    سفاح التجمع يطيح ب إيجي بيست من وصافة شباك التذاكر.. وبرشامة يواصل الصدارة    تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتحديد البرامج المشتركة بين جامعتي القاهرة وبكين    "وداعا للأرق والإرهاق".. نصائح لإعادة ضبط نومك بعد انتهاء شهر رمضان    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حبنا لآل البيت من الإيمان 00!؟    صاحب الفضيلة الشيخ سعد الفقى يكتب عن : الدكتور / السيد عبد الباري الذي اعرفه؟    عملية نوعية لحزب الله على آليات وجنود جيش الاحتلال تحقق إصابات مباشرة    روسيا تطلب جلسة طارئة لمجلس الأمن حول ضربات أمريكا في إيران    رابطة الجامعات الإسلامية و"مشوار" تنظمان ندوة حول ثقافة العمل التطوعي والإنساني    إياد نصار: ترجمة «صحاب الأرض» أولى خطوات العالمية.. والمسلسل انتصر للإنسان الفلسطيني    برلماني: قضية الماجستير والدكتوراه أمن قومي وليست مجرد أزمة توظيف    ناقد رياضي يكشف أسباب تراجع تأثير الخطيب على لاعبي الأهلي    التشكيل المتوقع للفراعنة أمام السعودية وظهور أول لهيثم حسن    حبس 4 أشخاص لاتهامهم بالاتجار في المواد المخدرة بأكتوبر    الرئيس الأمريكي يستقبل الجالية اليونانية في البيت الأبيض احتفالًا بذكرى استقلال اليونان    خبر في الجول - اتفاق بين مصر والسعودية على إجراء 11 تبديلاً خلال المباراة الودية    نائبة العدل نيفين فارس تتقدم باقتراحين برغبة لتعزيز القوة الناعمة وتفعيل دور «القومي للبحوث»    أحمد زكي الأسطورة.. 21 عاما على رحيل أحد أعظم نجوم السينما بمصر والوطن العربي    بعد موجة الأمطار الغزيرة.. أوقاف كفر الشيخ تواصل تطهير أسطح المساجد ونزح مياه الأمطار    جرائم التحرش الإلكتروني.. الأوقاف تنشر خطبة الجمعة المقبلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رجائى عطيه يكتب عن: «توابع الفوضى» موسم العفو عن المجرمين
نشر في الدستور الأصلي يوم 23 - 10 - 2012

الفترة من يوليو 2012 إلى الآن شهدت انفتاحًا غير مسبوق فى العفو عن العقوبة أو تخفيفها بقرارات جمهورية
على طول السنين، من أيام الخديو والملك، وفى عهود محمد نجيب وعبد الناصر والسادات ومبارك لم يحدث أن استُخدم حق أو سلطة العفو إلا فى أضيق الحدود، بل وفى حالات فردية قليلة، بل ونادرة، إلا أن الفترة من يوليو 2012 إلى الآن، قد شهدت انفتاح الشهية انفتاحًا غير مسبوق فى الضرب الأول من ضروب العفو، وهو العفو عن العقوبة أو تخفيفها أو إبدالها، وكلها بقرارات جمهورية صدرت فى يوليو 2012، فى ما عدا القرار 122 لسنة 2012 فصدر فى 16 أغسطس 2012 بعد إلغاء الإعلان الدستورى المكمل، وإصدار آخر من الرئيس بسلطات أعطاها الرئيس لنفسه فى 12 أغسطس 2012.

وأول هذه القرارات ظهورًا، وإن كان ثالثها نشرًا، هو القرار الجمهورى 75/2012 ونشر فى الجريدة الرسمية فى 26/7/2012، وتضمن 27 اسمًا، حيث نصت مادته الأولى على العفو عن العقوبة الأصلية لثلاثة محكوم عليهم بالإعدام، أحدهم فى القضية 745 لسنة 1993 (عن قتل ضابط شرطة) وآخر فى القضية 419 لسنة 1994 (عن قتل ضابط شرطة)، بينما تضمنت المادة الثانية العفو عن العقوبة الأصلية، أو ما تبقى منها لثلاثة وعشرين حُكم عليهم فى قضية تفجيرات الأزهر سنة 2005، وفى القضية 419 لسنة 1994 (عن قتل لواء الشرطة محمد عبد اللطيف الشيمى مدير أمن أسيوط). وفى القضية 3/1999 جنايات عسكرية عن محاولة اغتيال مبارك، وشمل العفو الشيخ وجدى غنيم، وآخرين من الإخوان المسلمين منهم يوسف ندا (هارب)، وإبراهيم منير، وعلى غالب همت سورى (هارب)، وفتحى أحمد الخولى (هارب)، وتراوحت الأحكام بين المؤبد والسجن لمدد مختلفة، بينما نصت المادة الثالثة على العفو عن عقوبة الإعدام المحكوم بها (فى 10/5/2005) على المدعو شعبان عبد الغنى هريدى لتكون السجن لمدة 15 سنة. وقد خلا القرار من بيان الاتهامات، ولكن نشرت بعض الصحف أنها دارت حول القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والدخول فى اتفاق جنائى غرضه القتل، والشروع فى القتل، والخطف والسرقة بالإكراه، وإتلاف الممتلكات، وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، فضلا عن اتهام البعض بالانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف القانون.

وفى 19 يوليو، صدر ونُشر القراران الجمهوريان 57، و58/2012..، وتضمن القرار 57 لسنة 2012 العفو عن عدد هائل من المحكوم عليهم، فنصت مادته الأولى على العفو عن العقوبة الأصلية أو ما تبقى منها، وعن العقوبة التبعية لعدد 523 حكم عليهم بعقوبات لم يبينها القرار، ونصت المادة الثانية على العفو عن العقوبة الأصلية لعدد 49 حكم عليهم بعقوبات لم يبينها القرار، ونصت المادة الثالثة على تخفيف العقوبات لعدد 16 من المحكوم عليهم. والمجموع 588 من المحكوم عليهم، عدا المادة الثالثة، فإن المادتين الأولى والثانية لم تبينا العقوبات الأصلية المحكوم بها، ولكن ثابت بالكشوف المرفقة بالقرار أن الجرائم التى أدينوا قضائيا بها تراوحت بين حيازة وإحراز أسلحة نارية، وجرائم سرقة، وجرائم قوة وعنف بدون سلاح، وجرائم تخريب وإتلاف عمدى، وجرائم حيازة وإحراز أسلحة بيضاء، والمجموعة الأخيرة التى شملتها المادة الثالثة مدانة بحيازة أسلحة نارية وذخائر بكميات تنبئ عن الاتجار، وبعض الجرائم المتنوعة التى لم توضحها الكشوف المرفقة بالقرار الجمهورى.

على أن القرار الجمهورى 58/2012 الصادر بنفس يوم صدور القرار 57/2012، قد استقل بمنحى منفرد يبدو فى ظاهره كامتداد لقرارات العفو ما قبل الثورة التى كانت تصدر فى المناسبات بالعفو عن ربع أو ثلث مدة العقوبة السالبة للحرية المحكوم بها، فالقرار 58 لم يتضمن أسماءً، وإنما تضمن حالات على غرار ما كان يجرى فى السالف، وذلك بمناسبتى العيد الستين لثورة يوليو وعيد الفطر، إلا أنه لم يلتزم بالمعايير السابقة، ففتح الباب على الواسع، فأعفى المحكوم عليهم بالمؤبد إذا كانوا قد نفذوا 15 سنة، ومن نفذوا نصف المدة بالنسبة لباقى العقوبات، والمحكوم عليهم بعدة عقوبات سالبة للحرية عن جرائم وقعت منهم قبل دخولهم السجن (أى معتادى الإجرام) إذا كانوا قد أمضوا بالسجن نصف مجموع مدد العقوبات، ومع هذا الكرم فى المدد المعفى عنها خلافا لما كان يجرى، فإنه يحمد للقرار أنه التزم باستثناء جرائم حددها من سريان العفو، وليته فعل ذلك فى القرارات أرقام 57، و75، و122 لسنة 2012.

ففى 16 أغسطس صدر القرار الجمهورى 122 لسنة 2012، وتساند إلى جوار الإعلان الدستورى 30 مارس، إلى الإعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس لنفسه والمعدل تاريخ إصداره إلى 11 أغسطس بدلا من 12 أغسطس 2012. ونصت مادته الأولى على العفو عن العقوبة الأصلية، أو ما تبقى منها، وعن العقوبة التبعية لعدد 41 محكومًا عليهم فى جنايات لم يبينها القرار صدرت من محاكم مختلفة ما بين السويس والقاهرة والإسماعيلية وأسوان وطنطا وأسيوط، ونصت المادة الثانية على العفو عن العقوبة الأصلية لأحد عشر محكومًا عليهم فى جنح لم يبينها القرار، ونصت المادة الثالثة على العفو عن العقوبة التبعية (؟!) المحكوم بها على المدعو خيرى عادل خيرى عطية فى القضية 1214/334 لسنة 2011 جنايات ع/كلى الإسماعيلية، ونصت المادة الرابعة على تخفيف العقوبة المقضى بها على أربعة صدرت ضدهم أحكام عن جنايات، فنص القرار على تخفيف عقوبة كل منهم إلى سنة، دون أن يبين أصل العقوبة المحكوم بها، ولا نوع الجريمة التى أدين بها.

وواضح أن العفو قد شمل المحكوم عليهم فى جرائم جنائية خطرة، منها القتل العمد والشروع فيه، وإحراز وحيازة الأسلحة النارية والذخائر، وبعضها بقصد الاتجار فيها، وجرائم السرقة والخطف والتخريب والإتلاف، وكلها من أخطر الجرائم الجنائية.

وفى غير إعلان، ولظروف لم تتصل بالناس، ربما فى زيارة الرئيس السودانى إلى مصر، صدر فى 3 سبتمبر 2012 قراران جمهوريان، كلاهما بالعفو عن سودانيين، فأعفى القرار 155 لسنة 2012 مئة وعشرين مواطنا سودانيا، ولحقه بنفس اليوم القرار 157 لسنة 2012 بالعفو عن واحد وعشرين مواطنًا سودانيًّا، ولا اعتراض على مجاملة الإخوة السودانيين أو الرئيس السودانى فى ما يتصل بالجرائم الصغرى لمن دخلوا مصر من غير المنافذ الشرعية أو ضبطوا فى مناطق ممنوعة، إلا أنه تلاحظ أن العفو شمل جرائم كبرى وعقوبات غليظة وفى أمور تمس صميم أمن البلاد، فمن المعفو عنهم من قضى بعقابهم بعقوبات السجن عن حيازة وإحراز أسلحة نارية وبنادق آلية وذخائر واستعمال القوة والعنف والوجود بمناطق عسكرية محظورة، فضلا عن حيازة أجهزة اتصال لاسلكى وأجهزة للبحث عن المعادن فى باطن الأرض، وكلها جرائم تمس عصب الأمن القومى المصرى، وفى مناطق حدودية يجب أن يسود الانضباط دخولها والتعامل فيها!

والعفو عن العقوبة له غايات وضوابط يجب الالتزام بها، فهو باب لا يتسق مع النظام القانونى للدول، إذ بمقتضاه يخوّل لشخص مصدر القرار إبطال آثار الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم الدولة، وينطوى على خرق مبدأ الفصل بين السلطات بإخلاله بقوة الحكم وباستقلال القضاء الذى أصدره، ثم هو يمس بالصفة اليقينية للعقوبة، ويفتح بابا لعدم الخضوع لها، وقد يكون هذا الخضوع لازمًا وواجبًا. وسلطة رئيس الدولة فى العفو، ليست سلطة تحكمية، إنما هى تمارس على أساس من ذات الاعتبارات التى يسترشد بها المشرع والقاضى حين يسن أولهما العقوبة، ويوقعها أو يطبقها الثانى فى إطار ما يحكم القاضى من أدلة الإدانة والبراءة، ومواءمة وتفريد العقوبة إن حقت الإدانة. وعلى ذلك فإن العفو الرئاسى محكوم بوجوب موافقته لمصلحة المجتمع، ووجود مصالح حقيقية تبرر هذا العفو، والذى عنى القانون بوضع ضوابط لممارسته تحديدًا وتقنينا له.

فقد رأينا أن المادتين 74، و75 عقوبات، وضعتا ضوابط، فنصت أولاهما أن العفو لا يسرى أصلا على العقوبات التبعية والآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم بالإدانة، ما لم ينص فى أمر العفو على خلاف ذلك، والمقصد من النص تنبيه صاحب القرار إلى أن العفو هنا مركب مضاعف، وإلى لزوم أن يكون لمثل هذا العفو المضاعف اعتبارات حاضرة فى ذهن صاحب القرار. ومثل ذلك، بل وأحوط منه، ما نصت عليه المادة 75 عقوبات، من أنه عند إبدال العقوبة بأخف منها، لا يجوز النزول إلّا درجة واحدة، من الإعدام إلى السجن المؤبد، وأنه فى حالة العفو عن السجن المؤبد أو استبداله بعقوبة أخف يتعين وضع المعفو عنه حتمًا، وكما قال النص تحت مراقبة البوليس مدة خمس سنوات، كما أكدت فقرتها الأخيرة أن العفو لا يشمل الحرمان من الحقوق والمزايا المنصوص عنها فى الفقرات الأولى والثانية والخامسة والسادسة من المادة (25) من قانون العقوبات، ما لم ينص فى العفو على خلاف ذلك. فهذا بدوره تنبيه إلى ضوابط، وإلى وجوب أن يستند الخروج عنها إلى اعتبارات يجب أن تكون حاضرة فى إصدار العفو على خلافها.

وأنت لست بحاجة لأن أذكر لك أن قرارات العفو المتعاقبة التى عرضتها، قد خرجت عن ذلك، ولم تلتزم به، ونزلت مثلا بعقوبة الإعدام لمدة 15 سنة، وأعفت عن بعضها بلا عقوبة بديلة، ولم تقرر قط وجوب وضع المعفو عنه تحت مراقبة البوليس لمدة خمس سنوات أو حتى أقل من ذلك.
زد على ذلك أن قرارات العفو خرجت عن قاعدة أن للعفو عن العقوبة طابعا احتياطيا، بمعنى أنه لا يلتجئ إليه إلا إذا صار الحكم بالعقوبة باتا، فطالما كان الحكم غيابيا يجوز المعارضة فيه، أو قابلا للطعن بالاستئناف أو بالنقض، فإن العفو عن العقوبة يغدو ماسًا وتعرضًا للسلطة القضائية بغير موجب ولا مبرر، طالما فى وسع المحكوم عليه أن يعارض فى الحكم الغيابى، أو يستأنف الحكم الحضورى، أو يطعن عليه بطريق النقض. وفى ذلك تقول محكمة النقض إن محل العفو: «أن يكون الحكم القاضى بالعقوبة غير قابل للطعن بأى طريقة من طرق الطعن العادية أو غير العادية».
كما يتعين أن تكون العقوبة المحكوم بها لم تنقضِ بعد، ذلك أنه لا علة للعفو إذا كانت العقوبة قد انقضت، حالة كون هذا العفو لا يمحو الإدانة كالعفو الشامل الذى لا يكون إلا بقانون. هذا بينما شملت قرارات العفو محكوما عليهم بأحكام غيابية، وبأحكام قابلة للطعن عليها، مما غدا معه العفو مصادرة على السلطة القضائية.
على أن محاذير وأخطار هذه القرارات، ما حملته بعض الصحف من أن بعض من شملتهم قرارات العفو، تخصص فى توريد السلاح إلى سيناء، ومنهم من قضى عقابه بالسجن المؤبد، وأن شيوخ القبائل السيناوية قد اعترضوا بسبب الإفراج عن 16 مهربا للأسلحة الثقيلة، ومنهم أربعة من قتلة شهداء رفح، وأن قرارات العفو صدرت من الرئاسة مباشرة إلى مصلحة السجون، مما حال دون اتخاذ الإجراءات الاحتياطية الواجب اتخاذها.

ممارسة سلطة العفو، وهى باب استثنائى، يجب أن تكون فى إطار فلسفة حاضرة فى ما يصدر به من قرارات، ومما يذكر، ويبدو أن الحاضر فى الفوضى وتوابعها لم يُلتفت إليه، أن ثورة يوليو 1952 تنبهت إلى ذلك وراعته فى المرسوم بقانون رقم 241 لسنة 1952، فقد اتجه بالعفو إلى الجرائم السياسية، وعنيت مذكرته الإيضاحية ببيان معنى الجريمة السياسية، وتناولت ذلك عدة أحكام لمحكمة النقض فى 17/11/1953، وفى 16/11/1953، وفى 1/4/1954، وورد بهذه الأحكام لمحكمتنا العليا: «إن الشارع قد حدد فى المرسوم بقانون رقم 241 لسنة 1952 ومذكرته الإيضاحية معنى الجريمة السياسية التى قصد أن يمنح العفو لمرتكبيها بأنها هى التى ارتكبت لسبب أو غرض سياسى، وقيدها بأن تكون متعلقة بالشؤون الداخلية للبلاد، وذلك لعلّة معينة رآها هى إسدال الستار على التطاحن الداخلى وآثاره باعتبار أن الإجرام فى هذا النوع لا يستهدف الجانى فيه إشباع غرض شخصى أو يندفع إليه بباعث من الأنانية».

(حكم نقض 17 نوفمبر 1953). وتطبيقا لهذا المعيار، استبعدت محكمة النقض بهذا الحكم الجريمة المعروضة عليها، لأنها ليست من الجرائم السياسية التى يشملها العفو، وقالت فى ذلك ما نصه: «وإذن فمتى كان الثابت أن الطاعن دين بأنه: أولا انضم إلى جمعية بمصر ترمى إلى سيطرة طبقة اجتماعية على غيرها من الطبقات وإلى القضاء على طبقة اجتماعية وقلب نظم الدولة الأساسية للهيئة الاجتماعية، وكان استعمال القوة والإرهاب والوسائل الأخرى غير المشروعة ملحوظا فى ذلك، ثانيا روج بالمملكة المصرية لتغيير مبادئ الدستور الأساسية والنظم الأساسية للهيئة الاجتماعية وكان استعمال القوة والإرهاب والوسائل الأخرى غير المشروعة ملحوظا فى ذلك، فإن الحكم المطعون فيه، إذ قال إن هاتين الجريمتين ليستا من الجرائم السياسية التى قصد المرسوم السالف الذكر العفو عنها يكون قد طبق القانون تطبيقا سليما». وفى حكمها الصادر 16 نوفمبر 1953، قضت باستبعاد طائفة أخرى من دائرة الجرائم السياسية التى يمكن أن ينصرف إليها العفو، وقالت: «إن الجرائم التى ارتكبت لغرض دينى أو اجتماعى تخرج عن تلك الحدود، ولا يمكن اعتبارها جريمة سياسية، كما عرفها الشارع فى المرسوم بقانون رقم 241 لسنة 1952».

كانت هذه ثورة تعرف ما تريد، وتلتزم بأصول حددتها، لا خلط فيها ولا تخليط، وأنت حين تستعرض قرارات العفو سالفة البيان التى طفنا ببعض ما ورد بها، لا تجد فيها جريمة سياسية واحدة، إنما عن جرائم جنائية بالغة الخطر، وقَضَّت وتقض مضاجع وأمان وحقوق المصريين، ما بين القتل العمد مع سبق الإصرار والشروع فيه، والاتجار فى السلاح والذخائر، وتهريب الأسلحة الثقيلة، والخطف والسرقة بالإكراه، وإتلاف الممتلكات، وحيازة وإحراز الأسلحة النارية والبيضاء، والعبث بالحدود المصرية والمناطق العسكرية المحظورة، وبحرمة الأراضى المصرية وثرواتها المعدنية، وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، وأنه لابس جانبا من هذه القرارات عناية باتجاهات حزبية معينة، ولا تصدر عن قيم وأهداف الثورة التى تتمسح بها، ثم هى لم تقدم أى منطق أو أسباب يستشف منها أن فكرة «العدالة» كانت حاضرة ومطبقة فى العفو الذى شمل فيمن شمل من ارتكبوا جنايات فى غاية الخطر!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.