"أسطول الصمود العالمي" يعلن إطلاق أضخم تحرك إغاثي بري وبحري في التاريخ لكسر حصار غزة    كأس إيطاليا - أتالانتا يحقق انتصارا كبيرا على يوفنتوس ويتأهل لنصف النهائي    تعثر انتقال يوسف أوباما للكرمة العراقي بسبب إجراءات القيد    كأس إسبانيا - أتلتيكو إلى نصف النهائي بخماسية في شباك ريال بيتيس    الزمالك يعلن تعاقده مع كاديدو لتدريب فريق الطائرة    تجمع الزمالك فى مطار القاهرة للسفر إلى زامبيا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    أول تعليق من نائب بنها وكفر شكر بعد إصابته وأسرته في حادث مروع    إصابة 7 أشخاص إثر تصادم تريلا بسيارة ميكروباص على كوبري الثروة السمكية في الإسكندرية    بمشاركة الفنانة غادة رجب.. ليلة طرب استثنائية تضيء دار أوبرا الإسكندرية    استعدادا لشهر رمضان المبارك، طريقة عمل مخلل الفلفل الأحمر الحار    الأخدود ضد الهلال.. بنزيما يعادل إنجاز مالكوم التاريخى مع الزعيم    اتحاد بلديات غزة: أزمة الوقود تُعمق معاناة المواطنين والنازحين    أتلتيكو مدريد يكتسح ريال بيتيس بخماسية ويتأهل لنصف نهائى كأس ملك إسبانيا    سوريا ولبنان يوقعان غدا اتفاقية لنقل المحكومين    الاتحاد الأفريقي يدين هجومًا إرهابيًا داميًا في نيجيريا أسفر عن مقتل 162 مدنيًا    الجيش الباكستاني يعلن انتهاء عملية أمنية واسعة في بلوشستان ومقتل أكثر من 200 مسلح    جامعة عين شمس تستضيف الجامعة الشتوية لمشروع FEF مصر «REINVENTE»    أخبار × 24 ساعة.. الخميس 19 فبراير 2026 أول أيام شهر رمضان فلكيًا    النائبة ولاء الصبان تشارك وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الدقهلية افتتاح المجزر الآلي الجديد ومعارض أهلا رمضان    عدلوه مرتين وما جابش نتيجة، رئيس التطوير العقاري ينتقد قانون التصالح على مخالفات البناء    شعبة الذهب: النتائج الإيجابية للمفاوضات النووية بين أمريكا وإيران ستقود الأسعار لمزيد من التراجع    ستراسبورج يتأهل لربع نهائي كأس فرنسا على حساب موناكو    كهربا: لدي عروض في 3 دوريات.. والأهلي في حاجة لي    شباب دمياط تفتح باب الكشف الطبي مجاناً أمام لاعبي الدورات الرمضانية    بعد إهداء أردوغان "تووج" التركية الكهربائية في مصر .. مراقبون: أين سيارة "صنع في مصر"؟    رئيس غرفة التطوير العقاري: قانون التصالح تم تعديله مرتين ولم يحقق النتائج المرجوة    اندلاع حريق بمخزن كرتون بالقلج بالقليوبية    شريف عامر يلعب «روبلوكس» على الهواء بعد حجبها في مصر.. والنائبة مها عبد الناصر: لا حجب كامل    «الرشوة الوهمية» تنتهى فى الزنزانة.. الأمن يكشف كذب ادعاء سائق وعامل ضد ضابط مرور    السجن المشدد 10 سنوات لعاطل حاول التعدى على طفلة بقنا    بقى عجينة، صور مرعبة من انهيار سور بلكونة على "تاكسي" متوقف أسفل منزل بالغربية    «بقينا عِشرة خلاص»..ياسمين عز تؤيد استمرار مصطفى مدبولي رئيسا للوزراء (فيديو)    ترك إرثًا علميًا وتربويًا ..أكاديميون ينعون د. أنور لبن الأستاذ بجامعة الزقازيق    المنتج جابي خوري: يوسف شاهين حاول الانتحار بسبب حبه لفاتن حمامة    تطورات خطيرة في الحالة الصحية لنهال القاضي بعد تعرضها لحادث سير    بوستر مسلسل مناعة للفنانة هند صبري يثير الجدل.. اعرف التفاصيل    المنتجة ماريان خوري: كنت بشتغل مع يوسف شاهين 24 ساعة.. ووالدي رفض شغلي معاه    وزير الخارجية الإيراني يصل إلى سلطنة عمان لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة    "مش هشوف ابني تاني".. والدة الطفل ضحية حقنة البنج تبكي على الهواء    عضو هيئة العمل الوطنى: 11 ألف مريض سرطان فى غزة بحاجة للخروج لتلقى العلاج    السعودية: إصدار 4 رخص باستثمارات تجاوزت 4 مليارات ريال في معرض المعدات الثقيلة    مؤسسة حياة كريمة تتوجه بالشكر للرئيس السيسى بعد فوزها بجائزة دبى الدولية    وزير الصحة يتفقد معبر رفح لمتابعة استقبال وعلاج المصابين القادمين من غزة    شيخ الأزهر يستقبل الطالبة الكفيفة مريم حافظة كتاب الله ويوجّه بتبنى موهبتها    تعظيم سلام للأبطال| جولات لأسر الشهداء فى الأكاديمية العسكرية    سكرتير محافظة سوهاج يشهد تدشين فعاليات المؤتمر الدولى الخامس لطب الأسنان    "مجرد واحد".. تفاصيل رواية رمضان جمعة عن قاع الواقع    الإثنين.. افتتاح معرض "أَثَرُهَا" ل30 فنانة تشكيلية بجاليري بيكاسو إيست    «التنظيم والإدارة» يتيح الاستعلام عن نتيجة وظائف سائق وفني بهيئة البناء والإسكان    خالد الجندي يوضح معنى الإيثار ويحذّر من المفاهيم الخاطئة    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال يناير الماضي    تعليم القليوبية يشدد الإجراءات الأمنية قبل انطلاق الفصل الدراسي الثاني    تعليم القليوبية تدشن فعاليات منتدى وبرلمان الطفل المصري    التقرير الطبي يكشف تفاصيل إصابة خفير بطلق ناري على يد زميله بالصف    هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان.. الأزهر للفتوى يجيب    صحة المنيا: مستشفى أبو قرقاص استقبلت 20 ألف مواطن وأجرت 193 عملية خلال يناير    الهدية.. العطاء الذي قبله النبي للتقارب والمحبة بين المسلمين    دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في شعبان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وقوع الولايات المتحدة في التجربة الامبريالية
نشر في التغيير يوم 14 - 02 - 2005

أن هذا التغني بالعظمة يعطي فكرة عن الغبطة الإمبريالية التي استحوذت على اليمين الاميركي منذ انتهت الحرب الباردة وكلما ابتعد بنا الزمن عن الثمانينات يوم كان كتّاب مثل بول كينيدي يظنون أنهم تمكنوا من تبيّن قرائن بنيوية على ضيق مجال الهيمنة الأمريكية.
\r\n
\r\n
ولم يعد المجال يضيق بهذه الهيمنة، فالولايات المتحدة باتت منذ العام 1991 تحتل موقعا فريدا لا مثيل له في التاريخ الحديث. وهي، وبعكس الإمبراطورية البريطانية التي واجهت في أواخر القرن التاسع عشر بروز المنافس الألماني، لا تواجه أي خصم استراتيجي قادر في المدى المنظور على الإخلال بالتوازنات الكبرى. زد على ذلك أن منافسيها الاقتصاديين الرئيسيين، من أوروبيين ويابان هم حلفاء استراتيجيون لها. وعلى الصعيد السياسي فقد تمددت دائرة سيطرتها كما اتسع أمامها هامش المناورة، فيما على المستوى الاقتصادي هي تحدد القواعد والمعايير وفرائض النظام الدولي [4] .
\r\n
\r\n
وقد أصبح الحفاظ على الوضع الراهن الهدف الأول للسياسة الخارجية الأمريكية منذ العام 1991، لكن يجري تطويع هذا الهدف في أشكال متفاوتة بحسب الطابع التعاوني أو القسري للوسائل المعتمدة. ففيما أعطت إدارة كلينتون الأولوية للدبلوماسية الاقتصادية وفي بعض الحالات للتعاون المتعدد الطرف، تنزع الإدارة الجديدة الى مزيد من التوسع في حدود الهيمنة الأمريكية عبر القوة والتصرف من جانب واحد.
\r\n
\r\n
فما كاد يمضي ستة اشهر على تولي السيد جورج دبليو بوش وفريقه السلطة، حتى أفسدوا الى أبعد حد العلاقات الثنائية مع الصين، وأخلوا بمعاهدة نزع الأسلحة الباليستية عندما قرروا تطوير نظامهم المضاد للصواريخ، وأعلنوا رغبتهم في عسكرة الفضاء الخارجي ورفضوا بروتوكول كيوتو حول البيئة، وعطلوا عمل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لمراقبة الجنات الضرائبية، وأعلنوا بكل وضوح أنهم، في مجال خلافهم مع الاتحاد الأوروبي حول ضرائب \"الأوفشور\" الموضوعة على الشركات الأمريكية، سيتحدّون جهاز تسوية الخلافات التابع لمنظمة التجارة العالمية اذا ما أقر معاقبتهم [5] . وتعمل إدارة بوش حاليا على إفشال محكمة العدل الدولية التي التزم بها أخيرا الرئيس بيل كلينتون [6] .
\r\n
\r\n
ويوما بعد يوم تطول لائحة هذه \"التصرفات المحرقة\"، اذا ما استعنا بالعبارة الموحية التي استخدمها ستانلي هوفمان، من جامعة هارفرد. فهم يعبرون عن رغبة متماسكة في صون العمل من طرف واحد وعن رفضهم رؤية السيادة الأمريكية مطوقة، وإن من أدنى الدرجات، بواسطة الاتفاقات المتعددة الطرف والقانون الدولي. ففي مجلس خاص، أكد أخيرا السيد جون بولتون، المساعد الجديد للسيد كولن باول في الشؤون الخارجية أن \" لا وجود للقانون الدولي\".
\r\n
\r\n
ولفهم هذا الارتداد الى سياسة الطرف الواحد، يجب العودة الى الوراء. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي كان أمام الولايات المتحدة العديد من الخيارات الاستراتيجية الكبرى التي يمكن اختصارها في ثلاثة، أولها إيلاء الأهمية للتعاون والسياسة المتعددة الطرف من زاوية الإدارة المشتركة لنظام عالمي كان مقبلا على تعددية القطب وإحلال السلام (بين الدول الرئيسية). وثانيها اعتماد سياسة توازن القوى الكلاسيكية الشبيهة بسياسة بريطانيا الكبرى في القارة الأوروبية في القرن التاسع عشر. وثالثها ترسيخ سياسة القطب الواحد عبر \"استراتيجيا التفوق\" كما يتمنى السيد هلمز وأصحابه. أما الخياران فهما يحتملان إمكانيات الدمج كما تبين من عملية دوزنة التعاون والضغط التي اعتمدت منذ العام 1989 في إدارة العلاقات الثنائية مع الصين. لكن قواعد القوة والضغط أخلت الساحة كليا أمام الخيار الثالث.
\r\n
\r\n
وقد صيغت استراتيجيا التفوق المزعومة هذه في أروقة البنتاغون في العام 1992 في تقرير سري عنوانه \"ديفانس بوليسي غيدنس\" (ترشيد السياسة الدفاعية)، أعده كل من بول وولفويتز وآي. ليويس ليبي، وهما اليوم على التوالي مساعد وزير الدفاع ومستشار الشؤون الأمنية لدى نائب الرئيس ديك تشيني، وفي سياق النص توصية \"بمنع أي قوة عدوة من السيطرة على مناطق ذات موارد قد تساعدها في احتلال موقع القوة الكبرى\" و \"بإحباط أي محاولة من الدول الصناعية المتطورة لتحدي زعامتنا أو لقلب المعادلة السياسية والاقتصادية القائمة\" و \"بالتحسب لبروز أي منافس على الصعيد العالمي مستقبلا [7] \". وهذه التوصيات كتبت في عز \"الزمن الأحادي الطرف\" بعد قليل من سقوط الاتحاد السوفيتي والحرب ضد العراق.
\r\n
\r\n
ولهذا الأمر التفصيلي أهميته ذاك أن حرب الخليج قد أدت دورا حاسما في إعادة استنفار القوات المسلحة الأمريكية. فقد بررت التمسك بالموازنة العسكرية المرتفعة وشرعت الحفاظ على الجزر العسكرية التابعة للولايات المتحدة في أنحاء العالم، أي على الشبكة العالمية لقواتها المسلحة، تلك الشبكة التي باتت توجه ضد \"الدول المارقة\" القادرة بحسب زعمهم على تهديد التوازنات الاستراتيجية الإقليمية. ففي شباط/فبراير من العام 1991 اعتبر السيد تشيني، وزير الدفاع آنذاك أن هذه الحرب هي بمثابة \"تجربة نموذجية مسبقة لنوع الصراعات التي يمكن أن تواجهنا في العصر الطالع[. . . ]. فإضافة الى جنوب غرب آسيا، إن لنا مصالحنا المهمة في كل من أوروبا وآسيا والمحيط الهادىء وأميركا اللاتينية والوسطي، فعلينا أن نقدر سياساتنا وقواتنا بشكل يسمح بردع على مثل هذه التهديدات الإقليمية في المستقبل أو بالفضاء سريعا [8] \"
\r\n
\r\n
وفي الإجمال فان هذه الحرب قد أنقذت البنتاغون والمركب الصناعي العسكري القلقين إزاء الخطة الرامية الى عمليات تسريح واسعة في قطاع الجيش والناشئة طبعا عن زوال الاتحاد السوفيتي. لكن، كما أكّد في حينه روبرت تاكر وديفيد هندريكسون، إذا كان \"البرهان على أن القوة العسكرية تبقى دائما ذات مغزى في العلاقات بين الدول\" فان البعض \"في الولايات المتحدة قد رأى فيها ضربة قاسية، وربما قاضية، ترفع في وجه التطلع الى عالم متعدد القطب\". فقد تبين أثناء الحرب أن المنافسين الألماني والياباني، المحدودي السيادة، \"مرتهنان أكثر من أي وقت للقوة العسكرية الأمريكية [9] \".
\r\n
\r\n
خلال ولاية كلينتون وضعت استراتيجيا التفوق في الثلاجة، إذ انه أولى اهتمامه لمتابعة المصالح الوطنية عبر المؤسسات المتعددة الطرف (الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة، ولنقل اتفاقا) ولتنفيذ استراتيجيا ليبيرالية على المستوى الدولي تمحورت حول مبدأ الشمولية الذي حقق نجاحات مهمة إذا ما نظرنا في ما أتى به من مكاسب.
\r\n
\r\n
وإذا كان جميع الرؤساء الأمريكيين بعد العام 1945، من هاري ترومان الى جورج بوش(الأب) هم \"رؤساء حرب\" بحسب تعبير المؤرخ رونالد ستيل، فقد توافر للسيد كلينتون أن يسلك طريقا آخر. ففي عهده انتقل المركز المحوري للحكم عمليا الى حد ما، من جهاز الأمن القومي الى وزارة المال والمجلس الجديد للأمن الاقتصادي في البيت الأبيض. وقد فرض بعض كبار رجال المال من أمثال السيد روبرت روبن أنفسهم في قيادة السياسة العالمية، منظمين السياسة الشمولية ومديرين أزماتها. وكان الرئيس أساسا قد أعلن في العام 1992، حتى قبل ترشحه، أن عملية تحرير الاقتصاد والمبادلات التجارية ستكون من الآن وصاعدا الوسائل المفضلة للدبلوماسية الأمريكية، وقد تجسد هذا الخيار في معاهدة التبادل الحر مع المكسيك وكندا في العام 1993، وفي الموافقة على إنشاء منظمة التجارة العالمية في العام 1994، وفي تحرير أسواق المال في شرق آسيا وفي سياسة \"الالتزام\" مع الصين وروسيا.
\r\n
\r\n
وقد كان من المنطقي تقديم الاقتصادي على الاستراتيجي، فإذا كانت المواجهة الثنائية القطب قد بررت أربعين سنة من الاستنفار العسكري، فان زوالها فتح الطريق أمام قلب الأولويات، وكان على الدولة أن تغير من أشكال تدخلها لتواكب انفتاح الصين وتستفيد منه، ومن التطور اللامع في الاقتصاديات الناهضة في شرق آسيا ومن عمليات التحول الجارية في أوروبا الوسطي والشرقية. في شكل من الأشكال كان على دولة الأمن القومي أن تخلي الساحة \"للدولة الشمولية\".
\r\n
\r\n
وقد أكد السيد ستيف كليمونز، مدير مؤسسة الأبحاث السياسية الخاصة باليابان، أن الرئيس كلينتون، باقتراحه قلب الأولويات، \"طرح على بساط البحث مسألة الحاجة الى وجود البنتاغون وبنية الأمن القومي الخاصة بالحرب الباردة\". ولأنه كان يؤيد عملية تسريح عسكرية ملموسة \"فقد كانت علاقاته بالجنرالات منذ البداية سيئة جدا\". وفي الواقع كان قد أعلن في العام 1993، بلسان وزير دفاعه السيد لس آسبن عزمه على إعادة النظر في مسألتين رئيستين في سياسة أسلافه الدفاعية، الأولى هي التوجه المعروف \"بالقوة الأساسية\" التي يقول بها السيد كولن باول، وتعني القدرة على خوض حربين إقليميتين كبيرتين في الوقت نفسه، والثانية هي برنامج تطوير الأسلحة الباليستية الذي أطلق في عهد السيد رونالد ريغان. وحتى أن السيد آسبن كان قد تحدث عن \"انتهاء عصر حرب النجوم\".
\r\n
\r\n
غير أن هذه المبادرات لم تنجح. فقد اضطر السيد كلينتون الى الرضوخ بعد بضعة أشهر أمام المقاومة الشرسة من جانب المركب الصناعي العسكري الذي كان يناصبه العداء أساسا، وبالتحديد بسبب معارضته حرب فيتنام يوم كان طالبا في لندن. وبسبب تضافر ضعفه السياسي والشخصي خسر معركتيه الأوليين مع البنتاغون، إذ أهمل اقتراحه بقبول المثليي الجنس في الجيش، وتم إبقاء توجه \"القوة الأساسية\" ( والمثير للسخرية أن الجمهوريين الذين وضعوه يعيدون النظر فيه اليوم). وقد أوضح السيد لورنس كورب العضو في مجلس العلاقات الخارجية أنه \"ابتداء من تلك اللحظة قرر السيد كلينتون أن يساير البنتاغون في توجهاته\". وهكذا في العام 1994، أبقي على الرقم المخصص لوزارة الدفاع 280 مليار دولار، أي ما يعادل 88 في المئة من معدل موازنة الحرب الباردة ما بين 1975 و1989، ثم راح يرتفع على مدى ست سنوات لتبلغ الزيادة في العام 1998، 112 مليار دولار، وذلك تحت ضغط مجلسي النواب والشيوخ الذي سيطر عليه الجمهوريون ابتداء من العام 1994.
\r\n
\r\n
ومن تنازل الى تنازل، أعطى السيد كلينتون البنتاغون كل ما أراده تقريبا. وهذا لم يمنع \"الخبراء\" الجمهوريين من إثارة جدل حاد حول سياسته الأمنية والدفاعية. وإذ انضم إليهم الكونغرس بعد العام 1994 قاد هؤلاء حملة فيها من التجريح والخبث على حد سواء متهمين الرئيس بتعريض \"الأمن القومي\". ومن بين الأمثلة الكثيرة على ذلك ما قالته يومها السيدة غوندوليزا راس، المستشارة الحالية لدى السيد بوش لشؤون الأمن القومي، من أن السيد كلينتون قد حول قوات الجيش الاميركي \"عمالا اجتماعيين\" وانحدر بهم الى حال عجز شبيهة بحال العام [10] 1940! والمثير أيضا للاستغراب أن السيدة ليندا تريب، التي كانت في أساس فضيحة مونيكا ليوينسكي، كانت موظفة مدنية في البنتاغون، وقد اتهمتها السيدة هيلاري كلينتون ب \"التآمر مع اليمين المتطرف\".
\r\n
\r\n
وإذا كان السيد كلينتون لم يعرف أو لم يستطع تطويع البنتاغون فإننا نشهد الآن مع السيد جورج دبليو بوش عودة قوية لدولة الأمن القومي. وبعكس إدارة كلينتون فان رجالات الحرب والمخططين المدنيين والعسكريين هم الذين يتولون الآن مواقع القرار من أمثال السادة ديك تشيني وكولن باول ودونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وريتشارد ارميتاج وجيمس كيلي وآي. لويس ليبي وجون نغروبونتي [11] ، الذين شغلوا مع غيرهم جميعا مناصب أمنية بارزة في دوائر الدفاع أو المخابرات خلال الحرب الباردة و/أو خلال مرحلة التحول السوفيتي والحرب ضد العراق. فالسيد نيغروبونتي مثلا كان أحد الرجالات الأساسيين في الحرب \"السرية\" التي شنت ضد الثوار الساندينيين في نيكاراغوا. والسيد جيمس كيلي هو من القوى البحرية، والسيد ريتشارد ارميتاج من وزارة الدفاع، والسيدان بول وولفويتز وآي. لويس ليبي هما المنظران لسياسة القطب الواحد في عهد السيد بوش الأب. ومن جهته فان السيد دونالد رامسفيلد قد قاد \"الحرب الباردة في مرحلتها الثانية\" (1975- 1989) ملغيا كلمة \"انفراج\" من القاموس الرسمي، وأمضى الثمانينات والتسعينات في الترويج ل\"حرب النجوم\" وفي استنكار سياسة الديموقراطيين.
\r\n
\r\n
فباختصار، إنها حكومة حرب باردة من دون قيام هذه الحرب، فأعمالها وتشكيلها تنم على رؤية وخيار، رؤية نظام عالمي قائم فقط على لعبة وحيدة هي ميزان القوى، وخيار مواصلة العمل على أهداف الثروة والقوة التي يحددها مفهوم ضيق جدا للمصلحة الوطنية.
\r\n
\r\n
وكما العراق في الأمس، فان \"الخطر الصيني\" المفترض يستخدم اليوم ذريعة لعملية تعبئة عسكرية \"رفيعة التقنية\" ستساعد في رفع موازنة البنتاغون الى 320 مليار دولار في السنة، أي بما يفوق مجموع الموازنات العسكرية لجميع \"أعداء\" الولايات المتحدة المحتملين، فيما تتقلص جميع الموازنات الأخرى، الاجتماعية منها في نوع خاص. ولنفرض أن الصين تريد ذلك، فهي ليست في وضع يسمح لها بقلب التوازنات في شرق آسيا، فكيف على المستوى الدولي. وهذا لا يعني بالتأكيد أن القومية الصينية العدائية لن تهدد الاستقرار مستقبلا في آسيا، لكن المسألة ليست هنا، فالسيد بوش، عندما ينعت الصين خلال الحملة الانتخابية ب\"الخصم الاستراتيجي\"، ثم ب\"المنافس الاستراتيجي\" عندما يصل الى البيت الأبيض، فهو إنما يبني مسبقا من الواقع المزعوم في وصفه.
\r\n
\r\n
في الأول من أيار/مايو عام 2001 أعلن الرئيس قراره تسريع العمل على بناء نظام دفاعي (درع) مضاد للصواريخ الباليستية، ثم في 8 أيار/مايو أعلن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد زيادة كبيرة، من دون إعطاء أرقام، في جهود الدفاع الأمريكية في مجال الفضاء الخارجي. وأكد أن الفضاء سيعطى من ألآن وصاعدا الأولوية في التخطيط الاستراتيجي الاميركي. وتتجلى هذه المبادرة بكل معناها عندما نعيد قراءة الخلاصات التي توصلت إليها اللجنة التي كان يرئسها السيد رامسفيلد قبل أن يتولى الوزارة. فقد تحدث تقرير رامسفيلد الذي نشر في 11 كانون الثاني/يناير عن \" تزايد خطر تعرض الولايات المتحدة ل\" بيرل هاربر\" فضائية، واقترح التحسب لذلك \"بمنح الرئيس خيار نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي لردع هذه الأخطار المحتملة، وعند الضرورة للدفاع عن المصالح الأمريكية ضد اعتداءات ممكنة\".
\r\n
\r\n
بيرل هاربر؟ خطر متزايد؟ انه عالم يبنيه بالمقلوب السيد رامسفيلد والسيدة راس. والسؤال الذي يشكل الآن موضوع تفكير في البنتاغون هو من الذي يستطيع اذا أن يتحدى الولايات المتحدة في الفضاء الخارجي أو في أعماق البحار؟ أهي روسيا التي تجند السياح الأمريكيين الأثرياء لتمويل رحلاتها الفضائية؟ أم الصين التي يبدو إنها تحتاج فعلا عشرين سنة من السلام كي تثبّت وضعها الاقتصادي والاجتماعي الداخلي؟ هل هي أوروبا؟ أم من إذا؟ تؤكد لجنة رامسفيلد، من دون أن تلتفت الى ما في ذلك من سخافة، أن الخطر قد يأتي من \"أناس مثل أسامة بن لادن قد يتمكنون من الحصول على امكانات في مجال الأقمار الصناعية\". على كل حال، فقد رأى السيد رامسفيلد انه من الحكمة إلا يستعيد في 8 أيار/مايو هذا التبرير المثير للرثاء، كما أنه لم يعط غيره إذ ليس لديه أي مبرر.
\r\n
\r\n
وما وراء كل ذلك يمكن تبين محاولات التعبئة العلمية والتكنولوجية. فالسيد اندرو مارشال، وهو رجل ثمانيني كلفه البنتاغون تحديد الاستراتيجيا العسكرية الجديدة، يحلم بطائرات سكاكية (أي مجالها الجزء الأعلى من الغلاف الجوي)، وبغواصات عملاقة، وبأسلحة لايزر فضائية وبتقنيات قصف بعيدة المدى. . . وفي ذلك طبعا خبر سار لشركات لوكهيد ورايتيون وبوينغ. لكن، وبحسب ما يقوله سايمور ملمان المنتقد من الأساس المركب الصناعي العسكري، \"أن الهدف الاستراتيجي لهذه الجهود هو تأمين الهيمنة العالمية، إنها حسابات السلطة\".
\r\n
\r\n
يبقى أن نعلم كم ستكون هوامش المناورة الحقيقية في السنوات المقبلة، أمام إدارة تبالغ في عجرفتها بما لا يتلاءم ونسبة شرعيتها الشعبية. ففي أواخر أيار/مايو فقد الجمهوريون السيطرة في مجلس الشيوخ وقد يتحولون أقلية في مجلس النواب بعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في العام 2000. ولنفرض أن الديموقراطيين اثبتوا تفوقهم، فان مشروع السيد بوش لتجديد سياسة العسكرة سوف يتوقف.
\r\n
\r\n
وفي انتظار ذلك فان على بقية العالم أن يواجه القومية الأمريكية الجديدة. وإذا نظرنا في ردود الفعل الأوروبية والآسيوية الأولى، فان استراتيجيا البنتاغون التفوقية لا تمر بسهولة. لكن، وإن كانت إدارة بوش لا تريد الإقرار بذلك، فان المفارقة في استراتيجيات الهيمنة القائمة على القوة لا بدّ أن تولد في وجهها قوى أخرى. وهكذا فان السعي الى تفوق منفرد لا شريك فيه قد يؤدي ربما الى تسريع الخطى نحو عالم متعدد القطب.
\r\n
\r\n
\r\n
--------------------------------------------------------------------------------
\r\n


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.