هذه رسالة لأصحاب الحمية و"أهل الهمة" الذين ثاروا للرسول صلى الله عليه وسلم وغضبوا لإهانته في فيلم مدته بضع دقائق.. أنا لا أستنكر غضبكم، فأنا لا أقل عنكم غضبا، لكن الفرق أني أتعامل مع مثل هذه التجاوزات بقدر أقل من الدهشة والارتياع مما فعلتم، ربما لأن مثل تلك الإساءات دائما ما تصدر من سفهاء تافهين متعصبين ينطبق عليهم المثل القائل "إن طلع العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب".. وكذلك لأني أرى أن الغضب للحق "طاقة نبيلة" ينبغي أن ننفق منها بحذر شديد، فلا نضيع القدر الأعظم منها لأن نبينا سُب.. هل ترون في هذا تهاونا مع الأمر؟ خذوني بقدر عقلي أولا قبل أن تحكموا: النبي عليه الصلاة والسلام هو من قرر الله له أنه سيد ولد آدم، وهو الذي نزل القرآن بفضائله وحسن سجاياه، وهو الذي -على حد قول الباحثة الإنجليزية كارين أرمسترونج- تجاوز نطاقه الزمني وأصبح رجلا لكل الأزمنة.. فضلا عن أني أؤمن أن لو اجتمع مبغضوه من الخلق أجمعين من كل زمان ومكان على سبه وإهانته ما ناله منهم مقدار ذرة وقد كرّمه الله خالق الخلق من فوق سبع سماوات.. بل وتقص علينا السيرة أن الله قد عصمه من سب كفار قريش حين كانوا يسمونه "مذمما" وينشدون شعر الهجاء فيه بهذا الاسم، فكان بهذا كيدهم مردودا عليهم لأنهم يسبون "مذمما" وهو "محمدا" وما هو بمذمم.. وكلامي هذا لا يعني أن نستهين بسب نبينا، بلى علينا أن نُظهِر الغضب الكبير، ولكن الإنصاف يقتضي منا ألا يبقى غضبنا في غمده ولا يخرج إلا لسباب ديننا أو نبينا، بينما يجري من حولنا ما هو أكثر إيذاء للرسول وأكثر إغضابا لله من سب الرسول نفسه. فهل من إيذاء لله ورسوله أكبر من أن تكون إحدى ديار الإسلام (سوريا) نهبا للطغاة والمجرمين وأن يصبح الروتين اليومي للسوري أن ينتظر في أي وقت من يقتحم بيته ويغتصب نساءه ويقتل أطفاله أمام عينيه قبل أن يلحق بهم بأبشع الطرق وهو يُخَيّر بين الموت أو أن يقول "لا إله إلا بشار"؟! ألا يجرح المسلم الغيور على دينه أن يتلقى رسالة من نساء سوريا تقول "إن لم تنقذوا أعراضنا من شبيحة بشار بالسلاح فأرسلوا إلينا حبوب منع الحمل"؟! أليست هذه أنفسا أعظم حرمة على الله من بيته الحرام؟ ألم نقرأ أن زوال الدنيا وما فيها أهون على الله من هذا الإجرام؟ هل من إهانة للرسول أكبر من أن تكون قصور حكام أرض الحرمين متخمة بالولائم الباذخة بينما على الجانب الآخر من البحر بلدٌ (الصومال) يقتل الأب فيه أبناءه بيديه لأن هذا أهون عليه من أن يراهم يموتون جوعا؟! أليس هذا ازدراء عمليا لرسالة التواد والتراحم التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم؟! أليس مما يُغضِب الله أن نقرأ خبرا عن شاب مصري وخطيبته عرض كل منهما كليته للبيع ليستكملا ثمن غرفة فوق سطح بناية يتزوجان فيها؟! ألا يؤذي الله ورسوله أن يهان المرء في جسده وآدميته لينال أبسط حقوقه في الحلال؟! هل يمكن لواحد من الغاضبين المتحمسين لرد إهانة الرسول أن يضع عينيه في عينيّ ويقول لي إن الفيلم المسيء قد آذاه أكثر مما يؤذيه وجود قواعد عسكرية أمريكية في بعض بلاد الإسلام تُستَخدَم لضرب بلاد إسلامية أخرى، في الوقت الذي يخرج علينا فيه شيوخ ينتمون إلى هذه البلاد ويرون ما يجري فيها متجاهلين هذا ومركزين جهودهمفي الحديث عن فرض الحجاب وحرمانية الاختلاط؟! ألا يُغضِب الله ويؤذي رسوله أن يفقد أكثر من ألف شاب أرواحهم ويفقد غيرهم أعينهم وأجسادهم، ويفقد أضعافهم حرياتهم ثمنا لكلمة حق في وجه سلطان جائر، ثم لا يُقتَص لهم رغم أن الله قد قالها صريحة {كُتِبَ عَلَيْكُم الْقَصَاصُ}؟ أين كل هؤلاء المتحمسين الذين خرجوا يصرخون بلوعة "فداك أنفسنا يا رسول الله" مما أمر به رسول الله؟ لا نراهم إلا في الدراما، ولكن أقل القليل منهم يظهر عند البأس الحقيقي.. أين الملايين التي احتلت ميدان التحرير فيما سموها "جمعة تطبيق الشريعة" وسميناها "جمعة قندهار" وهم يهتفون "الشعب يريد تطبيق شرع الله" ويحمل أحدهم لافتة تقول "ماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته؟" أين هؤلاء؟ أليست المذابح في سوريا والمجاعات في الصومال والفساد في مصر مما يُغضِبون الله ورسوله؟ أم أننا قد تحقق فينا الحديث الذي وصفنا بأننا "كثير ولكن غثاء كغثاء السيل" وقد صار علينا أن ننتظر تداعي الأمم علينا تداعي الأكلة على قصعتها؟ للأسف لقد أخطأتم يا أهل "شرع الله" ما أراد الله بشرعه.. وما أنفق لأجله الرسول الذي تغضبون لسبه صلى الله عليه وسلم، عمره وجهده وراحته ودمه وماله وأمنه.. صارت السُبّة تؤذي مشاعركم المرهفة أكثر مما يفعل الدم، فكنتم كالعراقي الذي سأل أحد السلف الصالح عن حرمانية قتل الذباب في حمَى الحرم، فأجابه الرجل "انظروا لهؤلاء الذين قتلوا الحسين وهم يسألوننا في حرمة قتل الذباب".. تريدون من الجهاد في سبيل الدين جعجعته لا طحنه.. ألستم تقولون "كلنا فداءك يا رسول الله"؟ هلموا إذن اتعبوا وجاهدوا لأجل ما جاء به رسول الله.. انفقوا من وقتكم وجهدكم في مليونيات لنصرة سوريا كما أنفقتم منهما للفوز في انتخابات البرلمان! ابذلوا التعب والعرق في فعاليات غاضبة رافضة للفساد الواقع على المصريين كما فعلتم لرفع الظلم عن حازم صلاح أبو إسماعيل.. نظّموا الحملات لمكافحة الجوع في الصومال كما نظمتم الحملات لإفساد "مؤامرات" العلمانيين والليبراليين على المادة الثانية. أرونا بلاء حسنا يليق بالضجيج الذي أحدثتموه.. ألا تتبادلون الرسائل من نوعية "تخيّل لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليك الآن ورآك تفعل كذا وكذا.. ماذا ستقول له"؟ دعوني أنا أسألكم.. تخيلوا لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أحدكم وسأله "ماذا فعلت لإخوانك في سوريا والصومال؟ ماذا فعلت لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في مصر؟ ماذا فعلت لترد الظلم عن بني وطنك؟" ماذا ستقول؟ هل ستقول "يا رسول الله فداك أبي وأمي لقد كنت مشغولا بالرد على الكافر الذي سبّك"؟ هل تراها إجابة مقنعة؟ ماذا عن يوم تقف بين يديّ الله عز وجل ويسألك نفس الأسئلة؟ هذا اليوم آتٍ لا محالة.. فعليك إذن الاستعداد للإجابة.. إن أحدكم لو فكّر أن يتصفّح سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن ينظر مواطن غضبه للاحظ أنه لم يغضب لشتيمة وُجّهَت إليه أو شِعر هجاه أو حتى محاولة لقتله، قدر غضبه لظلم وقع على ضعيف أو قتْل نفس بغير حق أو ترويع آمن أو ذلة محتاج بين ميسورين.. أفيقوا مما أنتم فيه يرحمكم الله.. فلو أنكم تحبون الله ورسوله حقا وتغضبون لهما.. فالأحرى أن يكون غضبكم لما يغضبان له أكبر من غضبكم لذاتهما.. فالله لا يؤذيه شيء من خلقه.. والرسول لا يؤذيه مبغضه، ولكن يؤذيهما حقا ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.. وإهدار الغضب النبيل في غير غرضه.