الاستخبارات الروسية: فرنسا تخطط للإطاحة برئيس مدغشقر الجديد    رئيس جامعة أسيوط يشهد الحفل الختامي للمبادرة الرئاسية «تمكين» بمعبد الأقصر    صوم يونان.. دعوة للقلب    تداول 26 ألف طن و900 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموانئ البحر الأحمر    تفاصيل تصديق الرئيس السيسي على قانون تعديل اتفاقية البحث عن البترول بالصحراء الغربية (مستند)    أسعار اللحوم الإثنين 2 فبراير 2026    الرئيس السيسى يصدّق على قانون للبحث عن البترول وتنميته واستغلاله فى منطقة بالصحراء الغربية    الزراعة تزف بشري سارة للمواطنين بشأن الأسعار قبل رمضان    صندوق «التنمية المحلية» يمول 1052 مشروعًا ب17 مليون جنيه خلال 7 أشهر    الضرائب تطلق الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية لدعم الممولين وتحفيز الاستثمار    الهلال الأحمر المصري يستقبل المرضى والجرحى الفلسطينيين ويقدم «حقيبة العودة» للمغادرين    عراقجي: إيران عند منعطف حاسم مع واشنطن ومستعدون للاتفاق أو المواجهة    غارة إسرائيلية تستهدف سيارة على طريق بلدة الزهراني بجنوب لبنان    وسط منظومة خدمات متكاملة.. شاهد صحن المطاف يكتظ بالمعتمرين فى شعبان    بالورود ومساعدة كبار السن.. لقطات إنسانية من الهلال الأحمر مع الفلسطينيين.. صور    استشهاد طفل برصاص القوات الإسرائيلية جنوب مواصي خان يونس    موقف ريال مدريد من عرض إنجليزي لضم فران جارسيا    مران أخير للأهلي قبل مواجهة البنك الأهلي واستمرار غياب إمام عاشور للإيقاف    تامر عبد الحميد: معتمد جمال نجم الزمالك الأول.. وعدم ذهاب إمام عاشور إلي المطار مع الأهلي "مصيبة"    اليوم.. النطق بالحكم على قاتلة صغار دلجا بالمنيا في جلسة الاستئناف على إعدامها    حالة الطقس.. تحذير عاجل من الأرصاد بسبب الأتربة ونشاط الرياح على هذه المناطق    ظهرت الآن.. نتيجة الشهادة الإعدادية بكفر الشيخ بالاسم ورقم الجلوس    مصرع 3 أشخاص وإصابة آخر في حادث تصادم بطريق سفاجا – الغردقة    مقتل 3 عناصر شديدة الخطورة وضبط طن مخدرات في ضربات أمنية    الحزن يخيم على الحامول عقب استشهاد معاون مباحث مركز الشرطة أثناء تأدية واجبه    عرض الفيلم الوثائقى محفوظ وهى فى ندوة الصالون الثقافى بمعرض الكتاب    بأكثر من 5.5 ملايين زائر.. الثقافة تكشف أسباب نجاح الدورة الحالية من معرض القاهرة الدولي للكتاب    وزير الثقافة ينعى الفنان التشكيلي حسام صقر    اليوم.. ختام مسابقة بورسعيد لحفظ القرآن والابتهال الديني    فضل شهر شعبان.. دار الافتاء توضح فضل الصيام فى شهر شعبان    مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 2فبراير 2026 فى المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    محافظ الأقصر يحضر احتفال العائلة الحجاجية بالليلة الختامية لمولد أبو الحجاج    جرامي ال68.. مايهيم يفوز بجائزة أفضل ألبوم بوب غنائي    وزير البيئة تبحث مع بعثة البنك الدولي التعاون في مجالات التحول الأخضر والاقتصاد الأزرق    ماذا قال ترامب عن أحدث حزمة من وثائق إبستين؟    عمر كمال: رفضت 30 مليون جنيه من بيراميدز وهذا سبب رحيلي عن الأهلي    مجلس الشيوخ يناقش اليوم تعديل قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية    الصحة: 150 مستشفى و300 سيارة إسعاف جاهزة لاستقبال الجرحى الفلسطينيين    حياة كريمة.. صحة دمياط تستهل فبراير بقافلة شاملة تخدم 1217 مواطنا بفارسكور    د.حماد عبدالله يكتب: " لا حياة لمن تنادى" !!    حبس وغرامة تصل ل 100 ألف جنيه| مجلس النواب يوافق على تشديد هذه العقوبات    واعظات أوقاف الإسماعيلية يواصلن فعاليات برنامج "أحب مسجدي" للأطفال    حجب لعبة "روبلوكس" في مصر| هام من الأعلى للإعلام وتنظيم الاتصالات    فى حفل توزيع جوائز الجرامى ال 68.. Debí Tirar Más Fotos ل باد بانى يفوز بجائزة أفضل ألبوم.. وwild flower ل بيلى إليش تحصد جائزة أغنية العام.. وليدى جاجا أفضل ألبوم بوب    مقتل شرطي وإصابة آخر في إطلاق نار داخل فندق بولاية جورجيا الأميركية    نجم الزمالك السابق: «شيكو بانزا» يحتاج إلى تطوير أكبر على المستوى التكتيكي    حازم إمام: إمام عاشور سبب الجدل اللى حصل.. وبن رمضان وبن شرقى الأنسب لتعويضه    ما حكم الاحتفال بليلة النصف من شهر شعبان؟.. الإفتاء توضح    دار الإفتاء: صيام يوم النصف من شعبان من جملة الأيام البِيض من كل شهر    "القومي لذوي الإعاقة" يعلن تفاصيل الدورة الثالثة لمسابقة «الأسرة المثالية»    السيطرة على حريق بمساكن عزيز عزت في إمبابة    نقيب الأطباء: نعترض على إعادة الترخيص في قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية    هل الشخير علامة مرض؟ نصائح طبية لنوم آمن وهادئ    متحدث الصحة: دليل إرشادي جديد ينظم خدمات العلاج على نفقة الدولة    الدوري الفرنسي، باريس سان جيرمان يخطف فوزا هاما أمام ستراسبورج    "Golden" من فيلم "KPop Demon Hunters" تمنح الكيبوب أول جائزة جرامي في تاريخه    متابعة حية الآن.. ريال مدريد يواجه رايو فاليكانو في مواجهة حاسمة بالبريمير الإسباني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ضمير الثقافة القومية
نشر في الوفد يوم 30 - 11 - 2010

بعد أيام قليلة يكون الدكتور، أو الدكاترة »زكي مبارك« قد أمضي تسعة وخمسين عامًا في قبره، حيث قد رحل في الثالث والعشرين من يناير عام اثنين وخمسين بعد التسعمائة والألف. ومنذ رحيله وإلي اليوم تمر ذكراه مرور الكرام، كأنه قد حكم عليه أن تجحده الأوساط الثقافية حيا وميتًا، مع أنه من القلائل البنائين في حقول العلم والثقافة في عصرنا الحديث. أقام أبنية شامخة وصروحًا سامقة هيهات أن ينال منها الزمن، بمؤلفات موسوعية عظيمة الشأن لم يظهر لها مثيل حتي الآن، ولسوف تظل أبد الدهر مصدرًا ثريا لمن يريد فهم واستيعاب الثقافة العربية الأصيلة علي النحو الصحيح؛ وبالأحري لمن يريد أن يصل جذوره بأرضها.
ولربما كان لزكي مبارك آراء صادمة مثيرة للجدل، ناهيك عن صياغتها البلاغية الحادة بل الشديدة الحدة أحيانًا، لا تهاب كبيرًا أو عزيزًا في قولة الحق، حيث كان يمارس النقد والتحقيق والتوثيق والمراجعة بروح وأسلوب المستغني عن كل المكاسب المادية، المتحرر من المجاملات ومن نفوذ العلاقات الشخصية كل ما يعنيه - إذ هو يكتب - هو أن رأيه مبني علي أسانيد من العقل والشعور والوجدان فيما يري أنه الحقيقة، وأن يكون في كل ما يكتب متسقًا مع ضميره الذي كان أضخم ما فيه، وكانت لضخامته ظلال وارفة تمتد علي مساحات كبيرة، فتضعف الضوء في بعض الأشياء، وتحجبه عن بعض الجوانب التي لو رؤيت في ضوء كاف فلربما غيرت من رأيه أو عدلته علي الأقل. لكن الجميل فيه أنك تري هذا وتدركه بوضوح أثناء قراءتك له سواء في أبحاثه أو في مقالاته الصحفية أو دراساته النقدية أو مراجعاته للكتب الصادرة حديثًا، فلا تحنق عليه، فلسوف يشفع له ضميره عندك، ولسوف يملؤك برحيق فيه شفاء، ويضيء في عقلك عشرات المصابيح، هي نفسها التي تغريك بضوئها علي أن تراجعه وتنتقده وأنت علي تمام الثقة بأنك لو جاهرته بنقد لك فيه فإنه متلقيه علي الرحب والسعة، فإن كان رأيك صائبًا فهو أول من يصفق لك بالتحية والإعجاب، أما إن كان رأيك، والعياذ بالله، فجا غير مدروس، فعليك - يا حلو - أن تتلقي وعدك: إن الإنس والجن إذا اجتمعوا لن يفلحوا في تخليصك منه إلا وقد سواك علي الجنبين وعلمك كيف تراجع الكبار بل أن تنتقدهم!
علي أن أفضال زكي مبارك علي الثقافة العربية المعاصرة لا ينكرها إلا موتور أو جاهل. هي منجزات علمية لم تكن تتحقق علي هذا النحو من الدقة والأمانة العلمية إلا علي يدي رجل كزكي مبارك علي وجه التحديد، ينذر لها عمره وصحته، ويضحي بكل ما كان يجب أن يتمتع به من رفاهية وأبهة اجتماعية تليق باسمه ومكانته العلمية ومركزه الأدبي ويحرم عياله من بحبوحة كان جديرًا بتحقيقها لهم. كل ذلك في سبيل أن ينجز هذه المشاريع الثقافية الضخمة المبهرة، التي تحتاج في كل مشروع منها إلي مؤسسة كبيرة تضم عددًا من الرجال الأصحاء بدنيا ونفسيا وعقليا. إن القارئ المعاصر حين يتصفح سفرًا من أسفاره مثل: (النثر الفني في القرن الرابع الهجري) - بجزئيه الكبيرين - يكاد لا يصدق أن فردًا واحدًا يقدر علي النهوض بعمل كهذا وحده؛ أن يقوم بحرث قرن كامل من الزمان اتسم بين القرون الهجرية بغزارة الكتابات الأدبية النثرية وتنوعها وعمقها؛ ثم يقوم بفرز وغربلة كل هذا الركام من الكتابات، وتحليلها وفحصها، وإخضاعها للدرس والتقويم، وتجليتها؛ ثم بعثها إلي الوجود من جديد بعد طول هجران وغفلة، مبرزاً ما تحتويه من قيم فنية وأدبية وأخلاقية إيجابية أصيلة لا يمكن تعويضها.
كذلك الأمر بالنسبة لكتابه الكبير عن الأخلاق في الأدب والتصوف، وهو أيضًا من جزءين ضخمين، ثم كتابه الكبير: (الأخلاق عند الإمام الغزالي). وكتابه عن عبقرية الشريف الرضي، الذي يعتبر وحده كتابًا فذًا فريدًا غير مسبوق ولا متبوع، فعلي حد علمي يعتبر هذا الكتاب هو الوحيد الذي يقدم شاعرًا خطيرًا بشكل متكامل من الألف إلي الياء، بحيث يقف من يقرأه علي عبقرية الشريف الرضي ويفهم أبعاد شعره وما يتضمنه من جواهر إبداعية. نعم! لست أظن أن كتابًا نقديا بلغ ما بلغه هذا الكتاب من إحاطة ودقة ونفاذ وعمق في اكتشاف البيئة الفنية وامتداد جذور الشاعر في أرضها، واستكشاف العلاقة الجدلية الخصيبة بين الشاعر ومجتمعه وعصره وتراثه، لعله من المثير للدهشة والمرارة أن معظم هذه الكتب العظيمة لم تنشر في مصر إلا في طبعات محدودة، في حين تتخاطفها دور النشر العربية وتحقق من ورائها ثروات طائلة.
سيظل زكي مبارك يمثل في نظري قيمة عربية عظيمة، إلي جانب كونه قيمة إنسانية أكثر عظمة. إنه نموذج للأزهري الذي شمخ بأنفه عن جدارة، وواجه الحياة الغربية الأوروبية ونهل من ثقافتها الخلابة، بقلب سليم وروح قوية وجبهة عالية. لقد علم نفسه اللغة الفرنسية باجتهاده الخاص. وكان قد حصل من الأزهر الشريف علي شهادة »الأهلية«؛ ثم التحق بالجامعة المصرية التي لم تكن بعد قد صارت حكومية في سنة خمس عشرة بعد التسعمائة والألف. فما أن تخرج فيها حتي شد الرحال إلي باريس كسلفه القريب طه حسين، وسلفهما رفاعة رافع الطهطاوي.
وحين سافر زكي مبارك إلي باريس كانت تلك الحكاية حاضرة في وعيه، سيما وقد شاهد نماذج كثيرة من المبعوثين الذين عادوا بسحن مختلفة وألسنة ملكونة وزوج بيضاء وفرنجة كاملة عزلتهم عن أصولهم وأنكرتهم أصولهم. فكان زكي مبارك محصنًا ضد الدهشة، ضد الصدمة الحضارية المبدئية التي واجهت من سبقوه فصدَّعت بنيانهم الشخصي والنفسي والعقائدي فتحولوا إلي كائنات »بزرميط«. وذلك طبعًا باستثناء نماذج فذة كطه حسين وتوفيق الحكيم وأمثالهما ممن تمكنت منهم أصولهم قبل السفر فهيهات أن تتزعزع وإن اهتزت قليلاً إلا أنها هزات إيجابية جعلتهم ينتبهون إلي المفارقات الجوهرية بين أصولهم وما طرأ عليهم من ثقافات مختلفة ومن ثم أعطتهم مصابيح علمية استناروا بها فأناروا لشعوبهم بعد عودتهم.
غير أن زكي مبارك وهو يدلف داخل جامعة السوربون بخطي واثقة كان ثمة حقيقية تاريخية ماثلة في يقينه فلم يكن لينسي مطلقًا أن جامعة السوربون هذه قد أنشئت في الأصل تقليدًا ومحاكاة للجامع الأزهر والتدريس علي غراره. كذلك لم يكن لينسي أن ثقافته العربية الإسلامية هي التي لقحت العقل الأوروبي ببذور العلم والثقافة ورمت علي شواطئه طمي الخصوبة الإنسانية.
والواقع أن بذور المقاومة كانت قد نمت في قلبه منذ وقت مبكر، منذ أن غادر قريته (سنتريس) بمحافظة المنوفية قادمًا إلي القاهرة ليلتحق بالأزهر، حينذاك فوجئ بأن القاهرة قد بدأت تخلع برقع الحياء وتتخلي عن الكثير والكثير من أخلاقيات المصريين وتقاليدهم الأصيلة في ثوبها العربي القشيب. كانت الكذبة المروعة - أو هكذا يراها - التي أطلقها الخديو إسماعيل معبرًا بها عن اعتزامه جعل مصر قطعة من أوروبا قد ظهرت ثمارها في شكل البيوت وكرنفال الملابس وتناقضات السلوك وكثير من الظواهر المرضية المقلقة. وكانت الظاهرة الكبري المتضخمة تتمثل فيما يشبه الطبقة الجديدة التي راحت تسلك وتفكر وتعيش بطريقة أوروبية صرفة، وتلوي اللسان عنوة لتطوعه للنطق باللكنة الفرنجية، وتسري الطراوة في اللهجات والطباع بشكل أثار تقززه كفلاح صلب خشن. ولم يكن يشعر بهذه الغضاضة سوي نفر قليل جدًا من أبناء الفلاحين الأفحاح. وكان المقلق أن أبناء الشعب الأمي في القاهرة والعواصم الإقليمية قد جبلوا علي تقليد أبناء الطبقات العليا المجبولين بدورهم علي محاكاة المستعمر والتشبه به في كل شيء. وثمة فئة قليلة من نوابغ أبناء الطبقة المتوسطة الزراعية الحريصين علي طلب العلم ولو في الصين كما أوصي النبي عليه الصلاة والسلام، والمزودين في نفس الوقت بثقافة قومية قوية، كانوا يتميزون غيظًا وغضبًا إذ يرون القاهرة وبقية العواصم قد أصبحت تموج بكل التناقضات السيئة، وتضطرم بأجناس عديدة، وجاليات لا حصر لها تنشر في المجتمع أمراضًا سلوكية وصورًا من الانحلال يندي لها جبين الوطنيين، فيزداد الشعور بالمحنة عمقًا في نفوسهم. بعضهم كان يصاب بالقهر والعجز عن المقاومة وعن المسايرة في نفس الآن. والبعض الآخر وهو الأقوي والأكثر كان يتمسك بجذوره القومية في صلابة وإصرار إلي حد التعصب الأعمي أحيانًا بحيث يرفض كل ما هو أجنبي بشكل مطلق.
ولم يكن زكي مبارك من هؤلاء ولا من أولئك وإن أخذ من كل منهما بعض العيوب وبعض المزايا.
»يتبع«


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.