64ر62 مليون أوقية احتياطيات الصين من الذهب بنهاية يونيو    سفير بيلاروسيا بالقاهرة: مجموعة العمل المصرية البيلاروسية تبحث تعزيز التعاون في مجال الزراعة    الطيران الكويتي: 1060 عالقا مصريا يغادرون ل 4 محافظات عبر 6 رحلات    اليابان ترفع مستوى تحذير الطوارئ لأعلى درجة بسبب هطول الأمطار    بومبيو يبحث مع مسئولي كندا والبرازيل العلاقات الثنائية وكورونا    قرارات جديدة لمجلس الوزراء السعودي..تعرف عليها    رئيس الوزراء الأسترالي: تفشي كورونا في ملبورن خطير ولكنه ليس مفاجئًا    نائب وزير الخارجية الأمريكى: الولايات المتحدة تدعم "بقوة" التعاون بين الكوريتين    ليفربول والمان سيتي وبرشلونة أبرز المواجهات .. تعرف على مواعيد مباريات اليوم والقنوات الناقلة    فاروق جعفر: فرع الزمالك الجديد سيُبنى على مراحل    حرب ضد الرذيلة.. مصادر: حكم حبس سما المصري رادع لمن يتبع خطاها.. وكله هيقع    67% من قراء اليوم السابع يؤيدون قرار إعادة فتح مسجد الحسين    صور.. فرحة عارمة لخروج التوأم أحمد وعبد الله من مستشفى إسنا للعزل    وفاة مدير إدارة مطوبس التموينية متأثرا بإصابته ب كورونا    حدث ليلاً | لاعب أهلاوي يوقع للزمالك.. حفتر يشكر مصر.. اقتحام البرلمان الصربي    أهالى الدقهلية يشيعون جثمان "شهيد الشهامة".. وعمه: نطالب بالقصاص    اليوم.. التضامن تصرف المعاشات لأصحاب الفئة حتى 3 آلاف جنيه    إثيوبيا.. استمرار قطع الإنترنت لليوم الثامن عقب احتجاجات دامية    مجدي عبد الغني يهاجم صفقة الأهلي الجديدة: ميستحقش كل دا    تحالف انتخابي بين 8 أحزاب لخوض انتخابات الشيوخ والنواب    "المرور" تقدم نصائح مهمة للمواطنين لتجنب الحوادث    أشرف بيدس يكتب:"الليدي"    فيفي عبده تنعي وفاة والدة حمادة هلال    10 معلومات عن مشاريع الدولة لتنمية منشأة العماري بالأقصر    د. جودة عبدالخالق يكتب :مصر وكورونا.. ثالوث التحديات الوجودية    د. عادل وديع فلسطين يكتب:هزيمة أردوغان وحكومة النفاق    التعويض 21 ألف دولار.. برشلونة يكسب "قضية نيمار"    بحضور مراقبين الاتحاد الإفريقى..اجتماعات الدول الثلاث حول سد النهضة مستمرة.. والخلافات جوهرية على المستويين الفنى والقانونى    نشرة اليوم السابع.. تسجيل لأول رد من الشيخ مبروك عطية على دعوى منع ظهوره على الفضائيات.. الداعية: "بناقص الإعلام اللى يزعل الناس مني".. و"إذا كانت الهوجة هتاخدني فيها فالله المستعان"    كورونا والطاعون الدبلي.. ما الفارق "حتى الآن"؟    هنا الزاهد تكشف تفاصيل تعرضها لمطاردة وتحرش: استمرت 5 دقايق وهربوا    اتحاد الكرة يكشف توقيت الإعلان عن موعد انتهاء الدوري بعد قرار استئنافه    القبض على فنانة مصرية بتهمة قتل زوجها    لو مسافر.. مواعيد قطارات السكة الحديد اليوم الأربعاء    محمد منير: ثقافتنا لا تعرف التحرش.. واعتذر لكل بنات مصر    مالك وادي دجلة يوجه رسالة قوية لاتحاد الكرة.. والجنايني يرد    جوارديولا يتحدث عن خسارة البريميرليج وإمكانية التعاقد مع ميسي    عطل يصيب موقع"انستجرام" في بعض دول العالم    التحرش الجنسي ولبس الفتاة.. ماذا عن ذات النقاب؟    حرم آمن حول ضريح الحسين لمنع التزاحم في المسجد    في الداخل والخارج.. مبروك عطية: الأزهر لا يمكن أن يتوانى عن قضايا المسلمين    ظهور نادر لوالدة أحمد السقا.. صورة    خايف تشتري أون لاين.. جهاز حماية المستهلك: القانون يحميك    زوجة الشهيد "الشبراوي": عندي إحساس إنه ممكن يدخل علينا دلوقتي    "حبس وغرامة وحرمان".. عقوبات تنتظر 54 طالبًا منذ بداية امتحانات الثانوية العامة    حمادة صدقي: الأهلي لم يخاطبنا لاستعادة أي لاعب وناصر لم يرفض عرض البرتغال    عمر الشناوي يلعب مع كلبه في عطلته الصيفية    تعرف على أقوال العلماء والصالحين والسلف في الصدق    خروج أصغر متعاف من كورونا بعد ولادته بمستشفى كفر الدوار بالبحيرة.. صور    مستشار الرئيس للصحة يوجه رسالة مهمة بشأن كورونا    ترأس تحرير الجمهورية وعُين ب"الشورى".. معلومات عن محمد علي إبراهيم    السيطرة على حريق داخل شقة سكنية فى أرض اللواء دون إصابات    جدول ترتيب الدوري الإيطالي بعد سقوط المتصدر يوفنتوس ووصيفه لاتسيو    يسردها صديق عمره عبد المنعم التراس.. أهم الملامح الإنسانية في حياة الفريق محمد العصار.. فيديو    بعد فبركتها.. ننشر نص فتوى «علام» الحقيقية بشأن التحرش    كورونا أمامنا والقنبلة خلفنا    المسلم مأمور بغض البصر.. المفتي يصدر بيانا جديدا عن التحرش    دعاء للتخلص من القلق وقت البلاء والوباء.. ينصح به عمرو خالد (فيديو)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نكسة يوليو حولت محفوظ إلي كاتب " عبثي"
نشر في الوفد يوم 20 - 12 - 2010

الخميس قبل الماضي، مرت الذكري التاسعة والتسعين لميلاد الأديب العالمي نجيب محفوظ صاحب الروائع الأدبية، وصاحب نوبل.
ولا يختلف أحد علي روايات محفوظ التي أوصلته إلي العالمية، ولكن ماذا عن مسرحياته التي كتبها في ظروف خاصة ولم تأخذ نصيبها من الشهرة والانتشار، فهل كان لدي نجيب محفوظ مشروعاً مسرحياً وهل كان يفكر في وضع اسمه في الخريطة المسرحية؟
الحقيقة أن محفوظ مر بلحظة معينة قرر فيها أن يمسك القلم ويكتب للمسرح، كان ذلك في الفترة الواقعة بين شهري أكتوبر وديسمبر، وتحديداً بعد نكسة 1967 بثلاثة شهور، كانت المرارة مازالت عالقة في الأجواء، الصدمة حولت كل شيء إلي عبث كل الكتابات لم تعد تؤدي وظائفها، سقطت الأقنعة وهربت الروح وفرضت علامات الاستفهام وجودها علي كل شيء، وظهر كثير من الأعمال الإبداعية التي تحاكم الهزيمة وتبحث عن المسئولين عنها، وتقيم مراجعات شاملة للأسس التي بنيت عليها جميع مؤسسات المجتمع.
وفي دراسة مهمة للباحث إبراهيم الحسيني تؤكد أن محفوظ كان في حيرة من أمره، هل يكتب هذا النوع من المسرح الذي تربي عليه صغيراً وشاهده علي مسارح روض الفرج لفرقتي فوزي منيب ويوسف عزالدين، أم النوع الذي كان يقدمه علي الكسار ونجيب الريحاني أم العروض الأخري لكتابات توفيق الحكيم ويوسف إدريس ومحمود دياب وسعد الدين وهبة وميخائيل رومان وألفريد فرج، لم يكن محفوظ مهيأ لتقديم أي من الأنواع السابقة لعدة أسباب منها عدم مقدرة هذه الأشكال المسرحية علي التعبير عن حالة الغضب التي ولدتها النكسة بداخله، بالإضافة إلي تاريخه الروائي الكبير الذي قدم فيه كثيراً من العلامات مثل الثلاثية واللص والكلاب وزقاق المدق، إنه لا يريد أن يضحي بهذا التاريخ السردي الكبير بدخوله في مغامرة مع كلاب المسرح آنذاك ومعظمهم من أصدقائه، لذلك فكر محفوظ في تقديم نوعية مختلفة من المسرح، فكانت مجموعة من 5 مسرحيات ذات الفصل الواحد وهي »يميت ويحيي التركة النجاة مشروع للمناقشة المهمة« والتي ضمنها مجموعته القصصية »تحت المظلة« والتي صدرت في طبعتها الأولي عن مكتبة مصر عام 1969.
والحقيقة أن هذه المسرحيات تباينت في درجة الإفصاح عن المعني، لكنها في الغالب قدمت الرجل والمرأة محوراً للمضمون العام، ونراهما علي الدوام في موقف عصيب ويقومان بالدور التاريخي الذي لعبه كل منهما علي مر العصور.. فهي تفكر في الحب والحياة، وهو يبحث عن مجد الأسلاف ويفكر في الكرامة والحرية والمغامرة في إطار تحقق من خلاله جدلية العلاقة بينهما.
وتأكد لمحفوظ آنذاك أن فن المسرح هو الأقدر علي التعبير عن الواقع في ظل الأزمات، فهو مثلاً يقول في أحد حواراته الصحفية إن الطابع الجديد للعصر هو طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها، وأن الجدل العقلي هو الصفة الغالبة للتفكير المعاصر، وبالتالي فإن الشكل الأدبي المناسب للعصر هو فن المسرح، بوصفه الشكل الفني الذي يرتكز أساساً علي الجدل والحوار وصراع الأفكار وفنون الفرجة.
ويقدم الباحث عبدالغني داود دراسة حول تصريحات نجيب محفوظ في مجلة »الهلال« عام 1970 والتي يعلن فيها أنه ليس كاتباً مسرحياً عندما كتب مسرحياته ذات الفصل الواحد، وأنه لن يعاود الكتابة للمسرح في المستقبل وأنه كتب هذه النصوص تحت إلحاح اللحظة التاريخية ليواكب الأحداث المتلاحقة بعد هزيمة 1967، وتشير الدراسة إلي انعطاف محفوظ إلي مسرح »اللامعقول« وتقنياته التي وظفها في تلك النصوص، لكنه في الحقيقة يختلف عن هذا المسرح لاعتماده كلياً علي الحوار، هذا الحوار الذي يهمشه مسرح العبث ويتقلص فيه إلي مجرد ثرثرة، وتتعرض الدراسة إلي الإسقاطات السياسية التي تتضمنها نص »يميت ويحيي« وتشير إلي موقف نجيب محفوظ السياسي، والظروف التي أبدع فيها نصه، حيث إن القصة حوارية الطابع وسياسية المغزي ومليئة بالغموض، ويتساءل الناقد محمود أمين العالم حول قيمة هذه المسرحيات وهل هي مجرد حوارات ذهنية ومسرح متواضع للغاية لا يصلح إلا للقراءة، لكنه يؤكد في النهاية أنه مسرح خرج من عالم »محفوظ«.
ويؤكد الدكتور محمد عبدالله حسين إمام أن نجيب محفوظ مسرحي متمكن من أدواته الدرامية بشكل لافت يخلب اللب لا يقل بأي حال من الأحوال عن كونه روائياً عظيماً، والحقيقة أن علاقة محفوظ بالمسرح علاقة قديمة فقد قرأ جوتة وشكسبير دراسين واستمرت قراءته مع سلسلة المسرح العالمي علي مختلف تياراته، وهذا معناه أن الظاهرة المسرحية في حد ذاتها قد تأصلت في وجدانه في وقت مبكر جداً، الأمر الذي جعله علي وعي تام بالحركة المسرحية العالمية والمحلية ويتجلي ذلك في تقييمه لمسرح الحكيم، حيث يري أن الحكيم، كان بداية جديدة للمسرح الجاد المعاصر، ومسرحيات »محفوظ« تطرح قضايا إنسانية بالغة الأهمية، حيث نستشعر فيها عبثية الحياة وجدواها، انكسار الإنسان وانسحاقه تحت وطأة القهر الذي لا يرحم، صور متنوعة من اليأس والحيرة والمطلق، لقد حاول محفوظ أن يكون عبثياً من خلال إدخال بعض ملامح الفلسفة الوجودية ومسرح العبث في مسرحياته لكن اللحظة التاريخية »هزيمة يونيو« جعلت ملامح هذه الفلسفة أبعد ما يكون عن كونها اتجاهاً عالمياً في ذاته يتبعه في كتاباته فيقول »مرت في حالات فقدت فيها توازني فكتبت أعمالاً ظاهرها العبث، ولكن حرص علي الانتماء أفسد عيشتها، ويبدو أنني لم استسلم للعبث بل صورته وكلي رغبة من تجاوزه، ربما لأنه كان يشعر شأنه بشأن المثقف الواعي أن الواعي بعد 1967 يمثل حالة من العبث بشكل أو بآخر، ومن ثم فإن الشكل الواقعي البسيط لا يصلح للتعبير عن هذه الحالة، فوجد نفسه مدفوعاً لهذا الشكل الذي كتب به أعماله المسرحية.
وتؤكد دراسة للدكتور عمرو دوارة أن السمات العامة لمسرحيات نجيب محفوظ قصيرة وذات فصل و احد، ويكتنفها الغموض واستخدام التجريد وتوظيف الرمز بدلالاته الموحية، وتتمتع بالصياغة الحوارية الجيدة وتوظيف اللغة العربية الفصحي، وتمتاز بالنظرة الفلسفية الشاملة للحياة والمجتمع، بالإضافة إلي وضوح الحس الديني والمعايير الأخلاقية، والتنوع الشديد سواء علي مستوي الشكل أو المضمون، وخلصت الدراسة إلي أن مسرحيات محفوظ نجحت في رصد أهم التحولات والتغيرات التي طالت مدينته التي عشقها وهام بها، كما نجحت في التعبير عن المعالم المختلفة للمجتمع المصري الحديث سواء بطموحاته وانطلاقاته أو بأزماته وانتكاساته، موظفاً في ذلك موهبته الأصيلة وخبراته المتراكمة وكذلك قدراته المتميزة وثقافته الموسوعية ومعرفته بأحدث الأساليب والمناهج الفنية المعاصرة.
ويحكي المخرج أحمد إسماعيل تجربته في إخراج النص المسرحي »الشيطان يعظ« للكاتب الكبير نجيب محفوظ، ويؤكد أنه وجد ضالته في هذا النص المتكامل الذي يتمتع بكل أصول الكتابة المسرحية من شاعرية اللغة وكثافة الحوار وتنوع المشاهد وبناء الشخصيات والإيقاع المتدفق لسير الأحداث، فضلاً عن الملاحظات التي يكتبها المؤلف ليستعين بها المخرج، نسج المؤلف خيوط نصه المسرحي علي نول فلسفي، فكشف عن المطلق والنسبي والاستبداد والحرية والماضي والمستقبل، والموت والحياة، وعندما تحكم الطرف الأول من المعادلة أي المطلق والاستبداد والماضي، فقد كان الموت وعندما سحب هذا النول بعد إتمام نسيج النص المسرحي، بقيت المفارقات واضحة فبدي الأسطوري واقعياً مصدقاً، والواقعي أصبح أسطورياً غير مصدق لشدة تناقضه وعدم معقوليته ولا إنسانيته.
ويدعو المخرج أحمد إسماعيل اتحاد الكتاب لتبني مشروع إنتاج أعمال مسرحية لكاتبنا الكبير بالتفاوت مع مسرح الدولة، لأن الأعمال المسرحية الكبيرة صناعة ثقيلة تحتاج إلي جهة بالثقل والقدرة نفسها.
وفي النهاية تبقي الحقيقة الموضوعية والنظرة النقدية الفاحصة وهي أن مسرحيات نجيب محفوظ تستحق منا أكثر من ذلك خلص تحتاج التوقف عندها والاهتمام بها ودراستها وتحليلها نقدياً لأنها جزء مهم من رصيده الأدبي كان بحق مرآة لعصره وللتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية بمجتمعه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.