\r\n عندها تحرك الدب الروسي ولم يسكت، ولا يمكن تصوّره صامتاً، لاسيما إزاء هذه التطورات الخطيرة والتي تهدد أمن روسيا الاستراتيجي، حينها هددت موسكو وتوعّدت، الأمر الذي لم يكن بالإمكان تجاهله حيث ازداد الموقف تعقيداً، خصوصاً أن شعوب أوروبا الشرقية قد لا يروق لها العودة إلى الحظيرة الروسية من جهة، ومن جهة أخرى تخشى الدب الروسي فيما إذا تحرك ونفض عن كاهله الكسل واللامبالاة، وحين ذاك فهي تعرف أي دور سينتظره، الأمر قد يضع حكوماتها أمام مأزق كبير. \r\n \r\n وحين جاء الحدث الجورجي مؤخراً، فقد اعتبرته موسكو تجاوزاً واستفزازاً لها، فكيف لجورجيا التي سلّمت أمرها إلى واشنطن والغرب بشكل عام، التطاول عليها والتحرش بما تعتبره يدور في فلكها، الأمر الذي حسبته روسيا خطراً عليها، لاسيما الطريق الحيوي لنقل موارد الطاقة في القوقاز، وبالأخص جورجيا. كما ان جورجيا كانت قد حاربت إلى جانب واشنطن في العراق، ذلك الموقف الذي اعتبرته موسكو وضع بيضها كله في السلة الأمريكية، خصوصاً أن موقف روسيا كان رافضاً للحرب ولا يؤيد المزاعم التي حاولت واشنطن التعكز عليها. \r\n \r\n من جهة أخرى حاولت تبليسي فرض سيطرتها على أوسيتيا باستخدام الطائرات الحربية، فاستنفرت موسكو قواتها بسرعة وردّت بقصف مواقع قرب تبليسي وإدخال دبابات وقوات عسكرية إلى الأراضي الجورجية، وقد سقط خلال اليومين الأولين أكثر من 1500 قتيل، وهو ما اعتبرته جورجيا عدواناً عليها، وطالبت الأممالمتحدة والعالم أجمع بوقفه، ولعل الحرب المحدودة بين روسيا وجورجيا هددت بحرب شاملة، وبالتأكيد فإن أية حرب مع روسيا ستكون جورجيا غير قادرة على خوضها، ولعلها إن بدأت فسوف لن يكون بإمكانها وقفها إذا شاءت، كما أن عواقبها ستكون غير محمودة الجانب عليها. \r\n \r\n أما تعويل جورجيا على واشنطن أو الغرب من حلفائها للدفاع عنها فإنه غير مضمون، خصوصاً إذا أصرّ الدب الروسي على المضي بها حتى نهايتها، ناهيكم عن ان الولاياتالمتحدة والغرب عموماً لا يمكنهما تناسي مصالحهما والدخول في حرب من أجل جورجيا. \r\n \r\n وإذا كانت روسيا تقيم علاقات ايجابية مع إقليم اوسيتيا الجنوبية فهي تسعى لضمّها الى الاتحاد الروسي، الى جانب اوسيتيا الشمالية، وبذلك فهي لا تسمح بأية تجاوزات عليهما، في الوقت الذي اتخذت جورجيا منهجاً مختلفاً بسعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وإقامة علاقات مع حلف شمالي الأطلسي. \r\n \r\n لقد عاد بوتين من الصين حين كان يحضر اجتماع الثمانية الكبار، وأعلن دفاعه عن اوسيتيا وأبخازيا رغم اعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش تأييد بلاده لمواقف جورجيا "المستقلة"، ولكن هذه الدعوة قوبلت من الروس باعتبارها طموحاً تحركه محاولات جرّ البلدان والشعوب الأخرى للدخول في مغامرات دامية حسب تعبير بوتين. \r\n \r\n إن مرور خط أنابيب باكو تبليسي جيهان بأراضي جورجيا لن يجعل واشنطن أو لندن أو باريس متحمسة لشن حرب ضد روسيا، خصوصاً أن الجيش الجورجي كلّه لا يزيد تعداده على 20 ألف (عشرون الف جندي) مقابل الآلة العسكرية الروسية المتطورة، إذ لا يمكنه الصمود، وتبليسي لا يمكنها تحمّل استمرار الحرب وليس بمقدورها وقفها ساعة ذلك، وحتى الأممالمتحدة ومجلس الأمن فهما ليسا بقادرين على فرض الأمر على روسيا، حتى إذا افترضنا عدم استخدام الفيتو. \r\n \r\n ولعل تراجع تبليسي كان واقعية سياسية لاسيما بعد القصف الروسي العنيف وإغلاق الطرق التي يمكن تسريب الأسلحة والمعدّات من خلالها، لكن الحرب الروسية الجورجية المحدودة، حرّكت من جديد الحرب الباردة ودفعتها الى الواجهة، إذ إن هواجس الدب الروسي لا بدّ أن تؤخذ بنظر الاعتبار، الامر الذي لا يمكن إغفاله أو التقليل من شأنه، وربما سيكون مؤثراً في المشهد الدولي بشكل عام. \r\n \r\n وإذا كانت الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي قد اتخذا شكلاً جديداً، لاسيما بعد تفكك المنظومة الاشتراكية وتمزّق العديد من دولها بما فيها الاتحاد السوفييتي السابق، فإن سياسة الوفاق الدولي في الثمانينات التي قادتها واشنطن بنجاح وحققت فيها انتصارات باهرة، لم تعد قائمة، خصوصاً بعد الحرب على افغانستان والعراق واحتلالهما وإعلان حرب دولية ضد الإرهاب، يمكن أن تدوم حسب واشنطن أكثر من 10 سنوات، بدأت بعد أحداث 11 أيلول الإرهابية وتستمر بوتيرة عالية حتى الآن، وقد تطال بلداناً أخرى، لاسيما دول "محور الشر" وفي المقدمة منها إيران حيث ما زال ملفها النووي مطروحاً على بساط البحث بعد الصفقة السياسية التي تم عقدها مع كوريا الشمالية. \r\n \r\n إن الحرب الباردة الأمريكية الروسية الجديدة تتحرك باتجاهين متعاكسين: الاول تشجيع واشنطن دول أوروبا الشرقية على المزيد من التباعد عن الاتحاد الروسي، والاقتراب من حلف شمالي الأطلسي والاتحاد الأوروبي، خصوصاً أنها شرعت ببناء منظومة صواريخ لتطويق روسيا، وهو الأمر الذي استفز الأخيرة ودفعها الى اطلاق تهديدات خطيرة. \r\n \r\n الاتجاه الثاني محاولة روسيا استعادة زمام المبادرة التي افتقدت اليها بعد انتهاء الحرب الباردة وخلال سياسة الوفاق الدولي، التي أودت بكيان الاتحاد السوفييتي إلى الانحلال، وكذلك سعيها الحثيث لتقليم أظافر الدول الصغيرة التي انسلخت عنها وأعادتها الى فلكها بالوعد والوعيد أو تحييدها على أقل تقدير، بحيث يسهل من خلالها إمرار سياساتها وحماية مصالحها الحيوية، كما تعمل جاهدة ألاّ تكون هذه الدول خطراً عليها أو قاعدة للانطلاق منها ضدها، وعكس ذلك فإنها تهدد باشعال حروب وخلق فتن وتشجيع نزاعات من شأنها خلق حالة من عدم الاستقرار "ثمناً" لمواقفها. \r\n \r\n وحاولت روسيا تصعيد خطواتها التحذيرية لجورجيا عبر سفن في البحر الأسود وبواسطة السكك الحديدية، لكن وساطة ألمانية فرنسية سعت إلى تبريد الأجواء الساخنة، لاسيما وأن روسيا حسبما يبدو كانت قد قررت المواجهة على أكثر من جبهة، فمن جهة جبهة بولونيا ومن جهة أخرى الضغط على صربيا لاسيما بعد استقلال اقليم كوسوفو، ومن جهة أخرى فقد قررت روسيا الرد على التدخلات الغربية التي استهدفت إضعافها في وقت تعرض الرئيس الروسي السابق (بوتين) الى محاولات اضعافه هو الآخر، وذلك عبر الجبهة الجورجية بهدف استنزاف قواه، الأمر قد يدفع الأمور باتجاه أزمة كبيرة، لاسيما وأن روسيا تعاني من مصاعب غير قليلة، لكن موسكو كانت قد وضعت خطوطاً حمراً أمام الغرب بشأن عدم اللعب فيها، خصوصاً ما يتعلق بالقوقاز وموارد الطاقة وأمنها الاستراتيجي. \r\n \r\n فالدب الروسي الذي بدا مسترخياً ومنهكاً يسعى الآن الى استعادة شيء من كبريائه وحضوره المُهاب! \r\n