استكمالاً لمتطلبات المرحلة الراهنة من ضرورة مراجعة كثير من المواقف التي ترسخت في حياتنا السياسية، عبر عقود طويلة لم نكن فيها علي الطريق الصحيح للديمقراطية، وبات علينا إسقاطها، والتخلص منها ومن تبعاتها، خاصة ونحن نعيش حالة ثورية لها مذاق آخر غير ما عرفته مصر سابقاً من ثورات. فى هذا السياق، لا يفوتنا ونحن نمهد الطريق لإجراء الانتخابات البرلمانية، أن نشير إلي بعض المفاهيم المغلوطة، والتي أساءت كثيراً لآلية «الصندوق» باعتبارها من الآليات المتعرف عليها في كافة النظم السياسية، الديمقراطية وغير الديمقراطية، وإن اختلف توظيف هذه الآلية، في ظل المحاولات، الناجحة للأسف، من البعض للتخفي وراء «الصندوق». فلا شك أن التجربة المصرية تتميز بظاهرة لا محل لها في النظم السياسية إجمالاً، وهي «البرلماني المستقل»، وهو شخص يزعم «ارتقاءه» فوق كل الأحزاب، وأن انتماءه فقط لمصر!!. وواقع الأمر أن لهذه الظاهرة أصول ترتد إلي عقود عاشها الشعب المصري، تحت مظلة دعائية تعني بالدرجة الأولي بتشويه صورة «الحزب السياسي»، أياً كان، لدى الرأي العام، وما كان ذلك في الواقع إلا تعبير عن غياب إرادة سياسية حقيقية من شأنها دفع الممارسة السياسية إلي الارتباط بقواعد ومبادئ العملية الديمقراطية. ولعل من تجاربنا في هذا الشأن ما يؤكد أن «الأحزاب السياسية» كانت «فكرة» غير مفضلة لدى الأنظمة الحاكمة في مصر، فإما أن نلغيها تماماً، أو «نسعى» سعياً خجولاً إلي عودتها، بمحددات تُفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي، ليظل أثرها محصوراً في محاولة إقناع الغرب بأننا نتجه نحو الديمقراطية، وقد كان ذلك داعماً للإستراتيجية المصرية الرامية إلي الالتحاق بالنادي الغربي بعد حرب أكتوبر عام 1973، لكن مرة أخرى، كان غياب الإرادة السياسية الحقيقية، وراء تشويه «الفكرة»، وبالفعل صنعنا نظاماً سياسياً، وحددنا له من المسارات ما يجعل من الحزب الوطني «قيماً عليه»، ولأن الأمر ليس علي هذا النحو من البساطة والتدليس، لم نتحرك إلي الأمام خطوة واحدة حقيقية، علي مدى عدة عقود، إلي أن قامت ثورة 25 يناير المجيدة. من هنا لم تنهض «الأحزاب السياسية»، علي اختلاف أيديولوجياتها بما هو منتظر منها في سبيل تعميق وترسيخ الديمقراطية، لسبب أولي بسيط، وهو أننا لم نكن نملك بالفعل نظاماً ديمقراطيا، يمكن تعميقه وترسيخه؛ ذلك أن الديمقراطية يصنعها الديمقراطيون. ... وإلي حديث الغد بإذن الله. «الوفد»