حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه رسميًا فى انتخابات رئاسة حزب الوفد    تراجع أسعار الذهب في مصر متأثرة بارتفاع الدولار وتشديد التوقعات بشأن الفائدة الأمريكية    الولايات المتحدة تعلن احتجاز ناقلة نفط روسية بالمحيط الأطلسي.. كيف ردت موسكو؟    مان سيتي ضد برايتون.. هالاند يتصدر تشكيل السيتزينز في البريميرليج    الزمالك على مفترق طرق.. من هو المدرب الأجنبي القادم؟    نوة الفيضة الكبرى تقترب من الإسكندرية وتحذيرات من ارتفاع الأمواج 5 أمتار    لقاء سويدان تعلن إصابتها بالعصب السابع    وزير خارجية السعودية يصل إلى واشنطن في زيارة رسمية    جيسوس: ضم صفقات للنصر في يناير؟ الأمور ليست سهلة    حابس الشروف ل"إكسترا نيوز": مصر دائمًا مع الحق الفلسطيني وحل الدولتين    أزمة نفسية تدفع شاب لإنهاء حياته فى الهرم    ضبط سائق تسبب في مصرع شخص دهسًا بالقاهرة    أزمة داخل منتخب نيجيريا قبل مواجهة الجزائر بسبب المستحقات المالية    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    احتجاز مشجع الكونغو الشهير كوكا مولادينجا في عملية احتيال    محافظ المنيا يهنئ الآباء الأساقفة بعيد الميلاد المجيد    تحت شعار «صناع الهوية».. وزارة الثقافة تكرم رموز العمل الثقافي في مصر    «العائلة».. كلمة السر فى حياة «كوكب الشرق»    برلين: من الصعب المضي قدما في العملية السياسية الخاصة بأوكرانيا بدون واشنطن    محمد صلاح بين اختبار كوت ديفوار وقمة ليفربول وأرسنال    محافظ قنا يشارك أقباط قوص فرحتهم بعيد الميلاد ويؤكد وحدة المصريين    وكيل صحة الدقهلية يتابع توافر الأدوية والمستلزمات الطبية خلال أعياد الميلاد    طريقة عمل البسلة والجزر باللحمة بمذاق رائع    القبض على شخص لترويج بيع أسلحة نارية عبر فيس بوك في الإسماعيلية    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    اعتراف بالفشل.. التعليم تقرر إعادة امتحان البرمجة للصف الأول الثانوي بعد سقوط منصة كيريو    مبدأ مونرو بعد قرنين: عقيدة حماية أم بوابة هيمنة    ننشر الأسماء.. وزارة التضامن تغلق 80 دار رعاية مخالفة وغير مرخصة في 18 شهرًا    البديوي السيد: رسائل الرئيس السيسي من الكاتدرائية تؤكد تماسك النسيج الوطني ووحدة الصف    عاجل.. سلامة الغذاء تسحب عبوات لبن نستلة من الأسواق    محافظ القليوبية ومدير أمن القليوبية يقدمان التهنئة بعيد الميلاد المجيد بمطرانية شبين القناطر    محافظ الغربية يزور كنائس طنطا ويُسعد الأطفال بهدايا الرئيس    طوارئ قصر العيني: استمرار تقديم الخدمة الطبية بكفاءة عالية خلال فترة الإجازات    1000 رحلة يوميا و1.2 مليون راكب.. السكة الحديد تكشف أرقام التشغيل على مستوى الجمهورية    تشييع جثمان المطرب ناصر صقر إلى مثواه الأخير    النيابة الإدارية تواصل غدًا التحقيق في واقعة مصرع 7 مرضى بمركز علاج الإدمان بالقليوبية    القبض على 299 متهمًا بحوزتهم نصف طن مخدرات بالمحافظات    الرعاية الصحية تعلن خطتها للتأمين الطبي لاحتفالات عيد الميلاد المجيد    انطلاق «مارثون الخير» بفنادق شرم الشيخ    برشلونة يعلن إصابة تير شتيجن وعودته إلى إسبانيا    محافظ كفرالشيخ: التشغيل التجريبي لمجزر دسوق تمهيدًا لافتتاحه    البابا تواضروس: وحدتنا أساس الحفاظ على الوطن وقواتنا المسلحة فخر لكل مصرى    لقاء الخميسى: لا يوجد ما يستدعى القتال.. السلام يعم المنزل    وزارة الصحة ترفع كفاءة الخدمات التشخيصية من خلال تطوير منظومة الأشعة التشخيصية    أسعار اللحوم في الأسواق المصرية اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    الدفاع السورية تعلن حظر تجوال كامل في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب    وزيرا الزراعة والتعليم العالي يبحثان تفاصيل مشروع إنشاء جامعة الغذاء في مصر    وزارة المالية: مديونية أجهزة الموازنة للناتج المحلي تستمر في التراجع    مصرع طفل غرق في حوض مياه أثناء اللهو بالواحات    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    أسعار الأسماك اليوم الأربعاء 7 يناير في سوق العبور للجملة    أسعار الذهب في مصر اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    هل يسيطر «الروبوت» فى 2026 ؟!    نانسي عجرم ترد على شائعات طلاقها: الناس مش متعودة تشوف زوجين متفاهمين    بدعوة من نتنياهو| إسرائيل تعلن عن زيارة لمرتقبة ل رئيس إقليم أرض الصومال    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ياسين رفاعية قاصاً وروائياً في تقاطع الأقدار والأمكنة
نشر في صوت البلد يوم 28 - 05 - 2016

في رواية ياسين رفاعية «راس بيروت» (1992) يستذكر الراوي أبو بسام حضوره إلى بيروت ليبيع فيها الكعك، ويتحدث عن بائع الكعك الذي صار كاتباً من غير أن يستهدف ذلك.
ليس أبو بسام الذي يضن في الرواية باسمه، فيكتفي باللقب، إلا ياسين رفاعية نفسه، الذي تحدث في مواقع شتّى خارج الرواية عن عمله صبياً في بيع الكعك في سينما غازي. وعن نشأته، قبل بيع الكعك وبعده، تحدث رفاعية أيضاً عن توقفه عن الدراسة في الرابعة عشرة، ولحاقه بأبيه ليعمل في الفرن، كي يساهم في حمل أعباء الأسرة الفقيرة. وقد عمل رفاعية أيضاً مساعداً لحذّاء (كندرجي). ومن تلك النشأة متح قصصه القصيرة الأولى، والتي جمعتها باكورته «الحزن في كل مكان» (1960). فمن قصة تنبض بحزن الصبي الذي ترك المدرسة اضطراراً، ومضى إلى الفرن بالقبقاب حيث يتشمّم عبق الخبز والكعك، إلى قصة تلو قصة، وقوام كل قصة ما اختزنه صبيّ الفران من حكايات وصور أقرانه في العمل.
تنادي نشأة ياسين رفاعية نشأة زكريا تامر، الذي ترك المدرسة اضطراراً أيضاً عام 1944، وهو في الثالثة عشرة، ليعمل في الحدادة. وقبل رفاعية وتامر كان حنا مينه قد عمل حلاقاً في اللاذقية، قبل أن يمضي إلى الصحافة في دمشق. أما ما يجمع رفاعية وتامر فهو ظهور المجموعة القصصية الأولى لكل منهما عام 1960: للأول «الحزن في كل مكان» وللثاني «صهيل الجواد الأبيض». ولعل من المفيد هنا أن نذكر أيضاً من أعلام الرعيل الذي ظهر فيه رفاعية: وليد إخلاصي، وقد صدرت مجموعته الأولى «قصص» عام 1963، ومن قبل: كوليت خوري وسعيد حورانية وعادل أبو شنب وصدقي إسماعيل وحسيب كيالي... ما يؤشر إلى ما كانت عليه القصة القصيرة آنئذٍ، وهي الفن الذي سيخلص له ياسين رفاعية ويتألق فيه، كما في مجموعة «العالم يغرق» (1963) و»العصافير» (1973) و»الرجال الخطرون» (1979) قبل أن تميل به عنها الصحافة والرواية، وكذلك الشعر وقصص الأطفال.
على رغم أن لبنان صار وطن ياسين رفاعية الثاني أو الأول، فقد ظل مسكوناً بدمشق بخاصة، وظل حيّ العقيبة، حيث نشأ، يسري في نسغه. وقد جبل من زمنه الدمشقي رواية «مصرع الماس» (1981)، فأبدع في صياغة الشخصية الروائية الشعبية «الماس» الذي تصدى للاستعمار الفرنسي في الحارة الدمشقية. وأبدع رفاعية في صياغة الشخصيات النسائية في هذه الرواية التي شكت من أنها بنيت كروايتين. وقد ذهب رفاعية أبعد في رواية «أسرار النرجس» (1998) في هتك العتمات التي يحفل بها المجتمع. ومنذ ثلاث سنوات خصّ الكاتب العمال السوريين المياومين في لبنان بروايته «سوريّو جسر الكولا»، والتي ضفرت لكل من شخصياتها حكايته اللبنانية إلى حكايته السورية.
تتركز الأهمية الروائية لياسين رفاعية في رواياته السيرية، والتي هي في غالبيتها من المدونة الروائية للحرب اللبنانية. ففي آخر رواياته «ياسمين» سرد قصة حب ابنته لينا مع الإنكليزي جون، والصراع بين قيم الأب الشرقي وقيم جون الذي تزوج لينا. وعلى رغم بعض الانحرافات الطفيفة والساذجة عن السيرية في هذه الرواية، وفي سائر روايات رفاعية السيرية، فالمثل يصح هنا: «يكاد المريب أن يقول خذوني»، حتى في رواية «أهداب» (2008) التي تنادي لوليتا فيما ترسم من العلاقة المشتبهة بالسفِاح بين السبعينيّ وابنة الثامنة عشرة. وقد رصدت رواية «وميض البرق» (2002) الوحدة الموحشة لعجوز أرمل، بعدما غادره ابنه وابنته، وتركاه يجترّ صور حياته الزوجية. أما رواية «الحياة عندما تصبح وهماً» (2006) فتستعيد حياة الكاتب مع زوجته الشاعرة والروائية أمل الجراح (1945-2004). ولعل هذه الرواية كسابقتها أن تتعلقا بشيخوخة الكاتب الذي أقام في حي راس بيروت، وباسم الحي عنون روايته التي تنادي روايات الحارة، بل والعمارة، لأن رواية رفاعية تتركز في العمارة التي أقام فيها هو أو راوي الرواية وبطلها أبو بسام. وتحفل الرواية بالحنين إلى بيروت عندما اختارها الراوي وطناً بعد سوريا، وكانت جوهرة وواحة ديموقراطية حقيقية في تلك الصحراء الشاسعة. ومن زمن الحرب يتميز تصوير الرواية للقمامة، مما توقد أضعافاً في رواية السوري مروان طه مدور «جنون البقر»، لكأن الروايتين تخاطبان منذ ربع قرن بلوى القمامة اليوم.
من سمات السيرية في القسم الثاني من رواية «راس بيروت» سفر زوجة الراوي الشاعرة إلى لندن، وعمل الراوي في الصحافة الثقافية، وذكرياته عن صديق الطفولة محي الدين الذي ربما كان الناقد الراحل محي الدين صبحي... وقبل ذلك سرد أبو بسام قصة خطف الفلسطيني أبو الجماجم له، وعلى نحو يتطابق مع اختطاف ياسين رفاعية الذي ختم كل ذلك بقوله في بيروت: «هذه مدينة ستغرق بدماء أبنائها... فكن شاهد هذا العصر أيها الشهيد».
ومن اللافت ان رواية رفاعية «الممر» التي تتعلق بالحرب اللبنانية أيضاً، خلت من السيرية. وإذا كانت سلطة السارد قد آذت في غير موضع رواية (راس بيروت) فقد بدت رواية «الممر» ساذجة في محاولتها الحداثية، ابتداءً من لعبة الأقواس والبنط الغامق في الطباعة لتمييز التداعيات، إلى لعبة التناص مع رواية باربوس «الجحيم»، بما ينوف على عشر الرواية. وفي سائر روايات رفاعية عن الحرب اللبنانية، إلحاح على تعرية الطائفية. ولذلك يبني دائماً العلاقة بين رجل مسلم وامرأة مسيحية أو العكس.
في ميعة الصبا كان ياسين رفاعية وزكريا تامر والروائي الفلسطيني المنسي يوسف شرورو، يلتقون في المقبرة، يتسامرون في الأدب، ويقرأ أحدهم قصة مما كتب، للآخرين. وقد حصلت قصة رفاعية «ماسح الأحذية» على الجائزة الأولى في مسابقة «مجلة النفط» التي كان يديرها جبرا إبراهيم جبرا. وتابع رفاعية نشر قصصه - مجاناً بالطبع - في الصحف الدمشقية إلى أن كوفئ على مقالة تبتهج بالوحدة السورية المصرية (1958-1961) بالعمل في المكتب الإعلامي في القصر الرئاسي. وقد أخذته الصحافة إليها من بعد، فعمل مع فؤاد الشايب في مجلة «المعرفة»، وفي جريدة «الثورة»، ثم في الصحافة اللبنانية وفي صحافة الطفل. وعبر ذلك تنقل رفاعية بين دمشق وبيروت ولندن، لكن بيروت ظلت ملاذه الأثير، فآثرها برواياته: الممر، راس بيروت، وميض البرق، دماء بالألوان، من يتذكر تاي، امرأة غامضة. وفي هذه الروايات، كما في أغلب رواياته، تسيّدت السيرية. ومما يؤخذ على ياسين رفاعية في الصحافة والسياسة، مديحه معمر القذافي كما فعل علي عقلة عرسان وعبدالله أبو هيف وكوليت خوري وسواهم من السوريين ومن غير السوريين. أما رفاعية فقد خلّف كتابه «معمر القذافي وقدر الوحدة العربية» (1974). بينما كان البعث الحاكم في سورية قد آذاه مرتين في ستينات القرن الماضي، الأولى عندما طرده وزير التربية سليمان الخش من مجلة «المعرفة» لأنه رفض نشر مقالة للوزير في المجلة، والثانية عندما طرده نصر الشمالي رئيس تحرير جريدة «الثورة» من الجريدة، لجريرة مماثلة، فيمّم شطر لبنان.
ترك رفاعية للأطفال مجموعات عدة (العصافير تبحث عن وطن - 1979، الورود الصغيرة - 1980...) وترك عدداً من المجموعات الشعرية (جراح 1961- لغة الحب 1983 - حب شديد اللهجة 1994 - أنت الحبيبة وأنا العاشق 1996...). لكن رهان الكاتب الأكبر ظل في الرواية، بعدما برح القصة القصيرة إلى الصحافة فالرواية. وهنا ينبثق السؤال عن أي روايات ياسين رفاعية الثلاث عشرة لم تثر من اهتمام النقد إلا قليلاً، فهل يحضّ الموتُ النقدَ على أن يعوّض ما فات؟
في رواية ياسين رفاعية «راس بيروت» (1992) يستذكر الراوي أبو بسام حضوره إلى بيروت ليبيع فيها الكعك، ويتحدث عن بائع الكعك الذي صار كاتباً من غير أن يستهدف ذلك.
ليس أبو بسام الذي يضن في الرواية باسمه، فيكتفي باللقب، إلا ياسين رفاعية نفسه، الذي تحدث في مواقع شتّى خارج الرواية عن عمله صبياً في بيع الكعك في سينما غازي. وعن نشأته، قبل بيع الكعك وبعده، تحدث رفاعية أيضاً عن توقفه عن الدراسة في الرابعة عشرة، ولحاقه بأبيه ليعمل في الفرن، كي يساهم في حمل أعباء الأسرة الفقيرة. وقد عمل رفاعية أيضاً مساعداً لحذّاء (كندرجي). ومن تلك النشأة متح قصصه القصيرة الأولى، والتي جمعتها باكورته «الحزن في كل مكان» (1960). فمن قصة تنبض بحزن الصبي الذي ترك المدرسة اضطراراً، ومضى إلى الفرن بالقبقاب حيث يتشمّم عبق الخبز والكعك، إلى قصة تلو قصة، وقوام كل قصة ما اختزنه صبيّ الفران من حكايات وصور أقرانه في العمل.
تنادي نشأة ياسين رفاعية نشأة زكريا تامر، الذي ترك المدرسة اضطراراً أيضاً عام 1944، وهو في الثالثة عشرة، ليعمل في الحدادة. وقبل رفاعية وتامر كان حنا مينه قد عمل حلاقاً في اللاذقية، قبل أن يمضي إلى الصحافة في دمشق. أما ما يجمع رفاعية وتامر فهو ظهور المجموعة القصصية الأولى لكل منهما عام 1960: للأول «الحزن في كل مكان» وللثاني «صهيل الجواد الأبيض». ولعل من المفيد هنا أن نذكر أيضاً من أعلام الرعيل الذي ظهر فيه رفاعية: وليد إخلاصي، وقد صدرت مجموعته الأولى «قصص» عام 1963، ومن قبل: كوليت خوري وسعيد حورانية وعادل أبو شنب وصدقي إسماعيل وحسيب كيالي... ما يؤشر إلى ما كانت عليه القصة القصيرة آنئذٍ، وهي الفن الذي سيخلص له ياسين رفاعية ويتألق فيه، كما في مجموعة «العالم يغرق» (1963) و»العصافير» (1973) و»الرجال الخطرون» (1979) قبل أن تميل به عنها الصحافة والرواية، وكذلك الشعر وقصص الأطفال.
على رغم أن لبنان صار وطن ياسين رفاعية الثاني أو الأول، فقد ظل مسكوناً بدمشق بخاصة، وظل حيّ العقيبة، حيث نشأ، يسري في نسغه. وقد جبل من زمنه الدمشقي رواية «مصرع الماس» (1981)، فأبدع في صياغة الشخصية الروائية الشعبية «الماس» الذي تصدى للاستعمار الفرنسي في الحارة الدمشقية. وأبدع رفاعية في صياغة الشخصيات النسائية في هذه الرواية التي شكت من أنها بنيت كروايتين. وقد ذهب رفاعية أبعد في رواية «أسرار النرجس» (1998) في هتك العتمات التي يحفل بها المجتمع. ومنذ ثلاث سنوات خصّ الكاتب العمال السوريين المياومين في لبنان بروايته «سوريّو جسر الكولا»، والتي ضفرت لكل من شخصياتها حكايته اللبنانية إلى حكايته السورية.
تتركز الأهمية الروائية لياسين رفاعية في رواياته السيرية، والتي هي في غالبيتها من المدونة الروائية للحرب اللبنانية. ففي آخر رواياته «ياسمين» سرد قصة حب ابنته لينا مع الإنكليزي جون، والصراع بين قيم الأب الشرقي وقيم جون الذي تزوج لينا. وعلى رغم بعض الانحرافات الطفيفة والساذجة عن السيرية في هذه الرواية، وفي سائر روايات رفاعية السيرية، فالمثل يصح هنا: «يكاد المريب أن يقول خذوني»، حتى في رواية «أهداب» (2008) التي تنادي لوليتا فيما ترسم من العلاقة المشتبهة بالسفِاح بين السبعينيّ وابنة الثامنة عشرة. وقد رصدت رواية «وميض البرق» (2002) الوحدة الموحشة لعجوز أرمل، بعدما غادره ابنه وابنته، وتركاه يجترّ صور حياته الزوجية. أما رواية «الحياة عندما تصبح وهماً» (2006) فتستعيد حياة الكاتب مع زوجته الشاعرة والروائية أمل الجراح (1945-2004). ولعل هذه الرواية كسابقتها أن تتعلقا بشيخوخة الكاتب الذي أقام في حي راس بيروت، وباسم الحي عنون روايته التي تنادي روايات الحارة، بل والعمارة، لأن رواية رفاعية تتركز في العمارة التي أقام فيها هو أو راوي الرواية وبطلها أبو بسام. وتحفل الرواية بالحنين إلى بيروت عندما اختارها الراوي وطناً بعد سوريا، وكانت جوهرة وواحة ديموقراطية حقيقية في تلك الصحراء الشاسعة. ومن زمن الحرب يتميز تصوير الرواية للقمامة، مما توقد أضعافاً في رواية السوري مروان طه مدور «جنون البقر»، لكأن الروايتين تخاطبان منذ ربع قرن بلوى القمامة اليوم.
من سمات السيرية في القسم الثاني من رواية «راس بيروت» سفر زوجة الراوي الشاعرة إلى لندن، وعمل الراوي في الصحافة الثقافية، وذكرياته عن صديق الطفولة محي الدين الذي ربما كان الناقد الراحل محي الدين صبحي... وقبل ذلك سرد أبو بسام قصة خطف الفلسطيني أبو الجماجم له، وعلى نحو يتطابق مع اختطاف ياسين رفاعية الذي ختم كل ذلك بقوله في بيروت: «هذه مدينة ستغرق بدماء أبنائها... فكن شاهد هذا العصر أيها الشهيد».
ومن اللافت ان رواية رفاعية «الممر» التي تتعلق بالحرب اللبنانية أيضاً، خلت من السيرية. وإذا كانت سلطة السارد قد آذت في غير موضع رواية (راس بيروت) فقد بدت رواية «الممر» ساذجة في محاولتها الحداثية، ابتداءً من لعبة الأقواس والبنط الغامق في الطباعة لتمييز التداعيات، إلى لعبة التناص مع رواية باربوس «الجحيم»، بما ينوف على عشر الرواية. وفي سائر روايات رفاعية عن الحرب اللبنانية، إلحاح على تعرية الطائفية. ولذلك يبني دائماً العلاقة بين رجل مسلم وامرأة مسيحية أو العكس.
في ميعة الصبا كان ياسين رفاعية وزكريا تامر والروائي الفلسطيني المنسي يوسف شرورو، يلتقون في المقبرة، يتسامرون في الأدب، ويقرأ أحدهم قصة مما كتب، للآخرين. وقد حصلت قصة رفاعية «ماسح الأحذية» على الجائزة الأولى في مسابقة «مجلة النفط» التي كان يديرها جبرا إبراهيم جبرا. وتابع رفاعية نشر قصصه - مجاناً بالطبع - في الصحف الدمشقية إلى أن كوفئ على مقالة تبتهج بالوحدة السورية المصرية (1958-1961) بالعمل في المكتب الإعلامي في القصر الرئاسي. وقد أخذته الصحافة إليها من بعد، فعمل مع فؤاد الشايب في مجلة «المعرفة»، وفي جريدة «الثورة»، ثم في الصحافة اللبنانية وفي صحافة الطفل. وعبر ذلك تنقل رفاعية بين دمشق وبيروت ولندن، لكن بيروت ظلت ملاذه الأثير، فآثرها برواياته: الممر، راس بيروت، وميض البرق، دماء بالألوان، من يتذكر تاي، امرأة غامضة. وفي هذه الروايات، كما في أغلب رواياته، تسيّدت السيرية. ومما يؤخذ على ياسين رفاعية في الصحافة والسياسة، مديحه معمر القذافي كما فعل علي عقلة عرسان وعبدالله أبو هيف وكوليت خوري وسواهم من السوريين ومن غير السوريين. أما رفاعية فقد خلّف كتابه «معمر القذافي وقدر الوحدة العربية» (1974). بينما كان البعث الحاكم في سورية قد آذاه مرتين في ستينات القرن الماضي، الأولى عندما طرده وزير التربية سليمان الخش من مجلة «المعرفة» لأنه رفض نشر مقالة للوزير في المجلة، والثانية عندما طرده نصر الشمالي رئيس تحرير جريدة «الثورة» من الجريدة، لجريرة مماثلة، فيمّم شطر لبنان.
ترك رفاعية للأطفال مجموعات عدة (العصافير تبحث عن وطن - 1979، الورود الصغيرة - 1980...) وترك عدداً من المجموعات الشعرية (جراح 1961- لغة الحب 1983 - حب شديد اللهجة 1994 - أنت الحبيبة وأنا العاشق 1996...). لكن رهان الكاتب الأكبر ظل في الرواية، بعدما برح القصة القصيرة إلى الصحافة فالرواية. وهنا ينبثق السؤال عن أي روايات ياسين رفاعية الثلاث عشرة لم تثر من اهتمام النقد إلا قليلاً، فهل يحضّ الموتُ النقدَ على أن يعوّض ما فات؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.