تعانى الولاياتالمتحدةالأمريكية وإسرائيل، ارتباكا كبيرا فى الرؤية الاستراتيجية تجاه ما حدث ويحدث فى الوطن العربى من ثورات؛ قلَب كافة نظريات الأمن القومى الأمريكى رأسا على عقب، وجعلهما حتى الآن يعانيان من هذا التخبط فى الرؤية الاستراتيجية تجاه التعامل مع هذه الثورات؛ ما دفع نيكولاس بيرنز نائب وزير الخارجية الأمريكى الأسبق، إلى وصف ما يشهده الشرق الأوسط حاليا بأنه زلزال كبير، يراه الأهم منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ونصح الإدارة الأمريكية بأن تعيد حساباتها كاملة بما يتواءم مع هذه التغيرات الجارية. تاريخ الولاياتالمتحدة مع الاستبداد العربى ولكى نتعرف حجم هذا الزلزال الحادث، يكفى أن نكشف عن أن الإدارة الأمريكية انتهجت فى الأعوام الستين الأخيرة سياسة محاربة النزعات الثورية فى الشرق الأوسط، خشية تهديدها مصالح واشنطن. فقد تعمقت حالة غياب العمل الديمقراطى فى العقود المتتالية فى بلد مثل مصر (من ناصر إلى مبارك) نتيجة الترويج لفكرة عدم نضج الشعوب ثقافيا لممارسة الديمقراطية، وعليه بات العرب يعانون مما وصفه الباحث ب«التخلف المزمن فى البناء المؤسسى». استراتيجية أمريكا تجاه الثورات ما بين زلزال الثورات العربية وعشرات السنين من دعم أنظمة الاستبداد و الفساد، تتشكل الرؤية الأمريكية المرتبكة حاليا فى تصنيف الاستراتيجية الأمريكية من الثورات العربية إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى موجهة أساسا إلى مصر وتونس؛ حيث نجحت الثورتان بطرق سلمية، رغم وقوع بعض الضحايا، وتم القضاء على النظم الحاكمة، والبدء فى اتخاذ خطوات تجاه بناء دولة ومجتمع ومؤسسات ديمقراطية؛ ففى هذه الحالة تحاول الولاياتالمتحدة من جهة دعم بناء الديمقراطية الناشئة فيهما، ومن جهة المحافظة على نفوذها التقليدى هناك، إلا أن أهم ما يميز أهداف واشنطن هو احتواء هذه النظم الديمقراطية الوليدة، وعدم السماح بتغيير كبير فى السياسات، والاكتفاء بتغيير بعض رموز نظم الحكم. الفئة الثانية موجهة إلى ليبيا واليمن؛ إذ أقرت واشنطن بضرورة تغيير النظام فيهما بعدما بدا لها أن حاكمى الدولتين معمر القذافى وعلى عبد الله صالح نفذا عمليات عنف منظم وغير مبرر ضد شعبيهما، وأن بقاءهما أصبح جزءا من المشكلة لا جزءا من الحل؛ فتدخلت واشنطن عسكريا ضد القذافى، وضغطت بشدة من أجل تنحى عبد الله صالح. الفئة الثالثة: دول لا تزال واشنطن تأمل الإبقاء على نظم الحكم فيها مع إدخال إصلاحات ضرورية. ومن هذه الدول البحرين والمغرب والأردن. وركزت واشنطن فى حديثها مع هذه الدول على أهمية التعامل بجدية مع الإصلاحات، وتجنب نشوب صراعات ونزاعات داخلية حادة. (دراسة عن الاستراتيجية الأمريكية تجاه الثورات لمحمد المنشاوى، الكاتب والباحث السياسى المتخصص بالشئون الأمريكية) أسباب فشل الاستراتيجية هذه الاستراتيجية، كما نلاحظ، تفتقد التركيز وتنحو إلى العمومية التى لا تساعد على بناء موقف متماسك كاف للحركة والتأثير والتغيير فى النسق الدولى و العربى، رغم أنه عُقدت آمال كبيرة على مجىء أوباما إلى سدة الحكم، لكن سرعان ما تبخرت هذه الأحلام وذهبت أدراج الرياح، وبدا أكثر فشلا وتخبطا، خاصة مع تعثر الإمبراطورية الأمريكية وإصابتها بأعراض الشيخوخة المزمنة التى تسببت بتيبس حاد فى الاقتصاد الأمريكى -وصلت تكلفة الحرب على الإرهاب إلى سقف خمسة تريليونات دولار؛ ما كبّد الاقتصاد الأمريكى كثيرا- أفضى إلى تعثر فى الشأن الخارجى كذلك، تجاه سياسة أوباما فى الداخل والخارج، لكن بعد ما يقارب أربع سنوات نجد كثيرا من الباحثين يعبرون عن خيبة أملهم، خاصة بعد أن اكتشفوا أن أوباما لم يقدم جديدا، لكنه استطاع أن يفعله فقط بأسلوب أكثر نعومة؛ فهجمات الطائرات بلا طيار فى اليمن وأماكن أخرى ساعدت على نشر فكر القاعدة لدى الكثيرين، فيما أبادت آخرين، فوصفه البعض بأن «واشنطن غيرت أوباما أكثر مما غيّرها». انتهاء الدور الأمريكى فى المنطقة وعلى ما يبدو أن أوباما آثر ألا يغامر فى السياسة الخارجية، خاصة فى الشرق الأوسط، فى الوقت الذى تثقل كاهله تركة داخلية ثقيلة تتعلق بالاقتصاد، وبتراجع التفرد الأمريكى بالقوة فى العالم لصالح قوى جديدة فى مقدمتها الصين. إن محنة الولاياتالمتحدة فى الشرق الأوسط هى نتاج مرير لأكثر من نصف قرن من الفشل الدائم فى رؤية المنطقة من الداخل، والحد من تأثير المصالح الخاصة فيها. وعليه، ربما تكون الولاياتالمتحدةالأمريكية قد وصلت إلى نقطة نهاية دورها فى الشرق الأوسط.