سعر الذهب يتراجع 2% أسبوعيًا.. وعيار 21 يسجل 6960 جنيهًا    تراجع المديونية المتراكمة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز    نائب محافظ الفيوم يتابع آخر المستجدات بملف "التحول الرقمي" ومسابقة "القيادات المحلية"    10 مايو.. تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    استقبال 166226 طنا من القمح المحلي بشون وصوامع الشرقية    هام من السياحة بشأن موسم الحج 1447-2026    وزير الكهرباء يبحث مع "شنايدر إليكتريك" التوسع في مبادرة تحسين كفاءة الطاقة    مستشارة بالناتو: تحركات البنتاجون تؤثر على علاقات واشنطن بحلفائها    القاهرة الإخبارية: الاحتلال الإسرائيلي يجدد إنذارات إخلاء لبلدات في الجنوب اللبناني    وزير الخارجية يستقبل نظيره السوري غدًا في القاهرة    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    الإمارات تعلن عودة الملاحة الجوية إلى وضعها الطبيعي    اتحاد السلة يعلن مواعيد مباريات نهائي دوري السوبر للسيدات    أربيلوا قبل مواجهة إسبانيول: دفعنا ثمن غياب العقلية من نقاطنا    وزير الشباب يتفقد أعمال تطوير مركز الطب الرياضي بمدينة نصر    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    برشلونة يعلن حصول رافينيا وبيرنال على التصريح الطبي قبل مواجهة أوساسونا    بلاغ يقود المباحث لضبط المتهم بالتنقيب عن الآثار في المنوفية    السيطرة على حريق بموقع تصوير "بيت بابا 2" دون خسائر بشرية    انقلاب سيارة ملاكي واصطدامها بالجزيرة الوسطى بكورنيش الإسكندرية    إحالة أوراق متهم بتزوير شهادة ميلاد طفلة والتعدي عليها لمدة 6 أعوام في الإسكندرية للمفتي    الحرارة الآن 34 درجة على القاهرة الكبرى.. تحذير عاجل من الأرصاد بسبب حالة الطقس    الأوقاف الأردنية: خطط بديلة لنقل الحجاج وضمان أداء المناسك بأمان    مدير إدارة طور سيناء التعليمية ينفي رصد أي شكاوى في اليوم الأول لامتحانات النقل بالتعليم الفني    اليوم.. ختام الدورة 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    وزيرة الثقافة: مشاركة مصر في معرض الرباط للكتاب تعزز القوة الناعمة    كشف أثري في الإسكندرية يلقي الضوء على تطور الحياة الحضرية عبر العصور    أول تعليق من مخرج "بيت بابا 2" بعد حريق لوكيشن التصوير    الدكتور خالد عبدالغفار: الصحة النفسية حق أساسي لكل مواطن    محافظ المنوفية يتفقد المركز التكنولوجي والصحة بسرس الليان    هاجمتهم إسرائيل.. نقل 59 ناشطا من أسطول الصمود إلى تركيا    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تكريم تدريسية من كلية المنصور الجامعة في فعالية علمية بمناسبة اليوم العالمي للملكية الفكرية    ذكريات الهضبة في ليلة "الحكاية"، 15 صورة من حفل عمرو دياب بالجامعة الأمريكية    أكاديمية الفنون تحتفل بذكرى تحرير سيناء بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية    الأوقاف تُحيي ذكرى وفاة الشيخ محمد عبد العزيز حصّان.. من أعلام التلاوة    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    القبض على المتهمين بسرقة 250 ألف جنيه من سيارة بمدينة الشيخ زايد    تشييع جنازة نعمان الوزير كبير مشجعي النادي الإسماعيلي إلى مثواه الأخير (صور)    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    عاجل نائب رئيس الوزراء: القطار الكهربائي السريع شريان تنموي يعزز الاقتصاد ويربط أنحاء الجمهورية    تأجيل محاكمة موظف بتهمة التربح في القطامية ل 13 مايو    باكستان تؤكد للكويت استمرار الجهود الداعمة للسلام بالمنطقة    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    أطباء بنها الجامعي ينجحون في إجراء 3 عمليات بجراحات القلب والصدر    تشكيل آرسنال المتوقع لمواجهة فولهام في البريميرليج    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    ليلة الوفاء، ميادة الحناوي تستعيد زمن الفن الجميل فوق خشبة موازين    بعد وقف إطلاق النار| ترامب يعلن انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرواية السورية تختار «السجن» فضاءً أثيراً
نشر في صوت البلد يوم 21 - 03 - 2016

هل الكتابة عن تجربة السجن، أو ما اصطُلح على تسميته: أدب السجون، شكل فاعل من أشكال مقاومة الطغاة؟ ربما، لكنها على الأقل صرخة رافضة، كي لا يقولوا لماذا صمت الشعراء في زمن الطغيان، وفق تعبير برتولد بريخت. ولكنني لطالما اعتقدت بأن تجربة الاعتقال لا يمكن أن تصل إلى الناس في شكل أكثر تأثيراً من الكتابة. فالكتابة هي المكان الوحيد الذي يتلاقى فيه غريبان: الكاتب والقارئ، لم يسبق أن التقيا سابقاً، ومع ذلك يتم فضح اعترافات حميمة وأحداث خاصة لا يمكن التعبير عنها من دون حرج إلا على الورق، وبخاصة في تجربة كتجربة السجن. ولكن في النهاية هي علاقة متبادلة، القارئ يعرف، والكاتب يكتب كي يكتشف ذاته، كي يفضح، كي لا يُرسل ما حدث للنسيان، وكذلك كي يوصل رسالة، حتى لو كانت ورقة في زجاجة مرمية في البحر.
أهم ما ميّز أدب السجون في سورية أنه تأريخ، ولكن بقلم المهمّشين! ففي العادة، التاريخ في كل بلاد الديكتاتوريات، كما في سورية، يُكتب بقلم المنتصر وليس بيد المهزوم. وبالتالي يكون التاريخ من وجهة نظر الأقوى. هنا، وعبر أدب السجون، نقرأ الوجه الآخر للتاريخ، أو التاريخ السرّي لإنسان. ولعلّ الأساس الذي يجتمع عليه معظم ما كتب حول السجن هو الشك بالتاريخ الرسمي والطعن به، أو قول أبعد مما تمّ الإفصاح عنه. فما يعكسه أدب السجون لا يمكن للوثيقة الرسمية عكسه، وسط تباينات المواقف السياسية، كذب التاريخ، الاصطفافات الإيديولوجية، وكذلك الإعلام المموّه بكذبة التنوّع السياسي، ذاك الذي يمثل روح العصر، وهنا تأتي الكتابة ضده. لأجل ذلك ربما أمكنني اعتبار الكتابة عن السجن في سورية أشبه بتجربة وطنية! نجد ذلك واضحاً مثلاً في رواية خالد خليفة «مديح الكراهية»، وكذلك في رواية «موت مشتهى» لعماد شيحة. وإن تأخر كتاب جيل ما قبل الثورة السورية قليلاً في الكتابة عن تجاربهم، لأسباب تتعلّق بالخوف وسطوة النظام والأوضاع السياسية السائدة آنذاك، فإن الشباب الجدد بدأوا منذ اليوم الأول للثورة في نشر تجاربهم وتدويناتهم، ولا بد أن يفرز الزمن كتابات حقيقية منها.
بدأ نبيل سليمان، الذي لم يسبق له أن جرّب المعتقل، بالكتابة عن السجن في العام 1972 في روايته «السجن»، وخلال الأعوام الثلاثين التالية لم يصدر الكثير من الأعمال الأدبية التي تتحدث عن السجن في سورية، لكني أذكر بعضاً من قصص جميل حتمل، وكذلك قصص ابراهيم صموئيل الجميلة: «النحنحات»، و «رائحة الخطو الثقيل». بيد أن بداية الألفية الثالثة أتت بعشرات الأعمال الأدبية التي أغنت أدب السجون. فبكتابة السجن حاول الكتاب السوريون أن يعطوا القارئ وعياً متّسعاً، إثارة للشك والأسئلة، فاستخدموها كواحدة من أكبر التعويضات التي اخترعها الإنسان: تعويض ألم التجربة بالكتابة. خصوصاً أنه يمكن المراقب أن يلاحظ أن جزءاً كبيراً من أدب السجون في سورية انكتب بأقلام كتاب يكتبون للمرة الأولى، أو ليس لهم باع طويل أو ذاكرة طويلة مع الكتابة. إذاً كانت عند هذا النوع من الكتاب نوعاً من التعبير عن الذات، في وقت ليس من السهل أن تجعل جمعاً من القراء ينصتون إليك. إنها امتلاك جمهور مجهول من القراء سيتعرّفون على تفاصيل ما عاشته. هنا لا يمكننا أن نغضّ الطرف عن الوجه الخلاصي لأدب السجون. فنبش ممارسات القمع هي طريقة أيضاً للخلاص منها، طريقة لمقاومة ذاك التهديم الذاتي الذي يأكل السجين من جوانيته، وهنا تكون الكتابة محاولة لنسيان طعم الرماد الذي بقي في فم المعتقل منذ لحظة اعتقاله.
ولكن باعتقادي أنّ ثمّة هاجساً رافق معظم الكتاب عند الكتابة، سواء أكانوا يكتبون تجاربهم أم تجارب غيرهم، وهو أمر يمكن المرء ملاحظته بين السطور. الاختيار بين أمرين: الوفاء للتجربة التي عاشها السجين، وأقصد بذلك نقل كل ما حدث بواقعية شديدة، أو الوفاء للكتابة، وهنا يكون لعب التخييل أكثر تمدداً. الكثير منهم اختار الأولى، والقليل اختار الثانية، باعتبار أن لا تجربة تستمر إلا حين تدوّن، والضياع مكتوب على كل شيء لم ينقش في الحجر... بناءً على ذلك، فالنصيحة المعروفة أن نترك أحلامنا لتنضج على الشجرة ولا نقطفها وهي فجّة. لم تكن هذه النصيحة مسموعة عند الكثيرين ممّن كتبوا أدب السجون. لكن هيدغر قال يوماً تعبيراً جميلاً جداً: «إننا في عصر نسيان الكينونة، فإذا كانت العلوم والفلسفة قد نسيت كينونة الإنسان فقد ظهر فن عظيم لم يكن إلا بحثاً عن الكينونة المنسية، وهو الرواية». وفي تجارب كتجارب المعتقل يكون المرء بأمس الحاجة لاكتشاف هذه الكينونة، مجبر على الالتفات نحو الداخل كي يعيش مع ذاته، يصير مزدوجاً، يتعدد.
على صعيد التكنيك معظم أدب السجون السوري دار حول التفاصيل، التفاصيل التي يدور زمن المعتقل حولها، ويلفّه كمتاهة ليس لها نهاية. التفاصيل التي يمكنها قتله وإحياءه من جديد. سيبدو ذلك واضحاً في كتابات الكثيرين منهم، أحياناً تكون التفاصيل مكثّفة إلى درجة الضيق. كرواية «حمام زنوبيا» لرياض المعسعس، و «خمس دقائق فحسب» لهبة الدباغ، والتي تعتبر من الروايات القليلة التي كتبتها النساء اضافة إلى حسيبة عبدالرحمن في روايتها «الشرنقة»، ومي الحافظ في روايتها «عينك على السفينة».
تفصيل التعذيب هو جزء أساسي من بنية السرد في كتابة السجن. التعذيب الذي يتكثّف كحرب نفسية ضد المعتقل، وعليه أن يكون واعياً لها، وأن يكتشف هناك بأن القوة النفسية هي الأهم، ويطوّع جسده كي يستجيب لقوة الروح. يبدو هذا واضحاً في رواية «من تدمر إلى هارفرد» لبراء السراج. في هذا الموضوع يمكننا ملاحظة نوعين من المعالجة، واحدة تدّعي البطولة والعنفوان، وواحدة تحكي تلك التفاصيل الإنسانية الحقيقية. ففي غياهب السجون من الصعب على المعتقل أن يكون «سوبرمان». لذلك من الطبيعي أن يكون ضعيفاً، ضعيفاً بما تعنيه كلمة إنسان من معنى. لذلك أعتقد بأن من حاول أن يوصل للقارئ تناقضات ذاك العالم الفظيع، وما حدث في تلك المجاهل الخانقة كان أكثر ذكاء وصدقاً، مثلما كتب مصطفى خليفة في روايته الناجحة جداً «القوقعة»، ولؤي حسين في روايته «الفقد».
تبدو أساليب مقاومة الاعتقال كذلك موضوعاً حاضراً جداً في كتابات السجون. سواء بالقراءة أو بالأغاني أو بالحب أو باجتراع تقنيات مبتكرة للتواصل مع السجناء الآخرين. فمجرد التواصل الممنوع، والذي قد يكلّف المرء حياته، هو وسيلة للمقاومة: الشيفرات عبر الجدران والرسائل وغيرها. الحب والشوق والحنين للأحبة كلها خوالج إنسانية هي نوع من مقاومة محاولات السجان في انتشال إنسانيتنا منّا، وذلك ما حاول مالك داغستاني التعبير عنه في روايته «دوار الحرية»، وكذلك فرج بيرقدار في «خيانات اللغة والصمت».
أما الزمن، عدو المعتقل الأكبر، فيتمدّد بسطوته على معظم كتابات السجون. الزمن الذي يعود بلا كثافة، يغدو فكرة مهيمنة، كل شيء ولا شيء في وقت واحد. الزمن بماهيته المتبدلة الديناميكية، يغدو في المعتقل ستاتيكياً. فالمعتقل/ المعتقلة يكون خارج الزمن بالمعنى الديناميكي فيما هو في ستاتيكيا دائمة. على رغم ذلك، فإنّ عليه/ عليها دفع أتاوات الزمن حين يمرّ على الروح والجسد والدماغ تماماً كما في خارج المعتقل. وهذا ما عبّرا عنه، وعن الكثير من مفاهيم السجن الأخرى، عباس عباس في كتابه «توقاً إلى الحياة»، وياسين الحاج صالح في كتابه «بالخلاص يا شباب».
في السجن تتغيّر المفاهيم التي كنّا نعيش عليها من قبل، مفهوما الزمان والمكان والكثير من المفاهيم الأخرى شخصية كانت أم عامة. ما كنا نجده طبيعياً في الخارج يتغيّر فجأة هناك! ما كنا نجده مستحيلاً يصبح ممكناً، بل ممكناً جداً! وهذه الدقة والعمق في نقل هذه التغييرات سنجدهما في الكثير من الكتب التي صدرت عن السجون في سورية.
في النهاية هناك الكثير من الأعمال التي صدرت أخيراً، وهناك الكثير الكثير مما سيصدر في المستقبل. فالسوريون لديهم الكثير لقوله عن السجن السياسي، وعن كل ذلك الخليط الوجداني والعاطفي والجسدي، وكذا السياسي والاجتماعي والثقافي. هناك الكثير للحديث عنه، وهذا ما يمكننا انتظاره بشوق.
.....

* هذا المقال نشر في جريدة «ليبراسيون» الفرنسية في العدد الخاص الذي أصدرته في الذكرى الخامسة للثورة السورية.
هل الكتابة عن تجربة السجن، أو ما اصطُلح على تسميته: أدب السجون، شكل فاعل من أشكال مقاومة الطغاة؟ ربما، لكنها على الأقل صرخة رافضة، كي لا يقولوا لماذا صمت الشعراء في زمن الطغيان، وفق تعبير برتولد بريخت. ولكنني لطالما اعتقدت بأن تجربة الاعتقال لا يمكن أن تصل إلى الناس في شكل أكثر تأثيراً من الكتابة. فالكتابة هي المكان الوحيد الذي يتلاقى فيه غريبان: الكاتب والقارئ، لم يسبق أن التقيا سابقاً، ومع ذلك يتم فضح اعترافات حميمة وأحداث خاصة لا يمكن التعبير عنها من دون حرج إلا على الورق، وبخاصة في تجربة كتجربة السجن. ولكن في النهاية هي علاقة متبادلة، القارئ يعرف، والكاتب يكتب كي يكتشف ذاته، كي يفضح، كي لا يُرسل ما حدث للنسيان، وكذلك كي يوصل رسالة، حتى لو كانت ورقة في زجاجة مرمية في البحر.
أهم ما ميّز أدب السجون في سورية أنه تأريخ، ولكن بقلم المهمّشين! ففي العادة، التاريخ في كل بلاد الديكتاتوريات، كما في سورية، يُكتب بقلم المنتصر وليس بيد المهزوم. وبالتالي يكون التاريخ من وجهة نظر الأقوى. هنا، وعبر أدب السجون، نقرأ الوجه الآخر للتاريخ، أو التاريخ السرّي لإنسان. ولعلّ الأساس الذي يجتمع عليه معظم ما كتب حول السجن هو الشك بالتاريخ الرسمي والطعن به، أو قول أبعد مما تمّ الإفصاح عنه. فما يعكسه أدب السجون لا يمكن للوثيقة الرسمية عكسه، وسط تباينات المواقف السياسية، كذب التاريخ، الاصطفافات الإيديولوجية، وكذلك الإعلام المموّه بكذبة التنوّع السياسي، ذاك الذي يمثل روح العصر، وهنا تأتي الكتابة ضده. لأجل ذلك ربما أمكنني اعتبار الكتابة عن السجن في سورية أشبه بتجربة وطنية! نجد ذلك واضحاً مثلاً في رواية خالد خليفة «مديح الكراهية»، وكذلك في رواية «موت مشتهى» لعماد شيحة. وإن تأخر كتاب جيل ما قبل الثورة السورية قليلاً في الكتابة عن تجاربهم، لأسباب تتعلّق بالخوف وسطوة النظام والأوضاع السياسية السائدة آنذاك، فإن الشباب الجدد بدأوا منذ اليوم الأول للثورة في نشر تجاربهم وتدويناتهم، ولا بد أن يفرز الزمن كتابات حقيقية منها.
بدأ نبيل سليمان، الذي لم يسبق له أن جرّب المعتقل، بالكتابة عن السجن في العام 1972 في روايته «السجن»، وخلال الأعوام الثلاثين التالية لم يصدر الكثير من الأعمال الأدبية التي تتحدث عن السجن في سورية، لكني أذكر بعضاً من قصص جميل حتمل، وكذلك قصص ابراهيم صموئيل الجميلة: «النحنحات»، و «رائحة الخطو الثقيل». بيد أن بداية الألفية الثالثة أتت بعشرات الأعمال الأدبية التي أغنت أدب السجون. فبكتابة السجن حاول الكتاب السوريون أن يعطوا القارئ وعياً متّسعاً، إثارة للشك والأسئلة، فاستخدموها كواحدة من أكبر التعويضات التي اخترعها الإنسان: تعويض ألم التجربة بالكتابة. خصوصاً أنه يمكن المراقب أن يلاحظ أن جزءاً كبيراً من أدب السجون في سورية انكتب بأقلام كتاب يكتبون للمرة الأولى، أو ليس لهم باع طويل أو ذاكرة طويلة مع الكتابة. إذاً كانت عند هذا النوع من الكتاب نوعاً من التعبير عن الذات، في وقت ليس من السهل أن تجعل جمعاً من القراء ينصتون إليك. إنها امتلاك جمهور مجهول من القراء سيتعرّفون على تفاصيل ما عاشته. هنا لا يمكننا أن نغضّ الطرف عن الوجه الخلاصي لأدب السجون. فنبش ممارسات القمع هي طريقة أيضاً للخلاص منها، طريقة لمقاومة ذاك التهديم الذاتي الذي يأكل السجين من جوانيته، وهنا تكون الكتابة محاولة لنسيان طعم الرماد الذي بقي في فم المعتقل منذ لحظة اعتقاله.
ولكن باعتقادي أنّ ثمّة هاجساً رافق معظم الكتاب عند الكتابة، سواء أكانوا يكتبون تجاربهم أم تجارب غيرهم، وهو أمر يمكن المرء ملاحظته بين السطور. الاختيار بين أمرين: الوفاء للتجربة التي عاشها السجين، وأقصد بذلك نقل كل ما حدث بواقعية شديدة، أو الوفاء للكتابة، وهنا يكون لعب التخييل أكثر تمدداً. الكثير منهم اختار الأولى، والقليل اختار الثانية، باعتبار أن لا تجربة تستمر إلا حين تدوّن، والضياع مكتوب على كل شيء لم ينقش في الحجر... بناءً على ذلك، فالنصيحة المعروفة أن نترك أحلامنا لتنضج على الشجرة ولا نقطفها وهي فجّة. لم تكن هذه النصيحة مسموعة عند الكثيرين ممّن كتبوا أدب السجون. لكن هيدغر قال يوماً تعبيراً جميلاً جداً: «إننا في عصر نسيان الكينونة، فإذا كانت العلوم والفلسفة قد نسيت كينونة الإنسان فقد ظهر فن عظيم لم يكن إلا بحثاً عن الكينونة المنسية، وهو الرواية». وفي تجارب كتجارب المعتقل يكون المرء بأمس الحاجة لاكتشاف هذه الكينونة، مجبر على الالتفات نحو الداخل كي يعيش مع ذاته، يصير مزدوجاً، يتعدد.
على صعيد التكنيك معظم أدب السجون السوري دار حول التفاصيل، التفاصيل التي يدور زمن المعتقل حولها، ويلفّه كمتاهة ليس لها نهاية. التفاصيل التي يمكنها قتله وإحياءه من جديد. سيبدو ذلك واضحاً في كتابات الكثيرين منهم، أحياناً تكون التفاصيل مكثّفة إلى درجة الضيق. كرواية «حمام زنوبيا» لرياض المعسعس، و «خمس دقائق فحسب» لهبة الدباغ، والتي تعتبر من الروايات القليلة التي كتبتها النساء اضافة إلى حسيبة عبدالرحمن في روايتها «الشرنقة»، ومي الحافظ في روايتها «عينك على السفينة».
تفصيل التعذيب هو جزء أساسي من بنية السرد في كتابة السجن. التعذيب الذي يتكثّف كحرب نفسية ضد المعتقل، وعليه أن يكون واعياً لها، وأن يكتشف هناك بأن القوة النفسية هي الأهم، ويطوّع جسده كي يستجيب لقوة الروح. يبدو هذا واضحاً في رواية «من تدمر إلى هارفرد» لبراء السراج. في هذا الموضوع يمكننا ملاحظة نوعين من المعالجة، واحدة تدّعي البطولة والعنفوان، وواحدة تحكي تلك التفاصيل الإنسانية الحقيقية. ففي غياهب السجون من الصعب على المعتقل أن يكون «سوبرمان». لذلك من الطبيعي أن يكون ضعيفاً، ضعيفاً بما تعنيه كلمة إنسان من معنى. لذلك أعتقد بأن من حاول أن يوصل للقارئ تناقضات ذاك العالم الفظيع، وما حدث في تلك المجاهل الخانقة كان أكثر ذكاء وصدقاً، مثلما كتب مصطفى خليفة في روايته الناجحة جداً «القوقعة»، ولؤي حسين في روايته «الفقد».
تبدو أساليب مقاومة الاعتقال كذلك موضوعاً حاضراً جداً في كتابات السجون. سواء بالقراءة أو بالأغاني أو بالحب أو باجتراع تقنيات مبتكرة للتواصل مع السجناء الآخرين. فمجرد التواصل الممنوع، والذي قد يكلّف المرء حياته، هو وسيلة للمقاومة: الشيفرات عبر الجدران والرسائل وغيرها. الحب والشوق والحنين للأحبة كلها خوالج إنسانية هي نوع من مقاومة محاولات السجان في انتشال إنسانيتنا منّا، وذلك ما حاول مالك داغستاني التعبير عنه في روايته «دوار الحرية»، وكذلك فرج بيرقدار في «خيانات اللغة والصمت».
أما الزمن، عدو المعتقل الأكبر، فيتمدّد بسطوته على معظم كتابات السجون. الزمن الذي يعود بلا كثافة، يغدو فكرة مهيمنة، كل شيء ولا شيء في وقت واحد. الزمن بماهيته المتبدلة الديناميكية، يغدو في المعتقل ستاتيكياً. فالمعتقل/ المعتقلة يكون خارج الزمن بالمعنى الديناميكي فيما هو في ستاتيكيا دائمة. على رغم ذلك، فإنّ عليه/ عليها دفع أتاوات الزمن حين يمرّ على الروح والجسد والدماغ تماماً كما في خارج المعتقل. وهذا ما عبّرا عنه، وعن الكثير من مفاهيم السجن الأخرى، عباس عباس في كتابه «توقاً إلى الحياة»، وياسين الحاج صالح في كتابه «بالخلاص يا شباب».
في السجن تتغيّر المفاهيم التي كنّا نعيش عليها من قبل، مفهوما الزمان والمكان والكثير من المفاهيم الأخرى شخصية كانت أم عامة. ما كنا نجده طبيعياً في الخارج يتغيّر فجأة هناك! ما كنا نجده مستحيلاً يصبح ممكناً، بل ممكناً جداً! وهذه الدقة والعمق في نقل هذه التغييرات سنجدهما في الكثير من الكتب التي صدرت عن السجون في سورية.
في النهاية هناك الكثير من الأعمال التي صدرت أخيراً، وهناك الكثير الكثير مما سيصدر في المستقبل. فالسوريون لديهم الكثير لقوله عن السجن السياسي، وعن كل ذلك الخليط الوجداني والعاطفي والجسدي، وكذا السياسي والاجتماعي والثقافي. هناك الكثير للحديث عنه، وهذا ما يمكننا انتظاره بشوق.
.....

* هذا المقال نشر في جريدة «ليبراسيون» الفرنسية في العدد الخاص الذي أصدرته في الذكرى الخامسة للثورة السورية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.