\r\n ومما يزيد الاحوال سوءا خسارة الحزب الجمهوري للانتخابات النصفية لمجلسي الكونغرس, والتي سيترتب عليها انهماك الكونغرس على مدى السنتين القادمتين في مهمات تحقيقية تتركز في غالبيتها على العراق وان كانت لن تقتصر عليه. فالتحقيقات الى جانب تركيزها على الاخفاق الاستخباري الذي سبق الحرب على العراق والاخفاق الاداري الذي تلاها, سوف تتناول, ايضاً, اخفاق ادارة بوش في تنفيذ توصيات لجنة الحادي عشر من اذار بخصوص تطوير الوكالات الاستخبارية اضافة الى عدد من القضايا المحلية. \r\n \r\n وما دام السيد بوش قد واظب وفريقه على النظر الى الكونغرس بصفته مجرد ازعاج دستوري, فانهم سيفعلون كل ما بوسعهم لكبت هذه التحقيقات الموسعة. وستكون النتيجة صراعا مريرا بين الكونغرس الجديد والسلطات التنفيذية الامر الذي سيترك الادارة في حالة تشتت مريع. \r\n \r\n وسوف تضج القنوات الاعلامية باخبار غسل الادارة القذر لان رؤساء اللجان الديمقراطيين في الكونغرس هم سادة المهارات الظلامية في فن التحقيق. ومن المتوقع ان يهيمن على اخبار التحقيقات القادمة نوعان من التغطيات: \r\n \r\n يتعلق الاول باستمرار حالة الاضطراب في العراق, بينما يتناول الثاني القرارات السيئة التي قادت الى هذه الكارثة. \r\n \r\n ومن المتوقع ان يثير الاذلال الذي سيتعرض له الجمهوريون على ايدي الديمقراطيين الى ثورة داخل الحزب الجمهوري. وقد رأى السيد بوش بعينه الكثير من الجمهوريين يتخلون عنه اثناء حملته للانتخابات النصفية, ومن المرجح انهم سيسعون الى النأي بانفسهم عنه خلال سنتيه الاخيرتين في الرئاسة. \r\n \r\n ومن المنتظر ان تتسع دائرة هذه الثورة في صفوف المحافظين الامريكيين وهم حركة سبق لها ان تبنت السيد بوش عندما رأت فيه خليفة لرونالد ريغان ثم اكتشفت بعد ذلك انه ليس سوى تكرار لوالده. ويعكف حالياً فريق من كبار حركة المحافظين على التملص من المفاهيم الجمهورية كما وضعها بوش. ومن بين هؤلاء ديك آرمي, وهو زعيم سابق للاغلبية الجمهورية في مجلس النواب, الذي لا يكف عن توجيه اللوم الى حزبه لاهماله مبادئه والوقوع في حب السلطة. \r\n \r\n ويتجلى هذا الانقلاب بشكل صارخ بين جماعة المحافظين الجدد الذين انقلبوا على المسوخ التي صنعوها بايديهم وراحوا يكيلون لها الانتقاد. حتى ريتشارد بيرل, الرئيس السابق لمجلس سياسة الدفاع, قال مؤخرا ان »الهزيمة الكاملة« في العراق, والمتمثلة في انسحاب امريكي يخلف وراءه دولة فاشلة, اصبحت اقرب الى الاحتمال رغم انها لم تصبح بعد حتمية ويلقي بيرل باللوم على السيد بوش وحكومته العاجزة ويقول بانه لن يساند الحرب فيما لو عاد الزمن الى الوراء. اما اليوت كوهين, عضو مجلس سياسة الدفاع, فيقول بان من الممكن ان ينتهي الامر بامريكا الى »الانجراف« الى نوع من الانسحاب تبعا لنوع من الجدولة الزمنية. في حين يوجه كنيث ادلمان, الذي تنبأ لحرب العراق بأن تكون مجرد نزهة, اللوم عما جرى هناك على »اكثر الطواقم الامنية التي عرفتها امريكا عجزا منذ فترة ما بعد الحرب«. \r\n \r\n السيد بوش, بدوره, تحرك بسرعة في محاولة للتكيف لهذا الجو المعادي. ففي الثامن من تشرين الثاني, عقد مؤتمرا صحافياً خيمت عليه اجواء الحزن والهزيمة قال فيه ان الناخبين قد خيبوا ظنه. وفي المؤتمر نفسه بدأ مهمته الصعبة الجديدة في اعادة تقديم نفسه كرئيس يمثل الحزبين الجمهوري والديمقراطي معا. وقد تحدث عن »نبرة متغيرة« في واشنطن وعن بدء مرحلة جديدة من التعاون«. \r\n \r\n وقد كرر القول بانه يريد ان يجد »ارضية مشتركة« مع الديمقراطيين كي يعمل الجميع معا على حل المشكلات التي تواجه البلاد. \r\n \r\n فما الذي يمكن ان يعنيه هذا على صعيد الواقع? انه يعني بأن التغير الذي حصل في الكونغرس يمكن ان لا يقود بالضرورة الى تغير درامي في السياسة الخارجية. \r\n \r\n لدى الكونغرس الصلاحية الدستورية اللازمة لايقاف تمويل الحرب. وقد مارس هذه الصلاحية في حالة فيتنام عام 1974 لكن الديمقراطيين ليسوا اغبياء الى الحد الذي يجعلهم يكبسون على هذا الزر. فهم قد يلجأون الى استخدام سلطة التمويل للضغط على الانفاق في هوامشه لكنهم لن يقطعوا التمويل بالكامل لأن ذلك سيحدث ردة فعل كبيرة على المستوى الشعبي. كما اذن ذلك سوف يحول العراق من مشكلة تؤرق بوش الى مشكلة للديمقراطيين انفسهم. فالديمقراطيون يدركون جيدا ان صفوفهم الداخلية منقسمة حول الموضوع العراقي كما يدركون ان الشخص الوحيد القادر على تغيير مسار السياسة الخارجية الامريكية هو السيد بوش نفسه. \r\n \r\n سوف يواصل الرئيس اعتبار الحرب على الارهاب القضية المركزية لسياسته الخارجية. فهو يؤمن بشدة بأن هجمات الحادي عشر من ايلول قد آذنت بظهور عالم جديد. وهو يؤمن بنفس الدرجة من الشدة بأن الارهابيين ما زالوا يخططون لضرب الولاياتالمتحدة, وان نتائج الانتخابات النصفية لم تكن احتجاجا على الحرب على الارهاب انما على ادارة حرب العراق التي باتت اغلبية الامريكيين تعتقد بأنها كانت انحرافا خطيرا عن مسار الحرب على الارهاب. \r\n \r\n ان عناد الرئيس بوش بشأن القضية العراقية ليس مجرد مسألة قصور في الفهم او حالة من حالات الخداع الذاتي. فهو لا يستطيع تغيير مساره من دون التنكر للقرار الاهم الذي اتخذه في فترة رئاسته وهو جعل العراق خط المواجهة الاول مع الارهاب. وتخفيف الوجود الامريكي في العراق يمكن ان يحول البلاد الى تابع لايران او ملاذ للارهابيين. \r\n \r\n على كل من يعتقد بأن مجيء الاغلبية الديمقراطية الى الكونغرس يلغي احتمالات العمل العسكري خارج حدود العراق على مدى السنتين القادمتين ان يعدوا انفسهم لصدمة كبرى. فما زال البيت الابيض يحتفظ بحرية استخدام القوة ضد اي تحد يطرأ على الاوضاع الراهنة. كما ان على كل من يعتقد بأن وجود تلك الاغلبية في الكونغرس علامة على تناقص الدعم الامريكي لاسرائيل ان يستعد لخيبة امل كبرى. فالحزب الديمقراطي لا يقل تأييدا لاسرائيل عن الحزب الجمهوري. ولن تكتفي امريكا بالوقوف الى جانب اسرائيل فحسب اذا قررت الاخيرة ان تتحرك ضد حزب الله وحماس. انما ستقوم ايضا باتخاذ اجراءات عقابية ضد ايران اذا ما زاد تورط طهران مع هاتين المنظمتين الارهابيتين. \r\n \r\n لكن السيد بوش سيفكر مرتين قبل ان يمد يده لسحب سلاحه. فقد ذهبت منذ زمن تلك الايام التي كان بوسع ريتشارد بيرل فيها ان يختصر سياسة امريكا الخارجية بعبارة واحدة: »على من يقع الدور التالي?« فالسياسة الخارجية الامريكية باتت منذ مدة تتجه الى مسار تعددي, ويمكن بالتأكيد تحديد بداية تلك المدة بالانتخابات الرئاسية لعام .2004 فأمريكا تحاول ان تتعامل مع المشكلتين التوأمين: ايران وكوريا الشمالية. وهي توظف لذلك مؤسسات ذات طبيعة تعددية. حتى من تبقى من اعضاء »اخوية تغيير النظام« في الادارة باتوا يدركون ان العمل العسكري ضد ايران او كوريا الشمالية لن يكون خاليا من المجازفة. \r\n \r\n في ايام الحرب الباردة كان وجود رئيس امريكي ضعيف يشجع القوى الاخرى على استعراض عضلاتها. لكن حسابات هذه الايام مختلفة. فجميع القوى الرئيسية, بما فيها الهند والصين, لديها حوافزها الخاصة للوقوف بوجه الارهاب العالمي وانتشار اسلحة الدمار الشامل. كما ان المعسكر المعادي لبوش في اوروبا لم يعد قويا كما كان من قبل. فجاك شيراك في طريقه الى الخروج من السلطة وجيرهارد شرودر تم استبداله بأنغيلا ميركل الاقرب الى واشنطن. وحتى روسيا والصين خففتا من مجابهاتهما, وايدت الصين القرارات الدولية الاخيرة بشأن كوريا الشمالية. \r\n \r\n وعلى الرغم من الصفعة القوية التي تلقاها السيد بوش من الديمقراطيين, فان همومه الرئيسية بعد الانتخابات ما تزال هي نفسها الهموم الرئيسية لفترة ما قبل الانتخابات وهي: طموحات ايران المتزايدة, وقرارات كيم يونغ ايل التي لا يمكن التكهن بها, والكارثة المستمرة في العراق. وبغض النظر عن استمتاع حلفائه الخارجيين بما تعرض له من اذلال, فإن لاؤلئك الحلفاء مصلحة في بقاء القوة الامريكية غير منتقصة. فالاصوليون الاسلاميون والدول المارقة الذين يتمنون السوء لامريكا لم يخففوا شيئا من معاداتهم لها. \r\n