كسر خط مياه 4 بوصات يتسبب في انقطاع المياه عن منطقة كليوباترا في الأقصر    19 أبريل 2026.. نشرة الشروق الاقتصادية: الدولار يواصل التراجع وأسعار بعض السلع الأساسية تنخفض    محافظ الفيوم يفتتح موسم حصاد القمح بأحد الحقول الزراعية بقصر رشوان    بلومبرج: ما لا يقل عن 13 ناقلة نفط عادت أدراجها نحو الخليج    إسبانيا تدعو لإنهاء الشراكة الأوروبية مع إسرائيل    الهلال الأحمر الفلسطيني: 700 مريض فقط غادروا غزة للعلاج.. وآلاف الحالات الحرجة تنتظر    الدوري الإنجليزي، بيتو يسجل هدف تعادل إيفرتون في شباك ليفربول    أفشة وجنش يقودان الاتحاد السكندري في مواجهة حرس الحدود    بطولة إفريقيا للكرة الطائرة.. مايو كاني الكاميروني يتأهل لربع النهائي    مياه الغربية تدعم جهود الإطفاء للسيطرة على حريق مصنع غزل بالمحلة (فيديو وصور)    والدة عروس المنوفية: محامي المتهم يحاول طمس الحقيقة (فيديو)    مصرع طفل دهسا اسفل عجلات القطار بقنا    أحمد السعدنى يحيي ذكرى وفاة والده.. أرجو قراءة الفاتحة والدعاء له    تفاصيل جديدة لحالة هاني شاكر.. نادية مصطفى تكشف الحقيقة الكاملة.. فيديو    تنسيقية شباب الأحزاب تعقد ورشة عمل حول تعديلات قانون الإدارة المحلية    مدير التعليم بدمياط: تفعيل درجات المواظبة والسلوك وربطها بشكل مباشر بالحضور الفعلي    بداية مبشرة لموسم القمح في المنيا وأرقام توريد قياسية    حقيقة غضب الونش بسبب عدم المشاركة بشكل أساسي مع الزمالك في المباريات الأخيرة    خاص | خلال أيام .. عماد النحاس يحسم قائمة الراحلين عن المصري البورسعيدي    جولة على الأقدام، نائب محافظ الجيزة يتابع تطوير جسر المنوات بالحوامدية    فتح باب التقديم للتعاقد مع 1864 إمامًا وخطيبًا بوزارة الأوقاف    مفتي الجمهورية يهنئ أحمد الشرقاوي لتكليفه رئيسا لقطاع المعاهد الأزهرية    ضبط عامل بالغربية بعد نشر فيديو عن «حبل مشنقة» على السوشيال ميديا    القبض على عاطل تعدى على عمه وأسرته بسبب الميراث بالقاهرة    حزب المحافظين يعقد مائدة مستديرة بعنوان "نحو إصلاح شامل لقانون الأحوال الشخصية"    عاجل- الرئيس السيسي يهنئ رئيس جيبوتي بفوزه بولاية رئاسية جديدة ويؤكد تعزيز الشراكة الاستراتيجية    رئيس الوزراء يتفقد مبنى الغسيل الكلوي الجديد في مستشفى العريش العام    وزير الرياضة ومحافظ الدقهلية يتفقدان مركز شباب قولنجيل ويفتتحان ملعبا قانونيا    رئيس الوزراء: توجيهات رئاسية بالاهتمام والتوسع بملف تحلية مياه البحر بالتعاون مع الشركات العالمية    تعيين الإذاعي عبد الرحمن البسيوني رئيسًا للإذاعة المصرية    ضبط تشكيل عصابي لاستغلال الأطفال في أعمال التسول بالقاهرة    نجاح أول عملية جراحة لتركيب صمام خارجي لعلاج استسقاء المخ بمستشفى دكرنس العام    محافظ البحيرة: إدراج منازل رشيد التاريخية بقائمة التراث الإسلامى يعكس قيمتها    اكتشافات أثرية بمقابر البهنسا بالمنيا، لغز الذهب في أفواه الموتى يكشف مفاجآت مثيرة    خبير استراتيجي: تصريحات الرئيس الأمريكي عن إسرائيل تكشف طبيعة العلاقة بين البلدين    رئيس جامعة بني سويف يلتقي بعدد من شباب الباحثين الذين اجتازوا البرنامج التدريبي بالتعاون مع بنك المعرفة    دفعوا ومتأهلوش، القدر يمنح الزمالك هدية مجانية في نهائي كأس السلة    بعثة منتخب الكرة النسائية تعود إلى القاهرة    طلب إحاطة حول تضارب تقديرات توريد القمح لموسم 2026 وفجوة تمويلية محتملة    إصابة 7 أشخاص إثر إنقلاب سيارة بطريق فرعي بكوم حمادة بالبحيرة    الطيران المدني الإيراني: استئناف الرحلات الجوية من مطار مشهد غدًا    نجاح فريق طبي في استئصال ورم خبيث يزن 2 كجم من طفلة بعمر 10 سنوات بجامعة طنطا    «صحة قنا» تكشف على 645 مواطنا بقافلة طبية مجانية في قرية الحجيرات    إعلام باكستانى: لا موعد محدد حتى الآن لجولة محادثات مقبلة بين واشنطن وطهران    الإفتاء: إفشاء العلامات السيئة الظاهرة عند تغسيل الموتى حرام ولو للوعظ    الصحة: فحص أكثر من 735 ألف طفل حديث الولادة في مبادرة «100 مليون صحة» للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية    الإفتاء توضح حكم الصلاة بملابس أصابها بول طفل بعد الجفاف.. دار الإفتاء توضح الضوابط الشرعية    «الحفر المصرية» تفوز بتعاقدات جديدة في الكويت وتركيا بإيرادات 86 مليون دولار    "برشامة" يواصل تصدره إيرادات أفلام عيد الفطر المبارك    بسام راضي يفتتح الموسم الصيفى للأكاديمية المصرية للفنون في روما    رياح وأتربة تضرب الإسكندرية    هل التشهير بالآخرين عبر الإنترنت جائز شرعا؟.. الأوقاف توضح    تنظيف المنزل ليلًا لا علاقة له بالفقر وهذا الاعتقاد لا أصل له في الشرع    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026    مقتل مسئول حزب الله في بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان    بداية شهر الاستعداد للحج.. المسلمون يستقبلون غرة ذي القعدة "أول الأشهر الحرم".. الأوقاف تقدم دليلا عمليا لتعظيم الحرمات ومضاعفة الأجور.. و5 أعمال أساسية للفوز ببركات الشهر الكريم    الكويت تدين وتستنكر استهداف الكتيبة الفرنسية التابعة للأمم المتحدة في لبنان    بعد فوزها بجائزة «مرفأ للشعر»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ديون مصر: كيف وصلنا إلى "التريليون" ؟
نشر في أموال الغد يوم 12 - 11 - 2011

تريليون و172 مليار جنيه، هكذا ترك «مبارك مصر مدينة (داخليا وخارجياً) بأكثر من مليار جنيه، منها أكثر من 960 مليار جنيه ديوناً داخلية، تساوى 91% من الناتج المحلى الإجمالى للدولة، والباقى ديون خارجية. تسلم مبارك الحكم فى 1981، بعد اغتيال السادات، ليضاعف ديون مصر عدة مرات خلال 30 عاماً حكم فيها البلاد.. تضاعفت الديون رغم إسقاط الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من المديونية، بعد موافقة مصر على المشاركة فى حرب تحرير الكويت 1991، وإعادة هيكلة ديون مصر الخارجية على يد نادى باريس ورغم ذلك كله، كانت سياسة مبارك هى المزيد من الاقتراض داخليا وخارجيا، وحين رحل عن السلطة فى 11 فبراير 2011، ترك الرقم الصعب أمام ثورة بلا قائد، ترفع شعار «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية».
فى هذا الملف ترصد «المصرى اليوم»، رحلة «مصر المدينة»، وكيف حققت القاهرة فائضا فى العملة الصعبة خلال أواخر العهد الملكى، إلى أن بدأت الاقتراض من الخارج والداخل مرة تلو أخرى، حتى جاءت ثورة 25 يناير، لتزيد الديون بنسبة لم تتجاوز 3.6٪ فقط، رغم كل الحديث عن «خسائر الثورة» و«الثمن الاقتصادى» للحرية. فى هذا الملف، نرصد هماً جديداً ل«مصر الثورة»، حيث الدولة مضطرة لدفع فواتير الرئيس المخلوع، وتحمل تكاليف 30 عاماً، كانت فيها الدولة تقترض، والمواطن يدفع الفواتير
رحلة «الألف مليار»: من صفر أيام فاروق إلى تريليون و172 ملياراً فى عهد مبارك
حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، كانت مصر قد حققت قفزة اقتصادية ضخمة، على الأقل بالنسبة للديون التى كانت تثقل الخزانة خاصة بعد انتهاء عصر البذخ الذى قاده الخديو إسماعيل (1830 – 1895).
بعد أن نجحت مصر فى بدايات الأربعينيات فى تسديد كامل ديونها الخارجية، وفى الوقت نفسه بدأت سياسة الاقتراض المحلى بدلاً من اللجوء للخارج. كانت الإدارة الاقتصادية للدولة، وقتها، تحاول الاستفادة من أثر الرواج من المدخرات الخارجية التى استطاعت تحقيقها خلال الحرب العالمية الثانية مع وجود الجيش البريطانى على أراضيها، مما وفر لها أرصدة بلغت حوالى 450 مليون جنيه إسترلينى.
بعد قيام حركة الجيش فى 23 يوليو 1952 بسنوات قليلة، وتحديداً فى عام 1956، اتجهت مصر الطموحة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وقتها، إلى الاقتراض من الخارج، فكانت دول الكتلة الشرقية (الاتحاد السوفيتى خصوصاً). وقتها كان الهدف هو بناء جيش مصرى قوى وحديث، بدلاً من الجيش الملكى الذى كان بعيداً بسنوات عن العصر.
يكشف تقرير التنمية فى العالم الصادر عن البنك الدولى فى 1990، أن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، ترك لمصر بعد وفاته فى ديسمبر 1970 ديوناً خارجية لم تتعد 1.7 مليار دولار، وهى الديون التى قفزت إلى 2.5 مليار دولار مع حرب أكتوبر. من ناحية أخرى كانت الديون العسكرية أكبر، ولم تسدد مصر غالبيتها الساحقة، حتى أسقطها الاتحاد السوفيتى نفسه.
المفارقة أنه حين قرر السادات التوجه نحو واشنطن وأعلن صراحة أن «99% من أوراق اللعبة فى يد الولايات المتحدة»، ووسط مقاطعة عربية وبعد توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، تضاعفت ديون مصر الخارجية فى عهد «سلام كامب ديفيد» أكثر من 8 أضعاف، ليصل الرقم الإجمالى للدين الخارجى عام 1980 إلى 21 مليار دولار تقريبا.
أما مبارك، الذى وجد نفسه فجأة رئيساً لأكبر دولة فى الشرق الأوسط، فإن أرقام الدين الخارجى تضاعفت أكثر من مرة فى مدد رئاسته الخمس، وكأن الدين ينمو طردياً مع كل ساعة قضاها فى حكم «المحروسة».
يشير د. أحمد السيد النجار، الخبير الاقتصادى بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاقتصادية، إلى أنه فى 1988 وبعد مرور حوالى 7 سنوات فقط على حكم مبارك «تضاعفت الديون الخارجية لمصر مرتين ونصف المرة لتصبح حوالى 49.9 مليار دولار، ولم يتم تخفيفها إلا بالخضوع لمشيئة وشروط صندوق النقد والبنك الدوليين والدول الدائنة، خاصة فيما يتعلق ببيع القطاع العام أو خصخصته واتباع سياسات اقتصادية ليبرالية وفتح الاقتصاد المصرى أمام الأجانب بلا ضوابط تقريبا، فضلا عما تم إسقاطه من ديون عندما انضمت الحكومة المصرية للتحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق عام 1990 فى أعقاب الاحتلال العراقى للكويت».
يضيف النجار: «الديون الداخلية الهائلة التى تحملتها والناتجة عن العجز الكبير فى الموازنة العامة للدولة وصلت فى عهد مبارك و(إصلاحه الاقتصادى) لمستويات بالغة الخطورة»، ويؤكد الخبير الاقتصادى أن تلك المديونية «تشكل سببا رئيسيا لتفجر التضخم فى مصر»، ويتابع: «يكفى أن نعلم أنها ارتفعت من 217 مليار جنيه فى نهاية عهد حكومة الدكتور كمال الجنزورى (حتى يونيو 1999)، إلى 434.9 مليار جنيه حتى نهاية عهد عاطف عبيد (يونيو 2004)، كما تضاعفت مرة أخرى لتصل إلى نحو 962.2 مليار جنيه فى نهاية عهد حكومة نظيف فى يناير 2011، قبل قيام الثورة مباشرة».
وحسب النجار، فإن هذه الأرقام جاءت حتى بعد جدولة الديون الخارجية لمصر فى يوليو 2009 بالتعاون بين كل من نادى باريس والبنك والصندوق الدوليين، وتمت الجدولة لفترات متباعدة تمتد حتى 2050 «لكن بفوائد عالية جدا، وبأقساط نصف سنوية وهو ما يعنى استنزاف ما يقرب من 25% من المصادر الاقتصادية للبلاد».
وفى يناير 2011 عند خلع الرئيس مبارك وصل الدين الخارجى إلى 34.9 مليار دولار والدين الداخلى 962.2 مليار جنيه، بما يعنى أن إجمالى «ديون مبارك» التى تدفع الثورة فواتيرها وصل إلى تريليون و172 مليار جنيه.
وطبقاً لإحصاءات البنك المركزى فى أحد تقاريره، الصادرة فى سبتمبر 2011 (أى بعد نحو 6 أشهر من خلع مبارك)، فإن الدين العام لمصر بلغ 1.254 تريليون جنيه، نسبة الديون المحلية منها أكثر من تريليون جنيه، والديون الخارجية 210 مليارات جنيه، وهو ما يعنى أن «مصر الثورة» زادت ديونها بنسبة 3.6% فقط، بسبب الثورة، وهى نسبة لا تذكر مقارنة بتريليونات ديون مبارك، التى يبلغ نصيب المواطن الواحد منها 15 ألفاً و500 جنيه تقريبا، حيث تبلغ قيمة الديون الإجمالية التى تركها مبارك لمصر تريليون و172 مليار جنيه بما يعادل أكثر من 91% من الناتج المحلى الإجمالى لمصر، الذى يبلغ 1.373 تريليون جنيه.
الثورة تدفع فواتير مبارك
طبقاً للتقرير الأخير للبنك المركزى فإن الفترة منذ يناير2011، قيام الثورة، حتى يونيو 2011 شهدت زيادة فى الدين العام بلغت 46.6 مليار جنيه تقريبا، منها 43 مليار جنيه ديوناً محلية، و3.6 مليار جنيه ديوناً خارجية، فيما بلغت أعباء خدمة الدين الخارجى فى نفس الفترة 8.35 مليار جنيه، منها 1.88 مليار جنيه فوائد، و6.47 مليار جنيه أقساط مسددة، وهو ما يعنى أن الاستمرار على هذا المنوال فى الاستدانة سيخلف ديونا تلتهم بأقساطها وفوائدها أكثر مصروفات الموازنة العامة للدولة.
منذ العقد الأخير فى عهد مبارك الذى امتد 30 عاما، كان التلاعب فى قيمة الجنيه المصرى والضغوط التى مارستها المؤسسات الاقتصادية الدولية لإجبار البنك المركزى على خفض سعر الصرف، إلى أن وصلت قيمته حاليا إلى 6 جنيهات، له تأثير كبير فى ارتفاع الأسعار وتزايد حجم الديون الخارجية، بسبب سوء الإدارة المالية العامة بما يزيد الإنفاق العام من سنة لأخرى بمعدل نمو أكبر من نمو الإيرادات العامة‏، وبالتالى يتزايد عجز الموازنة والدين العام‏.
ومع استمرار مشكلة الدين المحلى الضخم، وتزايد عجز الموازنة العامة، فإن الموازنة العامة للدولة تصبح شيئا فشيئا، أبعد عن حاجات المواطن فى التعليم والصحة والدعم وغيرها، حيث تلتهم «خدمة الديون» ما كان يفترض أن يذهب لخدمة المواطنين.
وحسب الموازنة العامة للدولة للعام 2011/2012، فإن مخصصات قطاع الصحة تبلغ 23.8 مليار جنيه، تنفق الدولة منها على خدمة الصحة نفسها 6.1 مليار جنيه، فيما يصل إجمالى مخصصات التعليم إلى 52 مليار جنيه ينفق منها على الخدمة 11.2 مليار جنيه فقط، أما الإنفاق المباشر على خدمات الشباب والثقافة فيصل إلى 5 مليارات جنيه، والإسكان والمرافق إلى 3.7 مليار جنيه.
هذه الأرقام تعنى أن خدمة الدين الخارجى فقط تعادل الإنفاق المباشر على الإسكان والمرافق والصحة مجتمعة، وتساوى أكثر من 170% مما يصرف مباشرة على الشباب والثقافة، و70% من الأموال المصروفة مباشرة على خدمة التعليم.
فضلا عن ذلك، فإن أعباء خدمة الديون، تُفشل أى محاولة للسيطرة على التضخم، وبالتالى استمرار ارتفاع الأسعار دون ضابط، كما أن تراكم قرابة تريليون جنيه كدين محلى، واستمرار عجز الموازنة، يؤديان لموجات من الاحتجاجات الاجتماعية، تؤثر أيضا على الإنتاج، فالمواطن حين يجد الدولة فاشلة فى تأمين احتياجاته، وميزانية بلاده تلتهمها خدمة الديون، وعجزها المتنامى يفشل فى ضبط الأسعار، والقدرة الشرائية للعملة تنهار، فمن الطبيعى أن يخرج للشوارع فى احتجاجات عاصفة، لأن الدولة لم تترك له شيئا يخسره، لأنه خسر كل شىء بالفعل.
وزارة المالية، وفى دراسة لها، أكدت أن مشكلة إدارة الدين العام تعتبر من أهم القضايا والمشكلات التى تواجه الاقتصاد المصرى، واقترحت بعض التوصيات التى من شأنها تقليل حجم الدين العام والمحلى وتقليل أعباء خدمته، وعلى رأسها ترشيد الإنفاق الحكومى وخفض معدل زيادته على معدل زيادة الإيرادات‏، كما طالبت الدراسة بالتعامل مع الدين العام المحلى المتراكم من‏سنوات سابقة‏بخطة مستقبلية وسياسة مالية واضحة المعالم‏، وذلك بإيجاد مصادر تمويلية جديدة وبديلة لتمويل عجز الموازنة بدلاً من الاقتراض من السوق المحلية، بعدما أصبحت حدود الدين العام المحلى غير آمنة‏.
«مصر المدينة»: الدولة تقترض لتأكل.. والمواطن يسدد «الأقساط
أدت زيادة الدين العام وتطوره بهذا الشكل إلى تحميل موازنة الدولة أعباءً متزايدة، لكن الدولة بمعنى أوسع ليست فقط الخزانة العامة، لكنها أيضا المواطن، الذى يدفع نحو 15500 جنيه نصيباً من الدين الداخلى، وهو مبلغ يساوى 20 ضعف الحد الأدنى للأجور، الذى حددته الدولة ب750 جنيهاً، كما يساوى 50 ضعف نصيب المواطن من الإنفاق السنوى على الصحة، حيث يستفيد كل مواطن بنحو 300 جنيه فقط من أموال القطاع.
تكلفة الدين للفرد تساوى 23 ضعف نصيبه من الإنفاق على التعليم، البالغ 650 جنيها، و300 ضعف نصيبه من الإنفاق السنوى على خدمات الإسكان، الذى لا يتجاوز 50 جنيها سنويا، كما أن هذه النسب الضئيلة من نصيب الفرد من الخدمات ما زالت مرشحة للنقصان مادام استمر تضخم الديون على هذا المنوال، لأنه فى الموازنات القادمة ستخصص مبالغ أكبر فى كل مرة لسداد أقساط وأصول الدين، وبالتالى تنتقص هذه الخدمة مما يتلقاه المواطن من خدمات أخرى، فى ظل محدودية موارد الموازنة وعدم دخول أى مصادر جديدة من شأنها تنمية هذه الموارد.
تكمن الخطورة الحقيقية فيما وصل إليه الدين العام المصرى، خاصة فى الفترة الحالية حيث إن الدولة «تستدين لتأكل»، وتطرح سندات وأذون الخزانة حاليا ليتم تمويل متطلبات الدعم وتوفير السلع الغذائية ودفع أجور الموظفين فى الدولة، أما طريقة تمويل الدين فتسير بين طريقين كلاهما خطر، الأول تسدد الدولة الدين من مصادر ومدخرات حقيقية، والثانى، أن تقرر الدولة أن تطبع المزيد من أوراق النقد، مما يعنى انفجاراً جديداً فى الأسعار، وزيادة مرعبة فى التضخم، الذى تعانى منه مصر أصلاً.
ليست مصر هى الدولة الوحيدة المدينة فى العالم، لكن الدول التى تنظر للمستقبل اقتصاديا، تجيب عن أسئلة الدين بطريقة مختلفة من حيث استخدام الديون كلها أو جزء منها على الأقل فى تمويل مشروعات إنتاجية، توجد وظائف جديدة، وتدر دخلا يسدد الدين، ويزيد من حجم النشاط الاقتصادى، وغالباً لا تقترض الدول كى تطعم مواطنيها فقط، مثلما تفعل مصر.
الخوف من تأثير الديون على الاقتصاد، ورفض طريقة إدارة الحكومة لهذا الملف الحساس، كانا هاجسا فى رأس مجموعة من النشطاء والخبراء المصريين، الذين قرروا أن يحاولوا «تخفيف الحمل»، عن الموازنة العامة، وبالتالى عن المواطن.
شكل النشطاء والخبراء حملة شعبية لدعوة الدول الدائمة إلى «مراجعة وإسقاط ديون مصر»، وحددت الحملة 31 أكتوبر من العام الحالى، لتنظيم اليوم العالمى للمطالبة بمراجعة وإسقاط ديون مصر الخارجية، ويشهد ذلك اليوم مسيرة إلى البرلمان البريطانى للتقدم بأوراق تطالب بجدولة وإسقاط ديون مصر لدى المملكة المتحدة، وفى التوقيت نفسه، ينظم النشطاء حملة مشابهة فى ألمانيا.
لم تقتصر محاولات إسقاط ديون مصر الخارجية عند هذه التجربة فقط، فمن ناحية أخرى أعلن مجلس الأعمال المصرى الأمريكى عن قرب تصويت الكونجرس على تنازل الإدارة الأمريكية عن ثلث ديونها المستحقة على مصر، والبالغة 3 مليارات دولار، وذلك حسبما أعلنه رئيس مجلس الأعمال المصرى السعودى محمد يونس، الذى أكد أن هناك خطوة واحدة فقط فى سلسلة من الإجراءات فى الكونجرس حتى تتنازل الولايات المتحدة عن ثلث ديونها المستحقة على مصر، فى إطار مبادرة الرئيس الأمريكى باراك أوباما لتخفيف الديون على البلاد، وأكد «يونس» أن هناك مباحثات شملت أيضا تفعيل سعى الولايات المتحدة مع مختلف الأطراف فى الاتحاد الأوروبى ونادى باريس لحثهم على أن يحذوا حذوها بإسقاط جزء كبير من الديون المستحقة على مصر.
مبادرات واقتراحات كثيرة، يقودها نشطاء حقوقيون واقتصاديون وخبراء، يرون بعيونهم الخطر القادم، ويحاولون إذابة جبل الجليد فى الخارج، أما فى الدين الداخلى، فلا تزال مصر تراكم ديونها، دون صياغة رؤية اقتصادية ل«مصر الثورة»، التى تبدو من الناحية الاقتصادية، وكأنها بحاجة لثورة جديدة تنقذها من سياسة «ليس فى الإمكان أبدع مما كان».
الحدود الآمنة للدين: هل اقتربنا من «نقطة الخطر»؟
الحدود الآمنة للدين، تعنى فى أبسط تعريفاتها، النسبة التى تمثلها الديون نفسها، وتكاليف خدماتها (أقساط وفوائد) من إجمالى الموارد المالية المتاحة للدولة، وهو ما يعنى أن الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الجهات أو الدول الدائنة.
تقول الدكتورة سلوى حزين، مدير مركز واشنطن للدراسات الاقتصادية، إن الحدود الآمنة للدين الخارجى كما يحددها البنك الدولى يجب ألا تتجاوز 60% من الناتج المحلى الإجمالى، موضحة أنه فى حالة وصول أى دولة إلى هذا الحد يكون غير مسموح لها بالاستدانة الخارجية إطلاقا، ما يشكل مشكلة حقيقية، لأنه يقلل من فرص الاستثمار الداخلى التى يأتى تمويلها فى الغالب من خلال الاقتراض من المؤسسات الدولية، كما أنه فى حالة عجز أى دولة عن سداد أقساط الديون فى مواعيدها المحددة فإنه يتم إشهار إفلاسها.
وطبقا لبيانات البنك المركزى المصرى فإن نسبة الدين الخارجى فى مصر تصل إلى حوالى 15.2% من الناتج المحلى الإجمالى، تمثل الديون قصيرة الأجل منها –الديون الواجب سدادها فى الوقت الحالى- ما نسبته 8.8% من الناتج المحلى الإجمالى.
وتضيف «حزين» أن الخطورة الحقيقية لهذه المديونيات تكمن فى حالة عدم القدرة على سداد أقساط الديون، وهو ما يعرض لعقوبات دولية تتمثل فى عدم القدرة على الاقتراض الخارجى إطلاقا، فضلاً عن منع الاستثمارات الأجنبية من التوجه للدولة المدينة، ومن هنا تكمن أهمية وجود استثمارات محلية ضخمة وعدم الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية فقط «لأنه من غير المنطقى أن يقوم اقتصاد أى دولة على استثمارات خارجية فقط»، حسب «حزين»، التى تشدد على أهمية «زيادة الناتج المحلى من خلال زيادة إنتاجية العمال، وترشيد الإنفاق الحكومى والبحث عن موارد جديدة لتمويل الموازنة العامة للدولة وخفض العجز فيها حتى لا تضطر مصر للاستمرار فى الاستدانة من الخارج أو الداخل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.