مجلس الوزراء يوافق على مشروع قانون الأسرة    ارتفاع أسعار النسكافيه والكابتشينو في الأسواق    إطلاق مبادرة"التمكين التكنولوجي 2026" بتعليم الفيوم    الحكومة: تصريحات رئيس الوزراء بشأن خسائر السياحة «600 مليون دولار يوميًا» تم تحريفها    عاجل- الحكومة تقر استمرار العمل عن بُعد يوم الأحد خلال مايو 2026.. خطوة لتخفيف الزحام وتحسين بيئة العمل    عاجل- رئيس الوزراء: الدولة تعمل على توطين الصناعات وزيادة الاستثمارات لتحقيق نمو اقتصادي مستدام    عاجل الحكومة: تراجع بطالة الشباب إلى 13.2% للفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا    محافظ الفيوم يتفقد أعمال توريد القمح المحلي بصوامع شركة مطاحن مصر الوسطى.. صور    انقسام لبناني حاد حول "المفاوضات المباشرة" مع إسرائيل وسط تحذيرات من "خطيئة خطيرة"    فوكس نيوز: مسؤولون بقطاع النفط يدعمون إجراءات ترامب بشأن إيران    لأول مرة منذ حربها مع أوكرانيا.. روسيا تحتفل بيوم النصر بدون معدات عسكرية    مدير "الطاقة الذرية": مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب لا يزال في مجمع أصفهان رغم القصف    أرقام صادمة للأهلي مع ييس توروب قبل مباراة القمة أمام الزمالك    اللاعب عبدالله حسونة ل"أهل مصر": الحركة اللي عملت تريند كانت متخطط لها من زمان | خاص    الإسماعيلي : نطلب إلغاء الهبوط كموسم آخر جديد    وزير الرياضة ومحافظ شمال سيناء يشهدان لقاءً حواريًا مع القيادات الشبابية    بعد ملحمة باريس وبايرن.. أبرز المباريات الأكثر غزارة تهديفية في تاريخ دوري أبطال أوروبا    إخماد حريق نشب داخل مصنع أوانٍ منزلية بمدينة بدر    «مستريح السيارات» يستأنف على أحكام حبس بإجمالي 360 سنة في قضايا نصب    تحرير 35 محضر لضبط مخالفات مخابز بلدية في حملات تموينية مكثفة بأسوان    سيدة تطعن زوجها بسكين في ملوي بالمنيا    غدًا.. ماستر كلاس مع المخرج يسري نصر الله بمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    جولة مفاجئة لنائب وزير الصحة بعدد من المنشآت الصحية بالقليوبية    وفاة والد حمدي الميرغني    الكشف على 1082 مواطنًا بقافلة طبية مجانية فى قرية بدران بالإسماعيلية    راحة طويلة، جدول الإجازات الرسمية في مايو 2026    جامعة القناة تطلق برامج تدريبية متكاملة لتعزيز وعي المجتمع والتنمية المستدامة    حبس المتهم بسرقة سيارة بالدقي    محافظ الإسماعيلية يعتمد جداول امتحانات الفصل الثاني للعام الدراسي 2025/ 2026    خبر في الجول - ثلاثي منتخب مصر يتواجد في السفارة الأمريكية لاستخراج تأشيرة الدخول    كرة اليد، مواجهات قوية اليوم في نصف نهائي كأس مصر    وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكى بجنود (بدر 2026) بالذخيرة الحية.. صور    رئيس جامعة بني سويف يجتمع بإدارة الأمن الإداري استعدادًا لامتحانات الفصل الدراسي الثاني    8 أطعمة تساعدك على مقاومة العدوى وتقوية المناعة    دعابة وكلمات دافئة ..كيف نجح الملك تشارلز فى خطابه التاريخى أمام الكونجرس؟    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    إشادة دولية بعد حصوله على بطولة أفريقيا للمصارعة.. عبد الله حسونة يروى كواليس التتويج    فيديو «علقة طنطا» يشعل السوشيال ميديا.. والأمن يلقى القبض على المتهمين    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    مسؤول أممي: اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يشهد تدهورًا مطردًا    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    خدمة اجتماعية بني سويف تنظم معرضها الخيري السنوي للملابس لدعم دور الرعاية الاجتماعية    الدولار يسجل 445.39 جنيها للشراء في بنك السودان المركزي    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «سيناء.. ارض السلام» في احتفالية ثقافية بقصر ثقافة أسيوط بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    9 مصابين في حادث انفجار شعلة غاز ببني سويف    مختار جمعة: قوة الردع المصرية صمام الأمان للسلام.. والجيش يحمي ولا يعتدي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صلاح فضل يقترح نسقاً ثامناً للتخييل
نشر في صوت البلد يوم 08 - 03 - 2018

في أحد مواضع كتاب «أنساق التخييل الروائي» (الدار المصرية اللبنانية) للناقد صلاح فضل، وردَ ما يلي: «أصبحت الروايةُ مجمعَ الفنون الجميلة كلها، يلوذ بها المبدعون في جميع المجالات لينفثوا فيها ذَوب تجاربهم الحيوية وخلاصة مغامراتهم الجمالية». ورغم ذلك، ومعه عنوان الكتاب الذي يشير إلى أن الكتابة الروائية هي موضوعه، يلاحظ أن المقالات التي يضمها تتناول 52 كتاباً، بينها، «زهرة الصمت» لرؤوف مسعد، الذي يعتبره فضل «لا رواية»، و»بوح المصريين» لخليل فاضل، وهو أيضاً ليس رواية، لكن المؤلف استثناه، «لأنه يدور حول واقع خصب يعتبر المادة الأولية لإبداعاتنا السردية...»، و «حكايات هائمة» لجمال الغيطاني - قرأه فضل مخطوطاً- ويندرج ضمن مشروع صاحب «الزيني بركات» لكتابة سيرته الذاتية. وأرى أن استبعاد الأعمال الثلاثة، لم يكن ليؤثر سلباً في محتوى الكتاب، ومراميه، بما في ذلك «حكايات هائمة»، رغم ما فيه من تخييل روائي؛ إلا أنه ليس رواية. باقي الكتب التي يتناولها الكتاب، هي روايات لكتاب من مصر، اليمن، سورية، لبنان، المغرب، تونس، الإمارات، السعودية، السودان، الأردن.
في موضع آخر، من الكتاب نفسه الذي يتألف من 366 صفحة، يقول فضل: «لا تزال الرواية تلعب دوراً خطيراً في تجذير الوجود الأنثروبولوجي للكيانات الإثنية التي تتعايش في الوطن العربي، وتنتقل بها من مرحلة الاحتدام العرقي وما يفضي إليه من تطرف طائفي عندما يتم كبته وتجريمه، إلى مرحلة التوافق الصحي، إذ يحتضنها الوعاء العربي الوسيع بلغته وثقافته المتآلفة، فالنوبيون والطوارق والأكراد والأمازيغ عندما ينخرطون في جسد ثقافي واحد بالكتابة العربية يخلصون عن عرقياتهم إثم العزلة، ليذيبوا توتراتهم ويبرزوا خصوصيتهم وهم يكتسبون شرعية الاندماج المتعدد الخلاق». تحديداً، جاء ذلك في مقدمة مقال فضل عن رواية المغربي طارق بكاري «نوميديا»، والتي يرى أنها «نموذج شيق لعبور الهوة وانصهار الثقافة بين العرب والبربر الأمازيغ في الشمال الأفريقي»! وهنا يصح أن نسأل: هل الكتابة الإبداعية بلغةٍ ما تعني الاندماح في قومية تلك اللغة؟
قراءات روائية
«زهرة الصمت»؛ الصادرة عن دار «العين»، يسميها فضل «لا رواية»، وترتّب على نشر مقاله العام الماضي عنها في صحيفة تصدر في القاهرة، تلاسنٌ بينه وبين رءوف مسعد، على مواقع صحافية إلكترونية، وكذلك على موقع «فايسبوك». يرى فضل أنها «نقيضُ النوع الأدبي المعروف، أمشاجٌ من الحكايات المبتورة، والمشاهد المنثورة، والشروح المطوّلة، والنقول الممتدة من المعاجم والدراسات والنصوص القديمة والحديثة، لصفحات كثيرة من دون رابط عضوي، بحثٌ غير متماسك يفتقد أطرَ الزمان وشروط المكان ووحدة الشخوص».
ويضيف في مقاله عن العمل ذاته: «جنس الرواية، مثل «جوف الفرا» يتسع لكل شيء غير أنه يحتاج إلى جلد بطن متماسك يحتويه، الأمر الذي يجعلني أصنف هذه الكتابة بأنها تقع في دائرة اللا رواية التي دخلت فيها تجارب لم تبلغ أبداً هذه الدرجة من التشتت اللامعقول، والأغرب من ذلك أنه عندما يمضي في حكاية شيء يستعيره، وفق تعبيره، من روايته السابقة «مزاج التماسيح»، نعثر فيه على بعض الفلذات الشائقة الدالة على تلاحم النسيج الوطني للمصريين». وهذا يدعو إلى التساؤل عن ضرورة أن تكون تلك «اللارواية» ضمن محتوى كتاب «أنساق التخييل الروائي»، وتحديداً في باب «التخييل الأسطوري».
ويمكن أن يسأل القارئ أيضاً، عن الضرورة التي اقتضت أن يتضمن الكتاب مقالاً عن رواية «الدائرة السوداء» للمصري حمدي عبدالرحيم، بما أن فضل نفسه لاحظَ أنها «تتشابه» مع مسرحية «دماء على ملابس السهرة» التي ترجمَها في السبعينات عن الأسبانية وعُرضت بعد ذلك على مسرح «الهناجر» في القاهرة. تتحدث المسرحية، ومن ثم رواية عبدالرحيم، وفق فضل، عن «جرائم التعذيب السياسي والأباطرة القائمين عليها حيث يدمرون أنفسهم ومستقبل وطنهم قبل أن يضروا ضحاياهم بإخلاص مروع». ويبرز هنا سؤال عن سبب وضع هذا العمل ضمن نسق «التخييل الأسطوري»، خصوصاً أنه لم يرد في مقال فضل عنه ما يوضح هذا الأمر.
في مقدمة الكتاب يقول صلاح فضل: أصدرتُ منذ ما يربو على عقدين من الزمان كتاباً صغيراً بعنوان «أساليب السرد في الرواية العربية»، كان مواكباً لكتاب آخر أشمل منه عن «أساليب الشعرية المعاصرة» صدر في زهوة الحفاوة باحتضان «علم الأسلوب» في النقد العربي، وقد اقترحتُ حينئذ تصنيف الأعمال الروائية العربية طبقاً لمنظومة التقنيات الفنية التي اكتشفتها السرديات الحديثة، وأوجزتها في ثلاث مجموعات ثنائية، هي الإيقاع الذي يعتمد على مفارقات الزمان والمكان، والمادة التي تتمثل في الخطاب وحجمه وعلاقته المباشرة بالراوي، والرؤية التي تبرز من ثنايا منظور الراوي ورصده لما يحصل أمامه. وتصورتُ أن طريقة انتظام هذه المكونات في أولوياتها ودرجة هيمنة كل منها على غيره ما يولد ديناميكية الأساليب السردية، والحق يقال إنني لم أعتمد على مصدر غربي أو عربي في هذا التصنيف، بل حاولت استخلاصه من النماذج الإبداعية التي درستُها مثلما فعلتُ في تصنيفي لأساليب الشعرية.
ويضيف: «تمخضت هذه الرؤية عن ثلاثة أصناف كبرى، هي الأسلوب الدرامي الذي يسود فيه الإيقاع ويتصاعد الصراع على الرواية العربية في صيغها الموضوعية الناجحة عند كبار المبدعين المؤسسين، أما الأسلوب الثاني فهو الذي أسميته بالغنائي لهيمنة الصوت المنفرد للراوي عليه، وتعبيره المباشر عن ذاتيته، وتركيزه على تجربته المائزة ووعيه المكثف بحياته الباطنية وقربه من الشعر، وأسميتُ الأسلوب الثالث الذي يغلب عليه المنظور البصري الخارجي بالأسلوب السينمائي سواء كان تصويرياً أو توثيقياً، وقد كان سريع الانتشار حينئذ في الإبداع العربي، وقد قمتُ بتحليل عدد من النماذج الروائية العربية الممثلة لهذه الأنماط، وتصورتُ أن هذا المقترح النقدي سوف يظفر بشيء من النقاش والتعديل والتصويب، لكن طابع الركود الغالب على حركتنا الأدبية والنقدية، وميل كل واحد للبداية من الصفر، وعدم الإسهام في بناء صرح علمي يعتمد على التراكم هو الذي غلب في نهاية الأمر ولم يعد أحد إلى مراجعة الاقتراح أو نقضه أو تعديله».
متابعة نقدية
مع الوقت تخمَرت لدى فضل مجموعة من المبادئ، التي أخذت تنضج وتتفاعل مع الإنتاج الإبداعي الذي ظل يتابعه بانتظام، وخفّت حدة الولع بالأساليب التي تعنى بالخطاب وتحليله، والتقنيات التعبيرية وآثارها الجمالية، وحلّ محلّها مبدأ التخييل الحاسم في تمييز الأعمال الإبداعية عن أنواع القول الأخرى. وتمخّضت تجربته التطبيقية في النقد الروائي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، عن رصد عدد من الأنساق يتوافق بعضها مع الأساليب السابقة ويختلف بعضها الآخر عنها، «وهي لا تتولد مثلها من تفاعل بعض التقنيات الفنية بمقدار ما تنبثق من العامل المهيمن على العمل في جملته، ومع تجاورها وتحاورها وتراسل بعضها مع البعض الآخر».
وأسفرت عن سبعة أنساق من التخييل: الذاتي، الجماعي، التاريخي، الأسطوري، الفانتازي، البصري والمشهدي، العلمي. وكان فضل يفترض وجود نسق إضافي يمكن أن يطلق عليه التخييل الرقمي أو الافتراضي، الذي يعتمد على عالم الواقع المعلوماتي السيبراني، لكنه لم يعثر في ما قرأ على نموذج يمثل هذا الاتجاه، وإن كان يذكر أنه تعرض في كتاب «سرديات القرن الجديد» لرواية إبراهيم عبدالمجيد في «كل أسبوع يوم جمعة»، «ويمكن أن نعتبره من هذا القبيل». ويذهب فضل إلى أن علاقة هذه الأنساق بالأساليب السردية تبرز الفرق بين الرؤيتين، فالتخييل الذاتي هو فردي في صميمه، ليس سوى الأسلوب الغنائي في شكل آخر من دون أن يكون بالضرورة من قبيل السيرة الذاتية، والأسلوب السينمائي تجلى هنا في النسق البصري المشهدي، أما الأنساق الستة الأخرى فيمكن إدراجها ضمن الأسلوب الدرامي في شكل ما، وإن كانت هنا أكثر شفافية وتجسداً وتحديداً للطابع المميّز لكل نسق على حدة.
من ناحية أخرى، لاحظ فضل أن توزيع هذه الأنساق في خارطة الإبداع العربي يكشف عن بعض الظواهر اللافتة، من أهمها غلبة النزعات التاريخية وتأملات الذات الجماعية، والعناية بالرواية البصرية المشهدية على غيرها، وانحسار نسق التخييل العلمي إلى أدنى نسبة له بحيث لم يمثله من العينة المدروسة سوى نموذج واحد، ما يشير إلى موقع مجتمعنا المتدني في سلم الاهتمامات العلمية حتى على مستوى التخييل الفني. والعمل المقصود هو رواية «جنة على الأرض» للأردني فادي زغموت، وتدور أحداثها عام 2091، حيث بات متاحاً للجميع علاجٌ سحري لعلامات الشيخوخة، «في شكل حبَة صغيرة صفراء اللون تعيد الحيوية لخلايا الجسم». وختم فضل مقدمة الكتاب بقوله: «ولعلي أكون متفائلاً هذه المرة وأدعو شباب النقاد إلى النظر في هذا المقترح الجديد وتنميته حتى يتحقق لنا قدرٌ من التراكم المنهجي الذي لا تقوم حياة علمية ناضجة وشامخة من دون الأخذ به والبناء عليه».
في أحد مواضع كتاب «أنساق التخييل الروائي» (الدار المصرية اللبنانية) للناقد صلاح فضل، وردَ ما يلي: «أصبحت الروايةُ مجمعَ الفنون الجميلة كلها، يلوذ بها المبدعون في جميع المجالات لينفثوا فيها ذَوب تجاربهم الحيوية وخلاصة مغامراتهم الجمالية». ورغم ذلك، ومعه عنوان الكتاب الذي يشير إلى أن الكتابة الروائية هي موضوعه، يلاحظ أن المقالات التي يضمها تتناول 52 كتاباً، بينها، «زهرة الصمت» لرؤوف مسعد، الذي يعتبره فضل «لا رواية»، و»بوح المصريين» لخليل فاضل، وهو أيضاً ليس رواية، لكن المؤلف استثناه، «لأنه يدور حول واقع خصب يعتبر المادة الأولية لإبداعاتنا السردية...»، و «حكايات هائمة» لجمال الغيطاني - قرأه فضل مخطوطاً- ويندرج ضمن مشروع صاحب «الزيني بركات» لكتابة سيرته الذاتية. وأرى أن استبعاد الأعمال الثلاثة، لم يكن ليؤثر سلباً في محتوى الكتاب، ومراميه، بما في ذلك «حكايات هائمة»، رغم ما فيه من تخييل روائي؛ إلا أنه ليس رواية. باقي الكتب التي يتناولها الكتاب، هي روايات لكتاب من مصر، اليمن، سورية، لبنان، المغرب، تونس، الإمارات، السعودية، السودان، الأردن.
في موضع آخر، من الكتاب نفسه الذي يتألف من 366 صفحة، يقول فضل: «لا تزال الرواية تلعب دوراً خطيراً في تجذير الوجود الأنثروبولوجي للكيانات الإثنية التي تتعايش في الوطن العربي، وتنتقل بها من مرحلة الاحتدام العرقي وما يفضي إليه من تطرف طائفي عندما يتم كبته وتجريمه، إلى مرحلة التوافق الصحي، إذ يحتضنها الوعاء العربي الوسيع بلغته وثقافته المتآلفة، فالنوبيون والطوارق والأكراد والأمازيغ عندما ينخرطون في جسد ثقافي واحد بالكتابة العربية يخلصون عن عرقياتهم إثم العزلة، ليذيبوا توتراتهم ويبرزوا خصوصيتهم وهم يكتسبون شرعية الاندماج المتعدد الخلاق». تحديداً، جاء ذلك في مقدمة مقال فضل عن رواية المغربي طارق بكاري «نوميديا»، والتي يرى أنها «نموذج شيق لعبور الهوة وانصهار الثقافة بين العرب والبربر الأمازيغ في الشمال الأفريقي»! وهنا يصح أن نسأل: هل الكتابة الإبداعية بلغةٍ ما تعني الاندماح في قومية تلك اللغة؟
قراءات روائية
«زهرة الصمت»؛ الصادرة عن دار «العين»، يسميها فضل «لا رواية»، وترتّب على نشر مقاله العام الماضي عنها في صحيفة تصدر في القاهرة، تلاسنٌ بينه وبين رءوف مسعد، على مواقع صحافية إلكترونية، وكذلك على موقع «فايسبوك». يرى فضل أنها «نقيضُ النوع الأدبي المعروف، أمشاجٌ من الحكايات المبتورة، والمشاهد المنثورة، والشروح المطوّلة، والنقول الممتدة من المعاجم والدراسات والنصوص القديمة والحديثة، لصفحات كثيرة من دون رابط عضوي، بحثٌ غير متماسك يفتقد أطرَ الزمان وشروط المكان ووحدة الشخوص».
ويضيف في مقاله عن العمل ذاته: «جنس الرواية، مثل «جوف الفرا» يتسع لكل شيء غير أنه يحتاج إلى جلد بطن متماسك يحتويه، الأمر الذي يجعلني أصنف هذه الكتابة بأنها تقع في دائرة اللا رواية التي دخلت فيها تجارب لم تبلغ أبداً هذه الدرجة من التشتت اللامعقول، والأغرب من ذلك أنه عندما يمضي في حكاية شيء يستعيره، وفق تعبيره، من روايته السابقة «مزاج التماسيح»، نعثر فيه على بعض الفلذات الشائقة الدالة على تلاحم النسيج الوطني للمصريين». وهذا يدعو إلى التساؤل عن ضرورة أن تكون تلك «اللارواية» ضمن محتوى كتاب «أنساق التخييل الروائي»، وتحديداً في باب «التخييل الأسطوري».
ويمكن أن يسأل القارئ أيضاً، عن الضرورة التي اقتضت أن يتضمن الكتاب مقالاً عن رواية «الدائرة السوداء» للمصري حمدي عبدالرحيم، بما أن فضل نفسه لاحظَ أنها «تتشابه» مع مسرحية «دماء على ملابس السهرة» التي ترجمَها في السبعينات عن الأسبانية وعُرضت بعد ذلك على مسرح «الهناجر» في القاهرة. تتحدث المسرحية، ومن ثم رواية عبدالرحيم، وفق فضل، عن «جرائم التعذيب السياسي والأباطرة القائمين عليها حيث يدمرون أنفسهم ومستقبل وطنهم قبل أن يضروا ضحاياهم بإخلاص مروع». ويبرز هنا سؤال عن سبب وضع هذا العمل ضمن نسق «التخييل الأسطوري»، خصوصاً أنه لم يرد في مقال فضل عنه ما يوضح هذا الأمر.
في مقدمة الكتاب يقول صلاح فضل: أصدرتُ منذ ما يربو على عقدين من الزمان كتاباً صغيراً بعنوان «أساليب السرد في الرواية العربية»، كان مواكباً لكتاب آخر أشمل منه عن «أساليب الشعرية المعاصرة» صدر في زهوة الحفاوة باحتضان «علم الأسلوب» في النقد العربي، وقد اقترحتُ حينئذ تصنيف الأعمال الروائية العربية طبقاً لمنظومة التقنيات الفنية التي اكتشفتها السرديات الحديثة، وأوجزتها في ثلاث مجموعات ثنائية، هي الإيقاع الذي يعتمد على مفارقات الزمان والمكان، والمادة التي تتمثل في الخطاب وحجمه وعلاقته المباشرة بالراوي، والرؤية التي تبرز من ثنايا منظور الراوي ورصده لما يحصل أمامه. وتصورتُ أن طريقة انتظام هذه المكونات في أولوياتها ودرجة هيمنة كل منها على غيره ما يولد ديناميكية الأساليب السردية، والحق يقال إنني لم أعتمد على مصدر غربي أو عربي في هذا التصنيف، بل حاولت استخلاصه من النماذج الإبداعية التي درستُها مثلما فعلتُ في تصنيفي لأساليب الشعرية.
ويضيف: «تمخضت هذه الرؤية عن ثلاثة أصناف كبرى، هي الأسلوب الدرامي الذي يسود فيه الإيقاع ويتصاعد الصراع على الرواية العربية في صيغها الموضوعية الناجحة عند كبار المبدعين المؤسسين، أما الأسلوب الثاني فهو الذي أسميته بالغنائي لهيمنة الصوت المنفرد للراوي عليه، وتعبيره المباشر عن ذاتيته، وتركيزه على تجربته المائزة ووعيه المكثف بحياته الباطنية وقربه من الشعر، وأسميتُ الأسلوب الثالث الذي يغلب عليه المنظور البصري الخارجي بالأسلوب السينمائي سواء كان تصويرياً أو توثيقياً، وقد كان سريع الانتشار حينئذ في الإبداع العربي، وقد قمتُ بتحليل عدد من النماذج الروائية العربية الممثلة لهذه الأنماط، وتصورتُ أن هذا المقترح النقدي سوف يظفر بشيء من النقاش والتعديل والتصويب، لكن طابع الركود الغالب على حركتنا الأدبية والنقدية، وميل كل واحد للبداية من الصفر، وعدم الإسهام في بناء صرح علمي يعتمد على التراكم هو الذي غلب في نهاية الأمر ولم يعد أحد إلى مراجعة الاقتراح أو نقضه أو تعديله».
متابعة نقدية
مع الوقت تخمَرت لدى فضل مجموعة من المبادئ، التي أخذت تنضج وتتفاعل مع الإنتاج الإبداعي الذي ظل يتابعه بانتظام، وخفّت حدة الولع بالأساليب التي تعنى بالخطاب وتحليله، والتقنيات التعبيرية وآثارها الجمالية، وحلّ محلّها مبدأ التخييل الحاسم في تمييز الأعمال الإبداعية عن أنواع القول الأخرى. وتمخّضت تجربته التطبيقية في النقد الروائي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، عن رصد عدد من الأنساق يتوافق بعضها مع الأساليب السابقة ويختلف بعضها الآخر عنها، «وهي لا تتولد مثلها من تفاعل بعض التقنيات الفنية بمقدار ما تنبثق من العامل المهيمن على العمل في جملته، ومع تجاورها وتحاورها وتراسل بعضها مع البعض الآخر».
وأسفرت عن سبعة أنساق من التخييل: الذاتي، الجماعي، التاريخي، الأسطوري، الفانتازي، البصري والمشهدي، العلمي. وكان فضل يفترض وجود نسق إضافي يمكن أن يطلق عليه التخييل الرقمي أو الافتراضي، الذي يعتمد على عالم الواقع المعلوماتي السيبراني، لكنه لم يعثر في ما قرأ على نموذج يمثل هذا الاتجاه، وإن كان يذكر أنه تعرض في كتاب «سرديات القرن الجديد» لرواية إبراهيم عبدالمجيد في «كل أسبوع يوم جمعة»، «ويمكن أن نعتبره من هذا القبيل». ويذهب فضل إلى أن علاقة هذه الأنساق بالأساليب السردية تبرز الفرق بين الرؤيتين، فالتخييل الذاتي هو فردي في صميمه، ليس سوى الأسلوب الغنائي في شكل آخر من دون أن يكون بالضرورة من قبيل السيرة الذاتية، والأسلوب السينمائي تجلى هنا في النسق البصري المشهدي، أما الأنساق الستة الأخرى فيمكن إدراجها ضمن الأسلوب الدرامي في شكل ما، وإن كانت هنا أكثر شفافية وتجسداً وتحديداً للطابع المميّز لكل نسق على حدة.
من ناحية أخرى، لاحظ فضل أن توزيع هذه الأنساق في خارطة الإبداع العربي يكشف عن بعض الظواهر اللافتة، من أهمها غلبة النزعات التاريخية وتأملات الذات الجماعية، والعناية بالرواية البصرية المشهدية على غيرها، وانحسار نسق التخييل العلمي إلى أدنى نسبة له بحيث لم يمثله من العينة المدروسة سوى نموذج واحد، ما يشير إلى موقع مجتمعنا المتدني في سلم الاهتمامات العلمية حتى على مستوى التخييل الفني. والعمل المقصود هو رواية «جنة على الأرض» للأردني فادي زغموت، وتدور أحداثها عام 2091، حيث بات متاحاً للجميع علاجٌ سحري لعلامات الشيخوخة، «في شكل حبَة صغيرة صفراء اللون تعيد الحيوية لخلايا الجسم». وختم فضل مقدمة الكتاب بقوله: «ولعلي أكون متفائلاً هذه المرة وأدعو شباب النقاد إلى النظر في هذا المقترح الجديد وتنميته حتى يتحقق لنا قدرٌ من التراكم المنهجي الذي لا تقوم حياة علمية ناضجة وشامخة من دون الأخذ به والبناء عليه».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.