الأوقاف تفتتح مسجدا جديدا بالقليوبية    أوقاف الغربية تفتتح المسجد الغربي بقرية شندلات بعد تطويره    وزير الكهرباء: خفض استخدام الوقود وزيادة الاعتماد على الطاقات المتجددة    رئيس هيئة البترول يجري زيارة مفاجئة لمنطقة أنابيب البترول بالتبين    المركزي البولندي يتوقع تراجع معدل التضخم إلى 2.6% في 2026    "منتجي ومصدري الحاصلات البستانية" يعلن خطة طموح لدعم صغار المزارعين    بن غفير ل المتظاهرين في إيران: نقف معكم    زيلينسكي يعرض منصب مدير مكتبه على رئيس المخابرات العسكرية    موعد عودة الأهلي إلى تدريباته استعدادا لمواجهة فاركو    تضاؤل فرص مهند لاشين في اللحاق بمباراة منتخب مصر أمام بنين    «بلطجي الموقف» في قبضة الأمن    الداخلية تحبط محاولة تشكيل عصابى لجلب مخدرات بقيمة 240 مليون جنيه    الأمواج 3 أمتار.. الأرصاد تحذر من اضطراب ملاحة البحر المتوسط    تموين القليوبية يحرر 65 مخالفة بالخانكة وبنها وقليوب    لقطات من زيارة أنجلينا جولى لمعبر رفح ضمن جولة فى محافظة شمال سيناء    تأجيل تصوير فيلم "شمشون ودليلة" بعد انتهاء موسم دراما رمضان    "القومية" تستلهم أعمال عمار الشريعي على المسرح الكبير    مصطفى شوقي ل الشروق: «ابن الأصول» أولى تجاربي المسرحية.. واسم مراد منير جعلني أوافق قبل قراءة النص    الصحة: تقديم 8.2 مليون خدمة طبية من خلال المنشآت الصحية بالإسكندرية خلال 2025    إجراء عملية زراعة قرنية ناجحة بمستشفى رمد المنصورة    مؤتمر أرتيتا: دعونا نكسر الرقم القياسي هذا الموسم.. وغياب مدافعي الفريق أمام بورنموث    رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي يصدر توجيهات مباشرة بإغلاق حركة الطيران في مطار عدن    أمم أفريقيا 2025.. مكافآت خيالية في بنين لتحقيق الفوز على الفراعنة    667 ألف ناخب يتوجهون غدا لصناديق الاقتراع بالدائرة الثالثة بالفيوم    95% نسبة الإنجاز.. الحكومة تكشف موعد افتتاح «حدائق الفسطاط»    وقاية من الفتن: فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    عاجل | "الاتصالات" و"التموين" تطلقان 9 خدمات حصريًا عبر منصة "مصر الرقمية"    ضبط سائق أجرة متهم برفع التعريفة بسوهاج بعد تداول الواقعة على مواقع التواصل    حامد حمدان ينتظم في تدريبات بيراميدز غدًا والإعلان بعد وصول الاستغناء    ارتفاع فى اسعار الفراخ اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    الرعاية الصحية: إجراء 2600 جراحة قلب مفتوح بمحافظات المرحلة الأولى للتأمين الشامل    طب القاهرة: لا صحة لما يتردد بشأن إلغاء الدبلومات المهنية    موعد فتح باب الترشح على رئاسة حزب الوفد    سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان    "النجار" يوجه رؤساء الأحياء والمراكز بتوفير أماكن لإقامة شلاتر لتحصين وتعقيم الكلاب الضالة    بسيوني: استمرار صلاح ومرموش داخل الملعب ضرورة فنية للمنتخب    مراسل القاهرة الإخبارية: الاحتلال يستهدف مناطق جديدة جنوب لبنان    اتفاقية تعاون بين بنك المعرفة والمجلس العربي للاختصاصات لدعم بناء القدرات الصحية    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    منال عوض تبحث مع قيادات جهاز تنظيم إدارة المخلفات الوضع الراهن لتنفيذ منظومة ادارة المخلفات    مواعيد مباريات اليوم الجمعة 2- 1- 2026 والقنوات الناقلة    فيلم الملحد يحقق 2 مليون جنيه في يومين عرض    رئيس وزراء بولندا: مستعدون لتقديم العلاج الطبى لضحايا انفجار سويسرا    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    رسائل السيسي في اختبارات كشف الهيئة لحاملي الدكتوراه من دعاة "الأوقاف" تتصدر نشاط الرئيس الأسبوعي    الرئيس الصيني يستعد لاستقبال نظيره الكوري الجنوبية في زيارة رسمية الأحد    كاف يخطر الأهلى بمواعيد مباريات الفريق فى دور المجموعات بدورى الأبطال    السيطرة على حريق فى أحد مطاعم المحلة بالغربية    موجة برد شديدة تضرب كوريا الجنوبية    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الجمعة 2 يناير    معتز التوني يشعل السوشيال: حاتم صلاح يرفع أي مشهد ويخطف الأنظار    التعيين في «النواب».. صلاحية دستورية لاستكمال التمثيل النيابي    المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يؤسس مركزًا إعلاميًا جديدًا    المنظمة العالمية لخريجي الأزهر تعلن حصادها داخلياً وخارجياً في 2025    اكتساح في الصالات ومجلس جديد في حصاد الأهلي خلال 2025    التحفظ على صاحب مطعم و3 عمال بعد إصابة 25 شخصا بتسمم في الشرقية    وكيل الأزهر يعتمد نتيجة المرحلة الأولية من مسابقة حفظ القرآن الكريم    ما آداب التصوير فى الحرم؟..وزارة الحج السعودية تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشاعر محمود قرني يقاوم المأساة بالسخرية والعبث
نشر في صوت البلد يوم 14 - 02 - 2016

يأتي الديوان التاسع للشاعر المصري محمود قرني «تفضل... هنا مبغى الشعراء» (دار شرقيات) كاشفاً عن جملة من البنيات المركزية في مشروعه الشعري من جهة، ومعبراً عن موجة جمالية جديدة في مسار قصيدة النثر المصرية من جهة ثانية. يحيا الشعر وضعاً مأسوياً، تقدمه الذات الشاعرة في الديوان بوصفه بطلاً في أزمة، طيفاً يستعصي على الحضور.
ومن كل تلك الجدية والصرامة الغالبتين بحكم الجدل الخلَّاق ما ببن المعرفي والجمالي، وهي البنية الأبرز لدى الشاعر محمود قرني، يتخلق حس مفارق، يقاوم العالم ومراراته الأبدية عبر السخرية منه والتندر عليه. وهذا ما يظهر من قصيدته الأولى «طريق»، ووصولاً إلى قصيدته الأخيرة «موت آخر الرعويين».
وفي المفتتح والختام، يظلّ الشعر بطلاً لخطاب توجهه الذات الشاعرة، وتؤجل الإفصاح عن وجهته حتى نهاية القصيدة، مكتفية بملء المساحات المشتركة ما بين الإبداع والتلقي. ومن ثم تنتهي القصيدة الأولى بالجملة الشعرية: «باسم كل هؤلاء من المخدوعين والحمقى/ من الأفضل لك/ أن تمضي/ من طريق أخرى/ أيها الشعر». مثلما تنتهي القصيدة الأخيرة المبنية أيضاً على استحضار دال «الشعر» المركزي في النص والديوان ككل، وفي الوعي الجمالي للشاعر الباحث عن شعرية تخصه، ينجو بها من صنَّاع الميتافيزيقا وصنَّاع الاستبداد والنمط الاستهلاكي في رؤية العالم والشعر والحياة.
في قصيدته «قوس قزح» يصدّر الشاعر نصه بجملة دالة يستعير فيها الشاعر الإنكليزي الشهير جون كيتس، هذا الشاعر الإشكالي بوضعيته المأسوية مع المرأة والعالم. وهو الذي طلب ألا تكتب أية بيانات على شاهد قبره تشير إليه، وإنما طلب أن تكتب جملة واحدة: هنا يقبع شخص اسمه مكتوب على الماء، لينفتح النص على أفق وسيع يجدل فيه الشاعر ما بين الماضي والحاضر، ويبدو الزمن زمانين هنا. راهن هو زمن الكتابة، وماض هو الزمن الداخلي للنص، ويتحد الزمنان في التصوّر الكلّي حين يشيران إلى مزيد من مرارات الشعر ونفيه، ومزيد من عذابات الشعراء وإقصائه. فجون كيتس هاجمه نقاد زمانه بضراوة لا لشيء إلا لأنه كان رومنطيقياً، غير أنه لم يأبه بذلك ومضى في سبيله، لكنّ المرض أدركه، ثم مات بالسلّ.
وفي القصيدة يحضر الشاعر الروسي الشهير بوشكين، وقد خاض صراعاً مع السلطة ودفع أثماناً جائرة، ومات بأيدي قنصل فرنسي وبمباركة من الحاكم الروسي آنذاك. يتسرب منطق الإحالة إذن إلى نص محمود قرني على نحو بارز، ويبدو الإحساس بالخديعة والتصور المأسوي للعالم ومساءلته عاملاً مشتركاً ما بين الكتّاب المشار إليهم، وهو ما يمكن تلمسه أيضاً لدى الشاعر المصري هنا، وبما يعني أن للإحالة منطقاً فنياً وجمالياً فضلاً عن الأفق المعرفي الذي تصنعه وتشير إليه.
تتشكل «قوس قزح» من خمسة مقاطع نرى فيها العالم عبر عيني الذات الشاعرة التي تمزج بين الواقعي والمتخيل هنا، فهي وإن كانت تشير إلى أسماء حقيقية إلا أنها تفتح مدارات التلقي حين تجاوز الحقيقي وتقدم عالماً تخييلياً بامتياز. يتوهم فيه الشاعر حوارية شعرية تدور بين جون كيتس ونيوتن من جهة، وجون كيتس وبوشكين من جهة ثانية، وكلاهما (نيوتن وبوشكين) ولد بعد وفاة كيتس بنحو سبعين عاماً، وبما يعني أن الأفق التخييلي بمثابة البنية المهيمنة على النص، وهذا ما يجعل المعرفي يحيا في متن الجمالي، ولا يصبح عبئاً ثقيلاً على النص/ الحكاية الشعرية.
تتواتر ملامح بنية درامية في النص، فالتعدد البوليفوني للأصوات حاضر وبقوة: «نيوتن/ جون كيتس/ أليكسندر بوشكين/ عامل الحديقة/ الفيزيائيون الذين يقاومون آثار الشعراء بالمزيد من المطهرات». ومن ثم نصبح أمام موقف احتجاجي من العالم، يسائل هذا الجفاف الذي بات يسكن الروح الإنسانية، والذي يتشارك فيه المجموع الذي قرر التخلص من الشعر، والإجهاز عليه.
في «ملتقياً قصيدة النثر» يستلهم الشاعر المصري محمود قرني حدثاً واقعياً، ويبني عليه نصاً شعرياً بالغ الإيجاز «نعم/ العدالة أخذت مجراها/ فاللص الذي سرق برتقالة/ أقيم عليه الحد/ والشاعر الذي سرق قصيدة/ صفقت له الجماهير/ وهذا حكم القانون».
تتناص القصيدة مع العناصر المركزية الثلاثة في قصيدة النثر، «الإيجاز والتوهج والمجانية»، وتعيد النظر فيها جمالياً ودلالياً. ويستهلّ محمود قرني نصّه بنعومة شديدة «وقف أبناء الفلاحين/ أمام الواجهات اللامعة/ تتقدمهم قصائدهم»، منطلقاً إلى خلخلة القناعات المستقرة والسائدة، ومعلناً أن الشعر ابن للمساءلة وليس للتقرير.
في «التوهج» تستعر الحكاية الشعرية ويتأزم الصراع، ويحضر الشاعر وعشيقته وزوجته. ويستمر الصراع بعد موته وفي أثنائه أيضاً، ويعد التوهج بمثابة الجسر ما بين مقطعي الإيجاز في المبتدأ والمجانية في المختتم. هذا المقطع الذي يأتي نصلاً حاداً مسكوناً بالمرارة والشعرية ذات الأسى الشفيف، والمنتهية بواحدة من أهم تقنيات النص لدى قرني وهي المفارقة التهكمية بارودياً، والتي تقاوم قسوة العالم وخسته عبر السخرية منه والتندر عليه. ومن ثم كان الاستدعاء لكلب مالارميه الذي احترقت خصيتيه من نيران المدفأة بعدما جلس ليبول فيها، وهي واقعة تخييلية وعبثية بامتياز.
يستحضر محمود قرني أبا العلاء المعري في قصيدته «مقعد في الجحيم»، متناصاً فيها مع رسالة الغفران. والتناص في الديوان من التقنيات المركزية التي تعد إحدى آليات الشاعر أيضاً لتحقيق جدل المعرفي والجمالي في نصه، ويستحضر الشاعر هنا أيضاً امرأ القيس، وبشار بن برد، والخنساء وابن الراوندي وأبا تمام... ويحيلنا إلى عالم ساخر وعبثي مبني على المنطق المعكوس، كما يباعد فنياً بين نصه وبين «رسالة الغفران» حين تصبح الدلالة الكلية للقصيدة هنا مبنية على مراجعة هذا العالم المتكئ على صناعة الميتافيزيقا، وارتياد المناطق الآمنة.
يستهل الشاعر قصيدته «الفردوس المفقود» بتناص دال مع نص جون ميلتون الشهير الحامل الاسم نفسه، وتبدأ القصيدة متوترة، نافذة للمتلقي من دون أية تقديمات درامية، أو جمل شعرية تتحسس موضعاً للدخول «التحية للرسول جون ميلتون الذي أفسد كل شيء». وتأتي النهاية على الدرجة ذاتها من الحدة والسخرية والتوتر الشعري.
في قصيدته المركزية «تفضل... هنا مبغى الشعراء» يبدو النص ابناً لحالات انسانية مختلفة، يربط بينها ذلك الحس المأسوي بالعالم، والرغبة العارمة في مقاومة زيفه وقبحه بدءاً من تعرية التنوير الزائف في المقطع الأول من النص «برقية بموت لم يصل» والذي يحيل فيه الشاعر إلى «جوزيف كونراد» وروايته الشهيرة «قلب الظلام»، التي تدور فضاءاتها في الكونغو حيث أسطورة التفوق النوعي للرجل الأبيض الحامل قيم التقدم والتنوير، بينما في الحقيقة لم يكن سوى ناهب للقوت اليومي للجوعى ورأس ذئب للإمبريالية المتوحشة. ووصولاً إلى المقطعين الأخيرين في القصيدة: «سماوات ليبيا/ ضرورات السلام»، حيث حالة الانسحاق التي تهيمن على الذات الشاعرة بعد حالة الفقد والضياع التي أصابت ذلك الرجل الليبي الممزق المهزوم.
يمثل ديوان «تفضل... هنا مبغى الشعراء»، ترميزاً جمالياً يستدعي على الفور مقولة كركيغارد الأثيرة إن «الشاعر رجل شقي يخبئ في قلبه هموماً عميقة». فمن متن مآس إنسانية شفيفة، وحزن جلي وولع بتجادل المعرفي مع الجمالي، يبدو محمود قرني مقدماً الشعر على كل ما عداه. ومن جوف النص سيجد القارئ - بتنويعاته كافة - نفسه أمام صدق فني موحٍ ونافذٍ إلى سيكولوجية المتلقي. صدق فني يقربنا من جملة ماكليش الأثيرة: «على القصيدة أن تأسر القارئ بالطريقة ذاتها والجاذبية نفسها اللتين تفعل بهما لوحة أو نحت رفيعين، كما أن عليها أن تُذْهِله في دقة ولطف عبر مخيالها الذي لا ينبغي أن يشرح نفسه أو يعبر عن دلالة بديهية». وفي «تفضل... هنا مبغى الشعراء»، ثمة تخييل شعري راق ومختلف، يدفع بالنص صوب عوالم جديدة وإمكانات تقنية ورؤيوية وسيعة تمثل إضافة نوعية للمنجز الشعري لمحمود قرني ولقصيدة النثر معاً.
يأتي الديوان التاسع للشاعر المصري محمود قرني «تفضل... هنا مبغى الشعراء» (دار شرقيات) كاشفاً عن جملة من البنيات المركزية في مشروعه الشعري من جهة، ومعبراً عن موجة جمالية جديدة في مسار قصيدة النثر المصرية من جهة ثانية. يحيا الشعر وضعاً مأسوياً، تقدمه الذات الشاعرة في الديوان بوصفه بطلاً في أزمة، طيفاً يستعصي على الحضور.
ومن كل تلك الجدية والصرامة الغالبتين بحكم الجدل الخلَّاق ما ببن المعرفي والجمالي، وهي البنية الأبرز لدى الشاعر محمود قرني، يتخلق حس مفارق، يقاوم العالم ومراراته الأبدية عبر السخرية منه والتندر عليه. وهذا ما يظهر من قصيدته الأولى «طريق»، ووصولاً إلى قصيدته الأخيرة «موت آخر الرعويين».
وفي المفتتح والختام، يظلّ الشعر بطلاً لخطاب توجهه الذات الشاعرة، وتؤجل الإفصاح عن وجهته حتى نهاية القصيدة، مكتفية بملء المساحات المشتركة ما بين الإبداع والتلقي. ومن ثم تنتهي القصيدة الأولى بالجملة الشعرية: «باسم كل هؤلاء من المخدوعين والحمقى/ من الأفضل لك/ أن تمضي/ من طريق أخرى/ أيها الشعر». مثلما تنتهي القصيدة الأخيرة المبنية أيضاً على استحضار دال «الشعر» المركزي في النص والديوان ككل، وفي الوعي الجمالي للشاعر الباحث عن شعرية تخصه، ينجو بها من صنَّاع الميتافيزيقا وصنَّاع الاستبداد والنمط الاستهلاكي في رؤية العالم والشعر والحياة.
في قصيدته «قوس قزح» يصدّر الشاعر نصه بجملة دالة يستعير فيها الشاعر الإنكليزي الشهير جون كيتس، هذا الشاعر الإشكالي بوضعيته المأسوية مع المرأة والعالم. وهو الذي طلب ألا تكتب أية بيانات على شاهد قبره تشير إليه، وإنما طلب أن تكتب جملة واحدة: هنا يقبع شخص اسمه مكتوب على الماء، لينفتح النص على أفق وسيع يجدل فيه الشاعر ما بين الماضي والحاضر، ويبدو الزمن زمانين هنا. راهن هو زمن الكتابة، وماض هو الزمن الداخلي للنص، ويتحد الزمنان في التصوّر الكلّي حين يشيران إلى مزيد من مرارات الشعر ونفيه، ومزيد من عذابات الشعراء وإقصائه. فجون كيتس هاجمه نقاد زمانه بضراوة لا لشيء إلا لأنه كان رومنطيقياً، غير أنه لم يأبه بذلك ومضى في سبيله، لكنّ المرض أدركه، ثم مات بالسلّ.
وفي القصيدة يحضر الشاعر الروسي الشهير بوشكين، وقد خاض صراعاً مع السلطة ودفع أثماناً جائرة، ومات بأيدي قنصل فرنسي وبمباركة من الحاكم الروسي آنذاك. يتسرب منطق الإحالة إذن إلى نص محمود قرني على نحو بارز، ويبدو الإحساس بالخديعة والتصور المأسوي للعالم ومساءلته عاملاً مشتركاً ما بين الكتّاب المشار إليهم، وهو ما يمكن تلمسه أيضاً لدى الشاعر المصري هنا، وبما يعني أن للإحالة منطقاً فنياً وجمالياً فضلاً عن الأفق المعرفي الذي تصنعه وتشير إليه.
تتشكل «قوس قزح» من خمسة مقاطع نرى فيها العالم عبر عيني الذات الشاعرة التي تمزج بين الواقعي والمتخيل هنا، فهي وإن كانت تشير إلى أسماء حقيقية إلا أنها تفتح مدارات التلقي حين تجاوز الحقيقي وتقدم عالماً تخييلياً بامتياز. يتوهم فيه الشاعر حوارية شعرية تدور بين جون كيتس ونيوتن من جهة، وجون كيتس وبوشكين من جهة ثانية، وكلاهما (نيوتن وبوشكين) ولد بعد وفاة كيتس بنحو سبعين عاماً، وبما يعني أن الأفق التخييلي بمثابة البنية المهيمنة على النص، وهذا ما يجعل المعرفي يحيا في متن الجمالي، ولا يصبح عبئاً ثقيلاً على النص/ الحكاية الشعرية.
تتواتر ملامح بنية درامية في النص، فالتعدد البوليفوني للأصوات حاضر وبقوة: «نيوتن/ جون كيتس/ أليكسندر بوشكين/ عامل الحديقة/ الفيزيائيون الذين يقاومون آثار الشعراء بالمزيد من المطهرات». ومن ثم نصبح أمام موقف احتجاجي من العالم، يسائل هذا الجفاف الذي بات يسكن الروح الإنسانية، والذي يتشارك فيه المجموع الذي قرر التخلص من الشعر، والإجهاز عليه.
في «ملتقياً قصيدة النثر» يستلهم الشاعر المصري محمود قرني حدثاً واقعياً، ويبني عليه نصاً شعرياً بالغ الإيجاز «نعم/ العدالة أخذت مجراها/ فاللص الذي سرق برتقالة/ أقيم عليه الحد/ والشاعر الذي سرق قصيدة/ صفقت له الجماهير/ وهذا حكم القانون».
تتناص القصيدة مع العناصر المركزية الثلاثة في قصيدة النثر، «الإيجاز والتوهج والمجانية»، وتعيد النظر فيها جمالياً ودلالياً. ويستهلّ محمود قرني نصّه بنعومة شديدة «وقف أبناء الفلاحين/ أمام الواجهات اللامعة/ تتقدمهم قصائدهم»، منطلقاً إلى خلخلة القناعات المستقرة والسائدة، ومعلناً أن الشعر ابن للمساءلة وليس للتقرير.
في «التوهج» تستعر الحكاية الشعرية ويتأزم الصراع، ويحضر الشاعر وعشيقته وزوجته. ويستمر الصراع بعد موته وفي أثنائه أيضاً، ويعد التوهج بمثابة الجسر ما بين مقطعي الإيجاز في المبتدأ والمجانية في المختتم. هذا المقطع الذي يأتي نصلاً حاداً مسكوناً بالمرارة والشعرية ذات الأسى الشفيف، والمنتهية بواحدة من أهم تقنيات النص لدى قرني وهي المفارقة التهكمية بارودياً، والتي تقاوم قسوة العالم وخسته عبر السخرية منه والتندر عليه. ومن ثم كان الاستدعاء لكلب مالارميه الذي احترقت خصيتيه من نيران المدفأة بعدما جلس ليبول فيها، وهي واقعة تخييلية وعبثية بامتياز.
يستحضر محمود قرني أبا العلاء المعري في قصيدته «مقعد في الجحيم»، متناصاً فيها مع رسالة الغفران. والتناص في الديوان من التقنيات المركزية التي تعد إحدى آليات الشاعر أيضاً لتحقيق جدل المعرفي والجمالي في نصه، ويستحضر الشاعر هنا أيضاً امرأ القيس، وبشار بن برد، والخنساء وابن الراوندي وأبا تمام... ويحيلنا إلى عالم ساخر وعبثي مبني على المنطق المعكوس، كما يباعد فنياً بين نصه وبين «رسالة الغفران» حين تصبح الدلالة الكلية للقصيدة هنا مبنية على مراجعة هذا العالم المتكئ على صناعة الميتافيزيقا، وارتياد المناطق الآمنة.
يستهل الشاعر قصيدته «الفردوس المفقود» بتناص دال مع نص جون ميلتون الشهير الحامل الاسم نفسه، وتبدأ القصيدة متوترة، نافذة للمتلقي من دون أية تقديمات درامية، أو جمل شعرية تتحسس موضعاً للدخول «التحية للرسول جون ميلتون الذي أفسد كل شيء». وتأتي النهاية على الدرجة ذاتها من الحدة والسخرية والتوتر الشعري.
في قصيدته المركزية «تفضل... هنا مبغى الشعراء» يبدو النص ابناً لحالات انسانية مختلفة، يربط بينها ذلك الحس المأسوي بالعالم، والرغبة العارمة في مقاومة زيفه وقبحه بدءاً من تعرية التنوير الزائف في المقطع الأول من النص «برقية بموت لم يصل» والذي يحيل فيه الشاعر إلى «جوزيف كونراد» وروايته الشهيرة «قلب الظلام»، التي تدور فضاءاتها في الكونغو حيث أسطورة التفوق النوعي للرجل الأبيض الحامل قيم التقدم والتنوير، بينما في الحقيقة لم يكن سوى ناهب للقوت اليومي للجوعى ورأس ذئب للإمبريالية المتوحشة. ووصولاً إلى المقطعين الأخيرين في القصيدة: «سماوات ليبيا/ ضرورات السلام»، حيث حالة الانسحاق التي تهيمن على الذات الشاعرة بعد حالة الفقد والضياع التي أصابت ذلك الرجل الليبي الممزق المهزوم.
يمثل ديوان «تفضل... هنا مبغى الشعراء»، ترميزاً جمالياً يستدعي على الفور مقولة كركيغارد الأثيرة إن «الشاعر رجل شقي يخبئ في قلبه هموماً عميقة». فمن متن مآس إنسانية شفيفة، وحزن جلي وولع بتجادل المعرفي مع الجمالي، يبدو محمود قرني مقدماً الشعر على كل ما عداه. ومن جوف النص سيجد القارئ - بتنويعاته كافة - نفسه أمام صدق فني موحٍ ونافذٍ إلى سيكولوجية المتلقي. صدق فني يقربنا من جملة ماكليش الأثيرة: «على القصيدة أن تأسر القارئ بالطريقة ذاتها والجاذبية نفسها اللتين تفعل بهما لوحة أو نحت رفيعين، كما أن عليها أن تُذْهِله في دقة ولطف عبر مخيالها الذي لا ينبغي أن يشرح نفسه أو يعبر عن دلالة بديهية». وفي «تفضل... هنا مبغى الشعراء»، ثمة تخييل شعري راق ومختلف، يدفع بالنص صوب عوالم جديدة وإمكانات تقنية ورؤيوية وسيعة تمثل إضافة نوعية للمنجز الشعري لمحمود قرني ولقصيدة النثر معاً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.