اختارت الطب الشرعي عن طريق الصدفة، فتدرجت في المناصب ولم تهمل العلم يوماً حتى أصبحت أول امرأة تشغل منصب رئيس الأكاديمية المتوسطية للعلوم الشرعية .. إنها د.دينا شكري أستاذ الطب الشرعي والسموم بكلية الطب جامعة القاهرة، والأمين العام للرابطة العربية للطب الشرعي والسموم التابعة لاتحاد الأطباء العرب. تقول عن سر نجاحها: اخترت الطب الشرعي عن طريق الصدفة، فبعد التخرج عملت نائباً للأمراض النفسية والعصبية بقصر العيني، ثم استهواني الطب الشرعي خاصة وأن تخصص السموم الإكلينيكية كان تخصصاً جديداً في مصر وشعرت أنه سيكون له تأثيراً جيداً على مستقبلي فالتحقت به، ومع بداية عملي وجدته تخصصا شيقا فبجانب أنه مساهمة في إعمال العدالة فهو قريب من الناس لأن إصاباتهم تجعلني أقرب إلى أوجاعهم . وتتابع: ثم جاء تدرجي في تقلد المناصب نظراً لاهتماماتي المتشعبة في الطب الشرعي والسموم .. ولكن السر الأهم هو دعم زوجي ومساندته فأنا أفتخر بأنني زوجة ل أ.د محمد حسني أستاذ جراحة الأوعية الدموية بكلية طب ( قصر العيني)، فرغم تخصصه الدقيق ساندني في مهامي العائلية وشجعني على التقدم العلمي، فأنا أيضاً أم لبنت ، تخرجت من كلية إدارة الأعال الجامعة الألمانية وتعمل في شركة دولية، وابن يدرس هندسة اتصالات بالجامعة نفسهاً. مهمة صعبة "غالباً ما يقال إن المرأة مخلوق ضعيف وعاطفي وهناك بعض المهن التي لا تستطيع طرقها وإن استطاعت تفشل، وهناك بعض المهن التي تزيد من خشونتها وغلظة قلبها كالطب الشرعي مثلاً" .. تعلق د. دينا شكري على هذه الأقاويل بأنها ليست إلا مجرد ثقافة خاطئة عن المرأة. وتوضح: إن مهنة الطب عامة تحتاج إلى قوة الشخصية والقدرة على امتلاك زمام الأمور واتخاذ القرار الصحيح في صالح المريض رغم شعور الطبيب بأوجاعه، ولكن الطبيب الشرعي يتعرض أكثر إلى العمل المستمر مع الحوادث والإصابات والحروق والموتى بهدف أسمى ممن العلاج ألا وهو مساعدة المريض على استرجاع حقه أو كتابة تقرير الوفاة وكشف الملابسات غير الطبيعية. وعن مدى انعكاس مهنتها على شخصيتها، تقول أستاذ ورئيس قسم الطب الشرعي بقصر العيني: إن مهنة الطب الشرعي إما تنعكس على الطبيب وتجعله أكثر غلظة أو أكثر رقة، نظراً لانغماسه في أوجاع الآخرين، وأزعم أنني من النوع الثاني . تمييز ولكن رغم التوعية المستمرة بضرورة المساواة بين الجنسيين إلا أن التمييز ضد المرأة مازال أمراً واقعاً على أرض الواقع، ولكن تنفي د. دينا شكري هذه المزاعم مؤكدة عدم تعرضها لأي أشكال التمييز المهني رغم تقدمها وتفوقها كامرأة، وتقول: لم أصادف أي تمييز ضدي على أساس النوع خلال عملي ، فقد عملت بالإمارات كأول امرأة استشاري للطب الشرعي هناك، وتقبلوني بكل تقدير لكوني امرأة ناجحة . ولكنها تعترف في الوقت نفسه بأن المرأة العربية بشكل عام والمصرية بشكل خاص تعاني من التمييز، خاصة في الطبقات "المطحونة" .. وتضيف: مرت علىّ العديد من الحالات المرأة تعرضت فيها لضرب مبرح من الزوج رغم أنها هي التي تعمل وتعول الأسرة بينما يجلس هو في المنزل ويقتطع جزءًا من راتبها من أجل مصاريف إدمانه، ورغماً عن ذلك لا تسلم من العنف المستمر . ضل راجل وتؤكد أستاذ الطب الشرعي، أن الثقافة الاجتماعية لدينا ترسخ العنف ضد المرأة، إذ غالباً ما تنشأ في منزل يرسخ لديها قناعة "ضل راجل ولا ضل حيطة" مما يجعلها تتحمل جميع الاضطهادات التي تتعرض لها داخل الأسرة وخارجها، وإلا ستكون خارجة عن المألوف في بيئة لا تنظر إلى المرأة كإنسان . مضيفة: هذه الثقافة الخاطئة القاتلة جعلتي أحلم بمركز طب شرعي متخصص في التعامل مع العنف الأسري وخاصة حالات العنف ضد المرأة والطفل، لأنني أزعم أن الاهتمام بهاتين الفئتين هما بداية إصلاح المجتمع وتنميته، خاصة وأن الدراسات العلمية أجمعت على أن من يتعرض لنوع من العنف في الصغر عندما يكبر إما يصبح شخصية غير سوية غير قادرة على خدمة المجتمع، أو يكون ممارسا للعنف ضد أفراد أسرته وهذا يوضح سبب العنف المستشري في المجتمع. وتلفت د. دينا أن مشكلة العنف الأسري أكبر بكثير من الأرقام والإحصائيات، موضحة أن الاحصائياتنا لا تنصب إلا على حالات العنف الأسري المبلغ عنها فقط والتي نتج عنها إصابات، وأن هذا لا ينطبق على مصر ودول العالم الثالث وحدها بل في أوربا والدول المتقدمة أيضاً، حيث وجدوا أن حالات العنف التي لا يتم الإبلاغ عنها رسمياً أو للمؤسسات الحقوقية أكبر بكثير من الحالات المسجلة رسميا. عقاب الأب والإبن أحيانا قليلون من يرون أن تربية الأطفال يجب أن تكون خالية من الضرب، وكثيرون يجدونه خير وسيلة للتأديب، وهذا لا يمنع أن البعض يستخدم الضرب لتعذيب أطفاله متخيلاً أنه يربيهم .. لذا فإن الدكتورة دينا شكري ،رئيس الأكادمية المتوسطية للعلوم الشرعية، تؤيد فكرة ضرورة العقاب القانوني للأب الذي يلحق الأذى والضرر بطفله . وتقول: أؤيد عقاب الأب في حال ضرب الطفل بصورة تؤثر على صحته، سواء كان عن طريق إلحاق عاهة به أو ضربه ضرباً مبرحاً، ففي أبحاثنا عن حالات وفيات الأطفال والعنف الأسري، وجدنا أن حالات قتل الأطفال لا تأتي مرة واحدة بل نجد في الجثة آثار سابقة للعنف كالحروق وطفي السجائر، كدمات، ندبات وآثار إلتئام جروح .. كل ذلك دليل على أن المعنف اعتاد على أذى الطفل حتى وصل إلى مرحلة القتل، وإذا حدث تهاون مع أب يقوم بذلك الفعل مع طفله علينا انتظار وفاة الطفل في أي لحظة. وتضيف: العقاب وحده لن يصلح حال الأب المعنف، وهنا تكمن أهمية مركز الطب الشرعي المختص بحالات العنف الأسري كما أشرت سابقاً، فهو لن يكون للتعامل مع حالات العنف فقط بل للعلاج وتأهيل جميع أفراد الأسرة والتنبؤ باحتمالات قتل الأطفال بسبب العنف. وعن أغرب الحالات التي وردت إليها خلال مشوارها مع الطب الشرعي تلفت د.دينا أن العنف المستخدم ضد كبار السن من أبشع الجرائم التي ترد إليها والذي تصفه بأنه آفة أسرية وصلت للأبناء ويمارسونها على الآباء أيضاً، وتوضح أن بحثًا قامت به وقدمته هذا العام بمؤتمر " عالم خالي من العنف.. يبدأ بمنزل خالي من العنف"، الذي أقامه قسم الطب الشرعي بقصر العيني بالتعاون مع معهد الطب القانوني بجامعة هامبرج، أثبتت فيه أن كبار السن أكثر عرضة للعنف الأسري، وضم البحث حالات عديدة يقوم الأبناء بتعذيبها حرقاً أو ضرباً طمعاً في الميراث. شاهد الفيديو: