وبإحالة ذكريات الطفولة المبكرة هذه إلى منطقة الخليج العربي، حيث طورت الدول الصغيرة قدرتها على حماية نفسها من \"الحيتان\" المفترسة، فإن من رأيي أنها اكتسبت المهارات نفسها التي رأيتها عند ذلك الرجل في ولاية منيسوتا. فما أن تنظر إحدى هذه الدول إلى أحدهم، حتى تتمكن من تخمين وزنه في حدود لا تتجاوز الخمسة أرطال. أما في الوقت الحالي، فإن كافة الدول الخليجية تحاول تخمين وزن الولاياتالمتحدة الأميركية باعتبارها حامية لها، ومن ثم تتساءل عن الوزن الحقيقي للعم سام في ظروف الأزمة الإيرانية الماثلة، وما إذا كان وزنه كافياً للجم إيران؟ \r\n \r\n وقد حضرت مؤتمراً أمنياً عقد خلال الآونة الأخيرة في مملكة البحرين بحضور مسؤولي دفاع ومحللين من شتى أنحاء العالم. وكان محور النقاش الرئيسي فيه، تقديرات الاستخبارات القومية الأميركية الأخيرة بشأن البرنامج النووي الإيراني. وبين كافة الخبراء العرب والأوروبيين الذين التقيتهم وتحدثت إليهم، عمّت الدهشة والذهول إزاء هذا التقرير الاستخباراتي المذكور، ليس بسبب النتائج التي توصل إليها فحسب، وإنما كذلك الطريقة التي وضع بها، بحيث يضمن خفض وزن أميركا كطرف مفاوض لطهران. \r\n \r\n قدرتنا على حشد تحالف دولي قوي ضد الخطر النووي الإيراني ضعفت كثيراً. والتقرير الاستخباراتي الأخير وفر مبرراً كافياً للصين وروسيا لإضعاف العقوبات المفروضة سلفاً على إيران. \r\n \r\n \r\n \r\n ولدى العرب شعور بأن الجار الإيراني قد انغمس في تجارة المخدرات على امتداد الثمانية عشر عاماً الماضية. وفي الآونة الأخيرة تلاحظ نشاط طهران العلني في زراعة الخشخاش الذي يستخلص منه الهيروين، فيما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون في بيت الجوار القريب. وإلى جانب النشاط الزراعي هذا، فقد حسّنت طهران نوعية الشاحنات المستخدمة في نقل هذه المنتجات وتسليمها للعملاء. \r\n \r\n غير أن الذي حدث في العام الماضي، ونتيجة لتشديد دوريات الرقابة الشرطية، وتهديد دول الجوار وعزمها على اتخاذ خطوة ما لوقف هذا النوع من النشاط التجاري غير المشروع، فقد أرغم التاجر الإيراني المشبوه، على إغلاق المعامل الخاصة بمعالجة الهيروين في قبو بنايته. وما أن أقدم على تلك الخطوة حتى أعلنت قوات الشرطة عن إبراء ذمته من تلك التجارة المحظورة! \r\n \r\n بيد أن لسان حال الدول العربية لا يزال يقول:\"قفوا برهة.. إن هذا التاجر لم يكف بعد عن زراعة الخشخاش، الذي واصل استغلاله في صنع الهيروين حتى عام 2003. وها هو اليوم يدّعي أنه حوّل نشاطه إلى التجارة في الزهور. ولكن إياكم أن تصدقوه، لأنه لا يزال يروج للمخدرات، ولذلك فهو يوسع أسطول شاحناته حتى يتمكن من نقل وتسليم بضاعته هذه للعملاء. فكيف لكم أن تبرئوا ذمته من تجارة المخدرات؟ وعن هذا السؤال ترد قوات الشرطة بالقول: عفواً... فإن لنا تعريفاً فنياً وقانونياً دقيقاً جداً لمفهوم \"الترويج للمخدرات\" وهو لا ينطبق على \"جاركم\" الذي تتحدثون عنه بأي حال. \r\n \r\n وإذا ما استبدلنا عبارة \"الخشخاش\" بعبارة \"تخصيب اليورانيوم\" فإن هذا هو عين الذي حدث بين الولاياتالمتحدة الأميركية وطهران. واليوم تحاول إدارة بوش أن تقول للكل: ولكن لتتخذوا الحيطة والحذر، لأن إيران لا تزال دولة خطيرة، ولا بد للدول من أن تحافظ على تحالفها، حتى تتمكن من إرغام إيران على وقف أنشطتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم. ولكن ماذا يفيد هذا التحذير الآن، بعد أن فقدت واشنطن وزنها بسبب تقريرها الاستخباراتي الأخير، في ظروف يتطلع فيها الجميع إلى تطبيع علاقاته التجارية مع طهران، ناهيك عن تشديد العقوبات عليها؟ وخسارة الوزن الأميركي هذه هي ما تشعر به الآن دول المنطقة، وتثير قلقها أكثر من أي شيء آخر. وعلى حد قول \"جاري سيمور\"، مدير الدراسات بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، والخبير السابق في مجال الانتشار النووي في ظل إدارة كلينتون: فقد أعطى التقرير الاستخباراتي القومي الأخير انطباعاً خاطئاً ومضللاً عن زوال الخطر الإيراني، بتأكيده وقف إيران لأنشطتها النووية العسكرية منذ عام 2003. غير أن ذلك الخطر لم يزُل فعلياً كما يقول \"سيمور\"، طالما أن إيران لا تزال تواصل أنشطتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم، في انتهاك صريح منها لحظر الأممالمتحدة للانتشار النووي، وهو الحظر الذي وافقت عليه طهران. \"وإلى جانب ذلك النشاط، تواصل طهران أيضاً اختباراتها للصواريخ بعيدة المدى، التي تستخدم لاحقاً لأغراض عسكرية نووية. \r\n \r\n صحيح أن إيران تصر على تبرير أنشطة التخصيب هذه – التي لا تزال دون مستوى تطوير السلاح النووي- بحاجتها إلى توفير الوقود اللازم للمفاعلات التي تصنع منهاً طاقتها الكهربائية السلمية. ولكن الملاحظ أنه ليست لإيران أي مفاعلات من هذا النوع أصلاً. ولكي تتمكن طهران من الوصول بمستوى تخصيب اليورانيوم إلى مرحلة صنع السلاح النووي، فإن كل الذي تحتاجه هو الاستمرار في إدارة اليورانيوم المخصب هذا، بواسطة أجهزة الطرد المركزي. وهذا هو الجانب الأكثر صعوبة في صنع السلاح النووي، وهذا ما لا تزال طهران تواصل العمل فيه\". ولكن المشكلة الآن –والحديث لا يزال ل\"سيمور\"- هي أن قدرتنا على حشد تحالف دولي قوي ضد هذا الخطر النووي الإيراني قد ضعفت كثيراً. وفي تأكيد التقرير الاستخباراتي القومي الأخير وقف إيران لأنشطتها النووية العسكرية، ما وفر مبرراً كافياً لكل من الصين وروسيا لإضعاف العقوبات المفروضة سلفاً على إيران. \r\n \r\n لكن ومع ذلك، فإن الخيار الأمثل هو التوصل إلى تسوية سلمية تفاوضية مع إيران بشأن أنشطة تخصيبها لليورانيوم. لكن وفي حال التفاوض معها، دون أن يستند ظهر الولاياتالمتحدة إلى تحالف دولي قوي ومستعد لتشديد العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، فإن الشيء الوحيد الذي ستخرج به الولاياتالمتحدة من هذا التفاوض، هو دمية حيوانية محشوة، مثل تلك التي كنا نحصل عليها أيام طفولتنا الباكرة. \r\n \r\n \r\n \r\n توماس فريدمان \r\n \r\n \r\n كاتب ومحلل سياسي أميركي \r\n \r\n ينشر بترتيب خاص مع خدمة \"نيويورك تايمز\" \r\n \r\n \r\n