عام جديد نرجو أن يكون عام الحساب لكل ما ارتكبته الحكومات المتعاقبة خلال الأعوام الماضية ولكل ما ارتكبته حكومة نظيف ضد شعب مصر. لأنه عار علي أمة علمت الدنيا الحكمة والعلم والمعرفة وبنت أعتي الحضارات وهزمت جحافل الشر وحمت شعبها علي مدي عصورها.. ولا تملك منذ سنوات مضت يومها أو غدها، عار علي شعب علم الدنيا معني الحرية والمواطنة واليوم لا يستطيع أن يغير وزيراً أو يحاسب خفيراً وكأن الشعب صار عبيداً في عزبة كبيرة اسمها مصر لحساب حفنة من المسئولين. لقد بدأنا رحلة الإصلاح بعد ربع قرن من الانتظار، وبعد أن تحركت عجلة الإصلاح في دول العالم بالأميال، كنا نجري داخل أنفسنا ولم نزد سوي خطوة وما تصورناه خطوة للأمام، إذا بقوي الجمود تعود بنا للخلف وتفرغ ما تصورنا أننا حققناه، أفرغته من مضمونه وقدمت لنا صوراً من الإصلاح المزيف، وأصيب المجتمع والدولة بأمراض الشيخوخة المزمنة، وظللنا نتجرع سنوات الفشل والعقم والأخطاء الفادحة، وقبلنا نحن الشعب أن نتحمل كل أوزارهم وخطاياهم لأننا نخشي الفوضي أكثر منهم ونشعر بالمسئولية عنهم وهم لا يطرف لهم جفن.. ولا يفكرون سوي في طلاء وجوههم ووجه النظام بألوان باهتة ويحاولون ترميم الشروخ والتصدعات دون جدوي. إن الحيرة تستبد بعامة الناس في مصر.. إلي متي ستظل مصر تحتمل كل هذا القدر من انتهاك الشفافية وسيادة قيم الفساد؟ خاصة أن المعلوم في وعي الناس يسحب كل أرصدة المصداقية من أي حديث عن مقاومة الفساد أو الضرب علي أيدي كبار وصغار المفسدين، تاركين الملعب للنخبة والصفوة حسب ترتيبهم في هرم السلطة. هل نحن نعيش في دولة الغموض والكوارث؟ هل شطارة التعتيم ومهارة الفهلوة هي السائدة حتي لا نعرف حجم الصفقات الخاصة وخصخصة الدولة ومقدراتها بين المسئولين وأبنائهم؟ هل هذا هو الإصلاح؟ في العهد السعيد خرج جويلي وجاء حسن خضر، وخرج عمرو موسي وجاء أحمد ماهر وأحمد أبو الغيط، ويخرج مصطفي الفقي ويأتي رضا شحاتة، ويخرج إسماعيل سلام ليحل محله تاج الدين والنمرسي، ثم عثمان بدلا من البشري، وتخرج ميرفت التلاوي ليجلس المصيلحي، أما في الوزارات الأخري فهم أصحاب ومعارف وشلل ولجان الصداقة والأصدقاء.. وكلها اختيارات نابعة من الفكر الجديد و"من أجلك أنت" سواء علي مستوي المحافظين أو علي مؤسسات الصحف القومية.. وهل هي الحال والأحوال يا شعب مصر طالما طالبنا بالتغيير التغيير إلي الأسوأ. كيف نقبل استمرار سلب ونهب ثروات مصر؟ ويزيد الدين الحكومي الداخلي كل عام بالمليار والدين الخارجي بالمليارات وتزداد النفقات النثرية للحكومة من 70 ملياراً عام 2006/2007 إلي أرقام فلكية.. ولا نعرف ما مسارات إنفاقها، وهل هذه الأرقام تضاف إلي الدين الحكومي الذي يتفنن وزير المالية في تعويضه من الشعب؟ ورغم التعتيم فقد قام الاتحاد الأوروبي بالكشف عن فساد حكومة نظيف وأن تحقيقات مكتب مكافحة الفساد بالاتحاد الأوروبي كشفت سرقة ملايين الدولارات من أموال المعونات طوال السنوات العشر الأخيرة والتي قدمت لمصر مشروعات البيئة والصحة والتعليم، وقد حذر مكتب المكافحة الدول المانحة والجهات التي تعطي منحاً، إلا بعد مراجعة المفوضية الأوروبية بالقاهرة وإنشاء مكتب للمراقبة والمحاسبة للجهات التي تتسلم المنح في مصر. المثير للدهشة أن الدولة قامت في احتفال مهيب بالإعلان في اليوم العالمي لمكافحة الفساد بأنها تجاوزت مرحلة تعريف الفساد ومظاهره ومرحلة قياس آثاره ونتائجه إلي مرحلة سد منافذه ومحاصرته، وكأن تقرير الاتحاد الأوروبي لا يخص حكومة مصر ووزراء مصر وشعب مصر المنهوب، بل يخص شعباً آخر في بلاد الواق الواق..كأن لصوص البنوك وبيع مصر والاستيلاء علي مقدرات الشعب وحصيلة الضرائب المفروضة عليه لا تكفيهم بل راحوا لأبعد من ذلك فقد "مدوا أيديهم" علي المعونات والمنح الخارجية أيضا. والسؤال: نحاسب من؟!.. لقدكانت مصرقادرة علي أن تشهد ازدهاراً عظيماً لو أحسن القائمون عليها إدارة مواردها وثرواتها الطبيعية والبشرية لصالح أبنائها واستطاعت أن تودع مصر النهب المنظم والعشوائي لكل من هب ودب.. بداية من الخصخصة وما جري بها إلي عبّارات الموت وممدوح إسماعيل إلي نواب القروض، إلي توشكي ومآسيها إلي القضية المعروفة بقضية "سياج" وهي واحدة من عدة قضايا تهم وتمس أمن مصر القومي وقضايا القمح الفاسد والأدوية الفاسدة "وهايدلينا" والهرمونات المسرطنة والمبيدات المسرطنة، وغيرها من وقائع الفساد وجرائمه. ويظل السؤال يتردد: من نُحاسب؟ ومن يحاسب؟ إلي أن يأتي يوم الحساب!