ارتفاع جديد، تعرف على أسعار الذهب اليوم الثلاثاء بالأسواق المحلية    عاجل- الرئيس عبد الفتاح السيسي يؤكد دعم الدولة لتوسعات شركة أباتشي في مصر وتعزيز الاستثمار بقطاع الطاقة    محافظ أسوان: التصالح فى مخالفات البناء أولوية قصوى    التنظيم والإدارة يوقع بروتوكول تعاون مع الوطني للتدريب والتعليم    الخارجية الفلسطينية: النظام القضائي والتشريعي الإسرائيلي أذرع يستخدمها الاحتلال لشرعنة جرائمه    إيطاليا تصفع ترامب وتمنع الجيش الأمريكي من استخدام أكبر قاعدة له في أوروبا لأجل إيران    تعرف على التشكيل المتوقع للفراعنة أمام إسبانيا    عدي الدباغ بديلًا لشيكو بانزا في تشكيل الزمالك أمام المصري بالدوري    عدد أيام الدراسة ومواعيد الإجازة، تفاصيل العام الدراسي المقبل    إصابة 4 أشخاص في مشاجرة بين عائلتين بالفيوم    ضبط عناصر بؤر إجرامية لتجارة المخدرات والأسلحة بالمحافظات بحوزتهم مواد تقدر ب81 مليون جنيه    في ذكرى مرور 62 عاما على إذاعة القرآن الكريم.. الوطنية للإعلام تكرم عائلات كبار القراء    نسمة يوسف إدريس: بطلة رواية «غواية» نسخة أكثر جرأة من شخصيتي    رد مفاجئ من عمرو محمود ياسين على شائعات ارتباطه بفنانة شهيرة    إسرائيل تخطط لتدمير "جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود اللبنانية"    «القومي للأمومة» يناقش الاستراتيجية الوطنية لتنمية الطفولة المبكرة    وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الإسكندرية يتفقدان مركز الناصرية لمعالجة المخلفات الخطرة وأعمال زراعة الجزيرة الوسطى    إنفانتينو: لا تراجع.. إيران ستلعب كأس العالم القادم    إجراءات تأديبية من نابولي ضد لوكاكو بعد الغياب عن التدريبات    كرة القدم النسائية.. الأهلي يواجه وادي دجلة في نصف نهائي كأس مصر    نجوم سينما يوسف شاهين في افتتاح معرض لأعماله بمهرجان الأقصر الأفريقي    خلال 24 ساعة.. تحرير 1002 مخالفة للمنشآت المخالفة لقرارات مجلس الوزراء    رسائل السيسي ل بوتين: يبرز ضرورة خفض التصعيد الراهن بمنطقة الشرق الأوسط.. ويؤكد دعم مصر الكامل لأمن الدول العربية ورفضها التام للمساس باستقرارها وسيادتها تحت أي ذريعة    التأمين الصحي الشامل: 7.4 مليار جنيه إجمالي التكلفة المالية للخدمات الطبية المقدمة ببورسعيد    إخماد حريق في منطقة شارع أغورمي بسيوة دون خسائر فى الأرواح    إصابة 10 تلاميذ في تصادم ميكروباص أجرة وسيارة مرافق بطريق المنيا الزراعي    بدءًا من الخميس.. 3 ليالٍ لأوبرا الحفل التنكرى على المسرح الكبير    أتوبيس الفن الجميل يصطحب الأطفال في جولة تثقيفية داخل قصر البارون    خلال ساعات.. كيف تحسم ال6 مقاعد المتبقية في كأس العالم 2026    السيسي ل«بوتين»: مستعدون لدعم تسوية الأزمة الروسية الأوكرانية سياسيًا    وزير الصحة يترأس اجتماعا لمراجعة الحساب الختامي لموازنة 2024-2025    متحدث "الأوقاف": التوعية بتأثير الألعاب الإلكترونية على سلوك الطفل أولولية ب"صحح مفاهيمك"    غرفة القاهرة: استهداف مصانع الحديد والصلب في إيران لم يأتِ عشوائيا    مياه سوهاج: مياه الشرب المنتجة مطابقة للمواصفات القياسية وجودتها خط أحمر    "الوطنية للإعلام" تنعى الكاتبة والباحثة الكبيرة هالة مصطفي: نموذج للجدية والانضباط    صافرات الإنذار تدوي في مناطق بوسط إسرائيل بعد رصد هجوم صاروخي باليستي جديد من إيران    خلال اتصال هاتفي مع بوتين.. السيسي يشدد على ضرورة خفض التصعيد بالشرق الأوسط    قرار عاجل من وزير العدل لضبط الأسعار في الأسواق    إنقاذ خمسيني من انسداد مراري خطير.. نجاح عملية دقيقة بمنظار القنوات المرارية في قنا    نص أقوال عامل متهم بالتحرش بطفلة داخل مصعد في الهرم    الجيش الإسرائيلي: جاهزون لمواصلة ضرب إيران لأسابيع    مواعيد مباريات الثلاثاء 31 مارس - مصر ضد إسبانيا.. ونهائيات ملحق كأس العالم    وفاة الدكتورة هالة مصطفى أستاذ العلوم السياسية    طالب يعتدي على عامل بسلاح أبيض داخل مدرسة وتحرك رسمي من تعليم الشرقية    الصحة تحذر: الإنفلونزا تتغير سنويًا والتطعيم هو الحل    قانون جديد يهدف لخفض أسعار الوقود في بولندا يدخل حيز التنفيذ اليوم    اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تُعزّز الوعي المجتمعي والمهني بقانون المسؤولية الطبية من داخل كلية طب الأزهر    وكيل تعليم الدقهلية يتفقد انتظام اليوم الدراسي بمدارس دكرنس    نقابة المهن التمثيلية تتمنى الشفاء العاجل للإعلامي عمرو الليثي    "الصرف الصحي بالإسكندرية": رفع درجة الاستعداد للتعامل مع موجة الأمطار المتوقعة    المقاومة الإسلامية في العراق تنفذ 19 عملية بالطيران المسير    «صرخة من تحت الماء».. مرافعة تهز وجدان «جنايات شبرا الخيمة» في قضية أب متهم بقتل ابنته    محافظ الجيزة يكرّم «فرسان الإرادة» بأوسيم بعد التتويج بكأس السوبر للدوري العام    بالتزامن مع العيد القومي.. مطرانية المنيا تنظم الملتقى العلمي السادس بعنوان "المنيا.. أجيال من الصمود"    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    الأزهر يواصل حملة «وعي».. الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنة    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حمى الله أقباط مصر من نصائح البطريرك الراعي
نشر في الوفد يوم 19 - 03 - 2012

«وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» (المائدة - 82).
الأشهر القليلة الماضية كانت صعبة على أهلنا الأقباط في مصر. فالتيار الإسلامي، بوجهيه الإخواني والسلفي، حصل على تفويض شعبي كاسح في أول انتخابات عامة بعد «ثورة يناير (كانون الثاني)» 2011. وها هم يفقدون بالوفاة البابا شنودة الثالث الذي يعد بكل المقاييس أحد أبرز من تولى بطريركية الكرازة المرقسية التي تمثل أكبر طائفة مسيحية في العالم العربي. ومع أن الموت حق، فإن من المفارقات المؤلمة - على أكثر من صعيد - أن يتوفى البابا شنودة خلال ساعات قليلة من بدء رأس كنيسة مشرقية أخرى هو البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، بطريرك الموارنة، أول زيارة له بهذه الصفة إلى مصر.
موقع الموارنة في لبنان بالذات، وبلاد الشام إلى حد ما، فرض دائما على البطريرك الماروني لعب دور سياسي نشط. ومكانة الأقباط في مصر أيضا تجعل من بابا الإسكندرية مرجعية لها وزنها السياسي وأهميتها الوطنية في الحياة السياسية للمصريين. بل، في حين اعتبر الموارنة أنفسهم «ضمير لبنان» و«علة وجوده» و«مبرر بقائه»، فإن خير تعبير عن العلاقة العضوية بين الأقباط ومصر قول البابا شنودة «مصر تعيش فينا أكثر مما نعيش فيها».
ولكن هاتين الجماعتين المسيحيتين اللتين جبلتا عبر القرون في تراب بلاد الشام وأرض الكنانة، نجحتا في البقاء قوتين نابضتين بالحياة والقدرة على التجدد عبر نحو 1400 سنة من الحضور الإسلامي، ليس بلجوئهما إلى التقوقع والانعزال والهروب إلى الخوف، بل بفضل اختيارهما الريادة والتفاعل الإيجابي... وهو ما ظهر عند منعطفات عديدة في تاريخ الشرق الأوسط.
لقد كان للموارنة، والمسيحيين المشرقيين عموما، الريادة في حماية اللغة العربية وإثرائها إبان فترات الحكم العثماني الممتد لأربعة قرون (بين 1516 م و1918 م) وهذه حقيقة لا يجوز إغفالها والتقليل من شأنها، تماما كما لا يصح التقليل من شأن إسهام عدد كبير من مفكريهم وساستهم في الحركات والتيارات الوطنية العاملة على التفاعل الإيجابي مع البيئة الإسلامية الكبيرة الحاضنة، مع إغناء التنوع والتسامح في رحابها. والشيء نفسه ينطبق على الأقباط، الذين رفضوا الهيمنة الدينية الخارجية على كنيستهم منذ ما قبل الفتح الإسلامي، وكان لهم في النضال الوطني الاستقلالي الوطني ضد الاستعمار الغربي، إسهام عظيم تجسد في الحركة الوفدية عبر شخصيات من وزن مكرم عبيد وويصا واصف وواصف غالي وسينوت حنا وغيرهم. وكان أحد أهم المواقف التي تنم عن عمق وعي القيادات القبطية العاقلة معارضة البابا شنودة زيارة الرئيس المصري السابق الراحل أنور السادات للقدس المحتلة وتحفظه عن التطبيع مع إسرائيل.
هذه المقدمة لا بد منها، لتسليط الضوء على التحدي الكبير الذي يواجهه مسيحيو الشرق العربي هذه الأيام في ظل «الصحوة الإسلامية» التي نشهد راهنا بعد إطلالة «الربيع العربي».
أصلا، ما كان على مسيحيي المنطقة الوقوف مرتبكين أو متوجسين خيفة عندما كانوا يعيشون في مجتمع لا تقوم خياراته السياسية الأساسية على الهوية الدينية وشرعية هذه الهوية. فالنضال من أجل الاستقلال والتحرر من «الهيمنة الخارجية» - بمختلف أشكالها - كان عابرا للطوائف الدينية، والتنظيمات السياسية الوطنية التي قامت في المنطقة من العراق شرقا إلى مصر غربا تجاوزت الاصطفاف الديني أو المذهبي من أجل النضال المشترك ضد خصم مشترك.
وفي فترة من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي مع تبلور المفاهيم القومية انخرط كثرة من المسلمين في الحركات المنادية بالاستقلال عن الدولة العثمانية الإسلامية بعدما غلب عليها «التتريك»، ومثلهم انخرط كثرة من المسيحيين في التيارات المناوئة للنفوذين البريطاني والفرنسي المسيحيين، وتعزز هذا التوجه وتبلور تماما في الثلث الأول من القرن العشرين. ومن ثم، بعد تطور شكل الصراع السياسي الدولي بين اليمين الرأسمالي واليسار الاشتراكي، تراجع أكثر اضطرار المسلمين والمسيحيين للتمسك بما يفرقهم دينيا، فكانت الأحزاب اليمينية واليسارية - وطبعا القومية - في المشرق العربي تضم في صفوفها المسلمين والمسيحيين بشتى مذاهبهم وطوائفهم.
في مصر وبلاد الشام، يجوز لنا رصد بداية الفرز مع سقوط البديلين «القومي» و«الآيديولوجي اليميني – اليساري» على الحلبة السياسية بعد نكسة 5 يونيو (حزيران) 1967، ومن ثم، توقيع مصر اتفاقات كامب ديفيد، ووصولا إلى انهيار الكتلة الاشتراكية وسقوط الاتحاد السوفياتي.
سقوط البديلين «القومي» و«الآيديولوجي» شكل بداية السير باتجاه إيجاد «شرعية سياسية» جديدة بديلة للسلطة، وحقا أدت هذه البدائل لاحقا إلى تعميق الشرخ الديني والمذهبي.
كانت البدايات في مصر مع دفاع الرئيس السادات عن خياراته التطبيعية مع إسرائيل، ورفعه شعارات «الكيانية المصرية» ضد «العبء العربي»، واستغلاله رموز «الإسلام السياسي» على شاكلة ترويج لقب «الرئيس المؤمن» واستخدامه اسم التبريك قبل اسمه. ثم دخوله مواجهة مفتوحة مع القيادة القبطية بعد معارضتها كامب ديفيد وزيارته لإسرائيل، والتعامل بطريقة سلبية مع الاحتكاكات ذات الطابع الديني ومنها «حادثة الزاوية الحمراء» عام 1981.
وفي سوريا والعراق تحول حزب البعث العربي الاشتراكي المسيطر على البلدين، بعدما كان عند تأسيسه حزبا قوميا وعلمانيا ذا شعارات اشتراكية، إلى طغمتين عائليتين طائفيتين فاسدتين نهبتا البلدين وأبقتاهما لعقود في حال من العداء الوجودي. وفي لبنان تضافر مناخ ما بعد نكسة حزيران 1967 وتنامي الوجود المسلح للمقاومة الفلسطينية على أرضه بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 1970 إلى تفاقم الفرز السياسي بين المسلمين والمسيحيين، قبل أن يتحول بعد 1990 في ظل الهيمنة السورية إلى توتر خطير بين السنة والشيعة.
أما في فلسطين، فكان بديهيا ارتفاع أسهم الصوت الإسلامي الجهادي في وجه مشروع توراتي فاشي يشكله اليمين الإسرائيلي في ظل يأس الفلسطينيين من متاجرة الأنظمة العربية بقضيتهم، وانهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان رافدا آيديولوجيا ولوجستيا لها.
اليوم، بعد انطلاق «الربيع العربي» من تونس، وإعطاء تونس الخيار الإسلامي تفويضا سياسيا محدودا ومشروطا.. جاء الخيار في مصر قويا وضاغطا إلى حد قد يشكل خطرا على الإسلاميين بالقدر نفسه الذي من الواضح أنه يشكله على باقي مكونات المجتمع، ومنهم الأقباط. ويشاء القدر أن يغيب البابا شنودة إبان زيارة البطريرك الراعي لمصر.
هنا في هذه اللحظات أتمنى، كما يتمنى كل من يريد الخير لمصر بأقباطها ومسلميها، أن تكرم مصر ضيفها الجليل بكل شيء... إلا الإصغاء إلى فكره السياسي.
فالبطريرك الراعي، كما تدل أقواله ومواقفه، مقتنع تماما بنظرية «تحالف الأقليات» ضد «الإسلام السياسي»، وبالتالي، بمهادنة الأنظمة التسلطية... متجاهلا حقيقة أن هذه الأنظمة، مثل «المافيات»، في صميم تكتيكها تخويف الناس ومن ثم استغلال خوفهم.
إنها نظرية انتحارية في بلد متنوع مثل لبنان، فهل لنا أن نتصور ترجمة أبعادها العدائية في بلد مثل مصر يشكل المسلمون السنة نحو 90 في المائة من سكانه؟
حمى الله أقباط مصر من نصائح البطريرك الراعي
«وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» (المائدة - 82)
الأشهر القليلة الماضية كانت صعبة على أهلنا الأقباط في مصر. فالتيار الإسلامي، بوجهيه الإخواني والسلفي، حصل على تفويض شعبي كاسح في أول انتخابات عامة بعد «ثورة يناير (كانون الثاني)» 2011. وها هم يفقدون بالوفاة البابا شنودة الثالث الذي يعد بكل المقاييس أحد أبرز من تولى بطريركية الكرازة المرقسية التي تمثل أكبر طائفة مسيحية في العالم العربي. ومع أن الموت حق، فإن من المفارقات المؤلمة - على أكثر من صعيد - أن يتوفى البابا شنودة خلال ساعات قليلة من بدء رأس كنيسة مشرقية أخرى هو البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، بطريرك الموارنة، أول زيارة له بهذه الصفة إلى مصر.
موقع الموارنة في لبنان بالذات، وبلاد الشام إلى حد ما، فرض دائما على البطريرك الماروني لعب دور سياسي نشط. ومكانة الأقباط في مصر أيضا تجعل من بابا الإسكندرية مرجعية لها وزنها السياسي وأهميتها الوطنية في الحياة السياسية للمصريين. بل، في حين اعتبر الموارنة أنفسهم «ضمير لبنان» و«علة وجوده» و«مبرر بقائه»، فإن خير تعبير عن العلاقة العضوية بين الأقباط ومصر قول البابا شنودة «مصر تعيش فينا أكثر مما نعيش فيها».
ولكن هاتين الجماعتين المسيحيتين اللتين جبلتا عبر القرون في تراب بلاد الشام وأرض الكنانة، نجحتا في البقاء قوتين نابضتين بالحياة والقدرة على التجدد عبر نحو 1400 سنة من الحضور الإسلامي، ليس بلجوئهما إلى التقوقع والانعزال والهروب إلى الخوف، بل بفضل اختيارهما الريادة والتفاعل الإيجابي... وهو ما ظهر عند منعطفات عديدة في تاريخ الشرق الأوسط.
لقد كان للموارنة، والمسيحيين المشرقيين عموما، الريادة في حماية اللغة العربية وإثرائها إبان فترات الحكم العثماني الممتد لأربعة قرون (بين 1516 م و1918 م) وهذه حقيقة لا يجوز إغفالها والتقليل من شأنها، تماما كما لا يصح التقليل من شأن إسهام عدد كبير من مفكريهم وساستهم في الحركات والتيارات الوطنية العاملة على التفاعل الإيجابي مع البيئة الإسلامية الكبيرة الحاضنة، مع إغناء التنوع والتسامح في رحابها. والشيء نفسه ينطبق على الأقباط، الذين رفضوا الهيمنة الدينية الخارجية على كنيستهم منذ ما قبل الفتح الإسلامي، وكان لهم في النضال الوطني الاستقلالي الوطني ضد الاستعمار الغربي، إسهام عظيم تجسد في الحركة الوفدية عبر شخصيات من وزن مكرم عبيد وويصا واصف وواصف غالي وسينوت حنا وغيرهم. وكان أحد أهم المواقف التي تنم عن عمق وعي القيادات القبطية العاقلة معارضة البابا شنودة زيارة الرئيس المصري السابق الراحل أنور السادات للقدس المحتلة وتحفظه عن التطبيع مع إسرائيل.
هذه المقدمة لا بد منها، لتسليط الضوء على التحدي الكبير الذي يواجهه مسيحيو الشرق العربي هذه الأيام في ظل «الصحوة الإسلامية» التي نشهد راهنا بعد إطلالة «الربيع العربي».
أصلا، ما كان على مسيحيي المنطقة الوقوف مرتبكين أو متوجسين خيفة عندما كانوا يعيشون في مجتمع لا تقوم خياراته السياسية الأساسية على الهوية الدينية وشرعية هذه الهوية. فالنضال من أجل الاستقلال والتحرر من «الهيمنة الخارجية» - بمختلف أشكالها - كان عابرا للطوائف الدينية، والتنظيمات السياسية الوطنية التي قامت في المنطقة من العراق شرقا إلى مصر غربا تجاوزت الاصطفاف الديني أو المذهبي من أجل النضال المشترك ضد خصم مشترك.
وفي فترة من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي مع تبلور المفاهيم القومية انخرط كثرة من المسلمين في الحركات المنادية بالاستقلال عن الدولة العثمانية الإسلامية بعدما غلب عليها «التتريك»، ومثلهم انخرط كثرة من المسيحيين في التيارات المناوئة للنفوذين البريطاني والفرنسي المسيحيين، وتعزز هذا التوجه وتبلور تماما في الثلث الأول من القرن العشرين. ومن ثم، بعد تطور شكل الصراع السياسي الدولي بين اليمين الرأسمالي واليسار الاشتراكي، تراجع أكثر اضطرار المسلمين والمسيحيين للتمسك بما يفرقهم دينيا، فكانت الأحزاب اليمينية واليسارية - وطبعا القومية - في المشرق العربي تضم في صفوفها المسلمين والمسيحيين بشتى مذاهبهم وطوائفهم.
في مصر وبلاد الشام، يجوز لنا رصد بداية الفرز مع سقوط البديلين «القومي» و«الآيديولوجي اليميني – اليساري» على الحلبة السياسية بعد نكسة 5 يونيو (حزيران) 1967، ومن ثم، توقيع مصر اتفاقات كامب ديفيد، ووصولا إلى انهيار الكتلة الاشتراكية وسقوط الاتحاد السوفياتي.
سقوط البديلين «القومي» و«الآيديولوجي» شكل بداية السير باتجاه إيجاد «شرعية سياسية» جديدة بديلة للسلطة، وحقا أدت هذه البدائل لاحقا إلى تعميق الشرخ الديني والمذهبي.
كانت البدايات في مصر مع دفاع الرئيس السادات عن خياراته التطبيعية مع إسرائيل، ورفعه شعارات «الكيانية المصرية» ضد «العبء العربي»، واستغلاله رموز «الإسلام السياسي» على شاكلة ترويج لقب «الرئيس المؤمن» واستخدامه اسم التبريك قبل اسمه. ثم دخوله مواجهة مفتوحة مع القيادة القبطية بعد معارضتها كامب ديفيد وزيارته لإسرائيل، والتعامل بطريقة سلبية مع الاحتكاكات ذات الطابع الديني ومنها «حادثة الزاوية الحمراء» عام 1981.
وفي سوريا والعراق تحول حزب البعث العربي الاشتراكي المسيطر على البلدين، بعدما كان عند تأسيسه حزبا قوميا وعلمانيا ذا شعارات اشتراكية، إلى طغمتين عائليتين طائفيتين فاسدتين نهبتا البلدين وأبقتاهما لعقود في حال من العداء الوجودي. وفي لبنان تضافر مناخ ما بعد نكسة حزيران 1967 وتنامي الوجود المسلح للمقاومة الفلسطينية على أرضه بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 1970 إلى تفاقم الفرز السياسي بين المسلمين والمسيحيين، قبل أن يتحول بعد 1990 في ظل الهيمنة السورية إلى توتر خطير بين السنة والشيعة.
أما في فلسطين، فكان بديهيا ارتفاع أسهم الصوت الإسلامي الجهادي في وجه مشروع توراتي فاشي يشكله اليمين الإسرائيلي في ظل يأس الفلسطينيين من متاجرة الأنظمة العربية بقضيتهم، وانهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان رافدا آيديولوجيا ولوجستيا لها.
اليوم، بعد انطلاق «الربيع العربي» من تونس، وإعطاء تونس الخيار الإسلامي تفويضا سياسيا محدودا ومشروطا.. جاء الخيار في مصر قويا وضاغطا إلى حد قد يشكل خطرا على الإسلاميين بالقدر نفسه الذي من الواضح أنه يشكله على باقي مكونات المجتمع، ومنهم الأقباط. ويشاء القدر أن يغيب البابا شنودة إبان زيارة البطريرك الراعي لمصر.
هنا في هذه اللحظات أتمنى، كما يتمنى كل من يريد الخير لمصر بأقباطها ومسلميها، أن تكرم مصر ضيفها الجليل بكل شيء... إلا الإصغاء إلى فكره السياسي.
فالبطريرك الراعي، كما تدل أقواله ومواقفه، مقتنع تماما بنظرية «تحالف الأقليات» ضد «الإسلام السياسي»، وبالتالي، بمهادنة الأنظمة التسلطية... متجاهلا حقيقة أن هذه الأنظمة، مثل «المافيات»، في صميم تكتيكها تخويف الناس ومن ثم استغلال خوفهم.
إنها نظرية انتحارية في بلد متنوع مثل لبنان، فهل لنا أن نتصور ترجمة أبعادها العدائية في بلد مثل مصر يشكل المسلمون السنة نحو 90 في المائة من سكانه؟
حمى الله أقباط مصر من نصائح البطريرك الراعي
«وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» (المائدة - 82)
الأشهر القليلة الماضية كانت صعبة على أهلنا الأقباط في مصر. فالتيار الإسلامي، بوجهيه الإخواني والسلفي، حصل على تفويض شعبي كاسح في أول انتخابات عامة بعد «ثورة يناير (كانون الثاني)» 2011. وها هم يفقدون بالوفاة البابا شنودة الثالث الذي يعد بكل المقاييس أحد أبرز من تولى بطريركية الكرازة المرقسية التي تمثل أكبر طائفة مسيحية في العالم العربي. ومع أن الموت حق، فإن من المفارقات المؤلمة - على أكثر من صعيد - أن يتوفى البابا شنودة خلال ساعات قليلة من بدء رأس كنيسة مشرقية أخرى هو البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، بطريرك الموارنة، أول زيارة له بهذه الصفة إلى مصر.
موقع الموارنة في لبنان بالذات، وبلاد الشام إلى حد ما، فرض دائما على البطريرك الماروني لعب دور سياسي نشط. ومكانة الأقباط في مصر أيضا تجعل من بابا الإسكندرية مرجعية لها وزنها السياسي وأهميتها الوطنية في الحياة السياسية للمصريين. بل، في حين اعتبر الموارنة أنفسهم «ضمير لبنان» و«علة وجوده» و«مبرر بقائه»، فإن خير تعبير عن العلاقة العضوية بين الأقباط ومصر قول البابا شنودة «مصر تعيش فينا أكثر مما نعيش فيها».
ولكن هاتين الجماعتين المسيحيتين اللتين جبلتا عبر القرون في تراب بلاد الشام وأرض الكنانة، نجحتا في البقاء قوتين نابضتين بالحياة والقدرة على التجدد عبر نحو 1400 سنة من الحضور الإسلامي، ليس بلجوئهما إلى التقوقع والانعزال والهروب إلى الخوف، بل بفضل اختيارهما الريادة والتفاعل الإيجابي... وهو ما ظهر عند منعطفات عديدة في تاريخ الشرق الأوسط.
لقد كان للموارنة، والمسيحيين المشرقيين عموما، الريادة في حماية اللغة العربية وإثرائها إبان فترات الحكم العثماني الممتد لأربعة قرون (بين 1516 م و1918 م) وهذه حقيقة لا يجوز إغفالها والتقليل من شأنها، تماما كما لا يصح التقليل من شأن إسهام عدد كبير من مفكريهم وساستهم في الحركات والتيارات الوطنية العاملة على التفاعل الإيجابي مع البيئة الإسلامية الكبيرة الحاضنة، مع إغناء التنوع والتسامح في رحابها. والشيء نفسه ينطبق على الأقباط، الذين رفضوا الهيمنة الدينية الخارجية على كنيستهم منذ ما قبل الفتح الإسلامي، وكان لهم في النضال الوطني الاستقلالي الوطني ضد الاستعمار الغربي، إسهام عظيم تجسد في الحركة الوفدية عبر شخصيات من وزن مكرم عبيد وويصا واصف وواصف غالي وسينوت حنا وغيرهم. وكان أحد أهم المواقف التي تنم عن عمق وعي القيادات القبطية العاقلة معارضة البابا شنودة زيارة الرئيس المصري السابق الراحل أنور السادات للقدس المحتلة وتحفظه عن التطبيع مع إسرائيل.
هذه المقدمة لا بد منها، لتسليط الضوء على التحدي الكبير الذي يواجهه مسيحيو الشرق العربي هذه الأيام في ظل «الصحوة الإسلامية» التي نشهد راهنا بعد إطلالة «الربيع العربي».
أصلا، ما كان على مسيحيي المنطقة الوقوف مرتبكين أو متوجسين خيفة عندما كانوا يعيشون في مجتمع لا تقوم خياراته السياسية الأساسية على الهوية الدينية وشرعية هذه الهوية. فالنضال من أجل الاستقلال والتحرر من «الهيمنة الخارجية» - بمختلف أشكالها - كان عابرا للطوائف الدينية، والتنظيمات السياسية الوطنية التي قامت في المنطقة من العراق شرقا إلى مصر غربا تجاوزت الاصطفاف الديني أو المذهبي من أجل النضال المشترك ضد خصم مشترك.
وفي فترة من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي مع تبلور المفاهيم القومية انخرط كثرة من المسلمين في الحركات المنادية بالاستقلال عن الدولة العثمانية الإسلامية بعدما غلب عليها «التتريك»، ومثلهم انخرط كثرة من المسيحيين في التيارات المناوئة للنفوذين البريطاني والفرنسي المسيحيين، وتعزز هذا التوجه وتبلور تماما في الثلث الأول من القرن العشرين. ومن ثم، بعد تطور شكل الصراع السياسي الدولي بين اليمين الرأسمالي واليسار الاشتراكي، تراجع أكثر اضطرار المسلمين والمسيحيين للتمسك بما يفرقهم دينيا، فكانت الأحزاب اليمينية واليسارية - وطبعا القومية - في المشرق العربي تضم في صفوفها المسلمين والمسيحيين بشتى مذاهبهم وطوائفهم.
في مصر وبلاد الشام، يجوز لنا رصد بداية الفرز مع سقوط البديلين «القومي» و«الآيديولوجي اليميني – اليساري» على الحلبة السياسية بعد نكسة 5 يونيو (حزيران) 1967، ومن ثم، توقيع مصر اتفاقات كامب ديفيد، ووصولا إلى انهيار الكتلة الاشتراكية وسقوط الاتحاد السوفياتي.
سقوط البديلين «القومي» و«الآيديولوجي» شكل بداية السير باتجاه إيجاد «شرعية سياسية» جديدة بديلة للسلطة، وحقا أدت هذه البدائل لاحقا إلى تعميق الشرخ الديني والمذهبي.
كانت البدايات في مصر مع دفاع الرئيس السادات عن خياراته التطبيعية مع إسرائيل، ورفعه شعارات «الكيانية المصرية» ضد «العبء العربي»، واستغلاله رموز «الإسلام السياسي» على شاكلة ترويج لقب «الرئيس المؤمن» واستخدامه اسم التبريك قبل اسمه. ثم دخوله مواجهة مفتوحة مع القيادة القبطية بعد معارضتها كامب ديفيد وزيارته لإسرائيل، والتعامل بطريقة سلبية مع الاحتكاكات ذات الطابع الديني ومنها «حادثة الزاوية الحمراء» عام 1981.
وفي سوريا والعراق تحول حزب البعث العربي الاشتراكي المسيطر على البلدين، بعدما كان عند تأسيسه حزبا قوميا وعلمانيا ذا شعارات اشتراكية، إلى طغمتين عائليتين طائفيتين فاسدتين نهبتا البلدين وأبقتاهما لعقود في حال من العداء الوجودي. وفي لبنان تضافر مناخ ما بعد نكسة حزيران 1967 وتنامي الوجود المسلح للمقاومة الفلسطينية على أرضه بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 1970 إلى تفاقم الفرز السياسي بين المسلمين والمسيحيين، قبل أن يتحول بعد 1990 في ظل الهيمنة السورية إلى توتر خطير بين السنة والشيعة.
أما في فلسطين، فكان بديهيا ارتفاع أسهم الصوت الإسلامي الجهادي في وجه مشروع توراتي فاشي يشكله اليمين الإسرائيلي في ظل يأس الفلسطينيين من متاجرة الأنظمة العربية بقضيتهم، وانهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان رافدا آيديولوجيا ولوجستيا لها.
اليوم، بعد انطلاق «الربيع العربي» من تونس، وإعطاء تونس الخيار الإسلامي تفويضا سياسيا محدودا ومشروطا.. جاء الخيار في مصر قويا وضاغطا إلى حد قد يشكل خطرا على الإسلاميين بالقدر نفسه الذي من الواضح أنه يشكله على باقي مكونات المجتمع، ومنهم الأقباط. ويشاء القدر أن يغيب البابا شنودة إبان زيارة البطريرك الراعي لمصر.
هنا في هذه اللحظات أتمنى، كما يتمنى كل من يريد الخير لمصر بأقباطها ومسلميها، أن تكرم مصر ضيفها الجليل بكل شيء... إلا الإصغاء إلى فكره السياسي.
فالبطريرك الراعي، كما تدل أقواله ومواقفه، مقتنع تماما بنظرية «تحالف الأقليات» ضد «الإسلام السياسي»، وبالتالي، بمهادنة الأنظمة التسلطية... متجاهلا حقيقة أن هذه الأنظمة، مثل «المافيات»، في صميم تكتيكها تخويف الناس ومن ثم استغلال خوفهم.
إنها نظرية انتحارية في بلد متنوع مثل لبنان، فهل لنا أن نتصور ترجمة أبعادها العدائية في بلد مثل مصر يشكل المسلمون السنة نحو 90 في المائة من سكانه؟
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.