وزارة النقل ترفع أسعار تذاكر القطارات وأول شريحتين بمترو الأنفاق.. وتؤكد: تغطية مصاريف التشغيل ومواجهة التحديات المالية أهم الأسباب.. وتدعو الركاب لاستخدام الاشتراكات للاستفاة من التخفيضات    أخبار × 24 ساعة.. تحريك أسعار تذاكر قطارات السكك الحديدية والمترو    قيمة نصف تذكرة المترو حسب المناطق.. تعرف على الأسعار والفئات المستفيدة    حزب الله: استهدفنا جنودا إسرائيليين في مسكاف عام بالصواريخ ومرابض مدفعية في مستوطنة كابري بسرب بالمسيرات    الاتحاد الأوروبي وزير خارجية العراق يبحثان هاتفيا تداعيات الحرب على الاقتصاد العراقي    الصفدي وروبيو يبحثان التصعيد الإقليمي.. وواشنطن تدين الاعتداءات الإيرانية على الأردن    الشبكة القومية لرصد الزلازل تكشف تفاصيل الهزة الأرضية في الغردقة    الخارجية الإيرانية: لم نقدم أي طلب للولايات المتحدة لتأجيل أو إلغاء مهلة ترامب    السويد تضرب أوكرانيا بهاتريك جيوكيريس في تصفيات كأس العالم    استعدادا للمونديال.. فرنسا تفوز على البرازيل وديا    ودية مصر والسعودية تشهد 11 تبديلاً لكل فريق    25 ألف.. جماهير منتخب مصر تسيطر على شراء تذاكر مواجهة السعودية الودية    من أجل تأهل أول تاريخي.. 24 دقيقة تقود كوسوفو للتأهل لنهائي ملحق كأس العالم    إيطاليا تتأهل لنهائي ملحق كأس العالم بثنائية ضد أيرلندا الشمالية    بولندا والسويد إلى نهائي الملحق الأوروبي المؤهل لكأس العالم 2026    إصابة 3 أشخاص إثر إنهيار جزئي لمنزل في البحيرة    إعلام عبري: مقتل جندي من اللواء السابع مدرعات في معركة بجنوب لبنان    حريق يلتهم سيارة ملاكى بكورنيش الإسكندرية دون إصابات    إياد نصار: غزة تعرضت لإبادة جماعية.. و«صحاب الأرض» نتاج شعوري بالمسئولية كفنان    أنغام تقدم مش حبيبى بس تتر مسلسل اتنين غيرنا وسط تفاعل جمهورها فى السعودية    أحمد زكي الأسطورة.. 21 عاما على رحيل أحد أعظم نجوم السينما بمصر والوطن العربي    هيئة الدواء: استقرار سوق الدواء وتوافر مخزون يكفي 6 أشهر    سكرتير عام الفيوم المساعد يتابع آخر المستجدات بملف المتغيرات المكانية    وزارة النقل توضح أسباب زيادة أسعار تذاكر القطارات ومترو الأنفاق    أوقاف كفر الشيخ تواصل فعاليات البرنامج التثقيفي للطفل بمساجد إدارة الرياض غرب    متحدث التعليم العالي: الجامعات المصرية لعبت دورا كبيرا للتقدم بتصنيف QS    الإسماعيلى يواجه الشهداء وديا السبت المقبل استعدادا للطلائع بالدوري    كفيفة تهزم الظلام.. «نجاة صهوان» تصنع مهندسًا و طبيبًا وتتوج أمًا مثالية    شعبة المواد الغذائية: عملية صرف السلع التموينية مستمرة على أكمل وجه    البابا تواضروس الثاني يستقبل السفير الهولندي    محلل سعودي ل"حديث القاهرة": صبر الخليج أمام استهدافات إيران له حدود    الأمم المتحدة تدعو الاحتلال لوقف الإخلاء القسري في القدس الشرقية    محافظ بورسعيد يتابع تطوير 24 فصلا لاستيعاب 580 طالبا بمدرسة عقبة بن نافع    إصابة شاب ببتر في ساقه اليسرى إثر اصطدام قطار بقنا    عبدالرحيم علي: خطورة الحوثيون تتركز في مضيق باب المندب والبحر الأحمر بشكل عام    9 مشروبات طبيعية لتنشيط الكبد وتحسين الهضم    تطورات الحالة الصحية ل"حكيم اللوكيشن وصمام أمان الدراما"الفنان سامى عبد الحليم    مستقبل وطن ينظم لقاء مع رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب    غدا .. تكريم المخرج الكبير خالد جلال في الاحتفاء ب"اليوم العالمي للمسرح"    حبس المتهم بمحاولة تهربب 400 ألف بذرة مخدر الميرجوانا بالمطار    نصائح لتخطى الاكتئاب الموسمى    «الصحة» توجه نصائح طبية للوقاية من نزلات البرد في الشتاء    البورصة تختتم بتراجع جماعي لكافة المؤشرات    حكم الحجاب فى الإسلام.. دار الافتاء تجيب بالأدلة الشرعية    بعد موجة الأمطار الغزيرة.. أوقاف كفر الشيخ تواصل تطهير أسطح المساجد ونزح مياه الأمطار    البابا لاون الرابع عشر يهنئ رئيسة أساقفة كانتربري ويدعو لمواصلة الحوار "في الحق والمحبة"    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى كرداسة دون إصابات    بالمرصاد للمتلاعبين.. تموين القاهرة تضبط مخابز ومستودعات مخالفة    ضبط 34 سيارة مخالفة بأسوان ضمن الحملات المفاجئة للجنة السيرفيس    قرار جمهوري بضم الكلية العسكرية التكنولوجية إلى الأكاديمية العسكرية المصرية    بحضور محافظ الإسكندرية.. تشييع جنازة والدة وزير الزراعة بالإسكندرية    دعم أمريكي ألماني.. 8 آلاف طن أسلحة وذخائر لإسرائيل منذ 28 فبراير    أوقاف شمال سيناء في استنفار ميداني لمتابعة جاهزية المساجد وتكثيف أعمال نزح مياه الأمطار    مياه الأمطار تغرق محال تجارية في الشيخ زويد بشمال سيناء    «الرعاية الصحية» تُصدر لائحة التحقيق والجزاءات لتعزيز الشفافية والانضباط    ماذا بعد رمضان؟.. الأوقاف توجه رسالة مهمة للمواطنين بعد انتهاء الشهر الكريم    جرائم التحرش الإلكتروني.. الأوقاف تنشر خطبة الجمعة المقبلة    البابا تواضروس خلال تكريم المتبرعين لحالات زرع الكبد: "التبرع بالكبد نوع من العطاء والبذل والتضحية به يتم إعطاء حياة جديدة لإنسان"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"معادلة العرض والطلب" عاجزة عن تفسير الحالة النفطية الراهنة
نشر في الشعب يوم 07 - 02 - 2015

تبحث هذه الدراسة الوقوف على أسباب تراجع أسعار النفط مع نهاية العام الماضي ، وما نتج عن ذلك في ارتباك المشهد الاقتصادي لكثير من البلدان ، وما ترتب أيضا عن ارباك في المشهد السياسي بالتبعية. فقد تابع أسعار النفط انحدارها مع بداية العام الحالى، إذ انخفض سعر برميل نفط خام غربي تكساس إلى ما دون 50 دولارًا مع بداية شهر يناير
2015. وقد كثرت المقالات والطروحات التي تحاول تلمس أسباب ما يجري في سوق النفط العالمي، بعضها كان أقرب إلى التكهنات، وذلك في ظل زيادة مستوى اللا-يقين حول مسارات أسعار النفط واتجاهاتها في الأمدين القريب والمتوسط. إذ تختلف التوقعات حول متوسط أسعار النفط للعام 2015 بين متفائلة بعودتها إلى مستويات مرتفعة ولا سيما في النصف الثاني من عام 2015، كما تتوقع منظمة الأوبك بناءً على مؤشرات بتحسن أداء الاقتصاد العالمي من جهة، ومن جهة أخرى متشائمة تتوقع انخفاضًا أكبر خلال عام 2015، فعلى الرغم من احتمالية تحسن أداء الاقتصاد العالمي، فإنّ وكالة الطاقة الأميركية تتوقع أن تؤدي تخمة المعروض النفطي إلى انخفاض سعره.
وفي هذا السياق يطرح السؤال التالي نفسه وبقوة: إلى أي حدّ تتأثر أسعار النفط بمعادلة العرض (الإنتاج) والطلب (الاستهلاك)؟ وهل هي فعلًا العامل الوحيد المؤثّر في السعر؟ لا شك أنّ الفروق بين كميات المعروض والطلب تؤدّي دورًا، لكنها ليست الوحيدة، وإنّما هناك عوامل أخرى تؤثّر وفي كثير من الآحيان تأثيرًا أقوى من فروق العرض والطلب في سعر النفط.
العوامل التي تؤثّر في سعر النفط
من العوامل التي تؤثّر في سعر النفط ما يمكن تسميته بالعوامل "السلوكية - النفسية"، وهي مجموعة عوامل تتعلق بسلوك المنتجين والمستهلكين والمضاربين، وقراراتهم بخصوص الإنتاج والبيع والشراء لعقود النفط في السوق العالمية. فقد يستمر المنتجون أحيانًا في إنتاج النفط وزيادة العرض منه على الرغم من انخفاض السعر، رغبةً منهم في الحفاظ على حصصهم تجاه منافسيهم في السوق. وهذا ما أكده بعض وزراء دول منظمة الأوبك، وكذلك أمينها العام مؤخرًا، تبريرًا لقرارها المتخذ في اجتماعها الأخير في شهر نوفمبر 2014، بالإبقاء على سقوف الإنتاج اليومية عند مستويات 30 مليون برميل يوميًا. كما قد يتعمّد بعض المنتجين – أحيانًا - إلى تخفيض أسعار مبيع نفطهم مقابل منافسيهم الآخرين، في خضم توافر معروض كبير في السوق العالمي، لإبقاء سيطرتهم على بعض الأسواق، ضمن ما يمكن وصفه بحرب الأسعار التي يستعر لهيبها، خلال أوقات تخمة المعروض العالمي من النفط وانخفاض السعر، ويقل عند نقص الإمدادات وارتفاع السعر.
وبالنسبة إلى المستهلكين (الشارين) للنفط لأغراض واستخدامات متعددة، فإنّ قراراتهم بالشراء تتأثر بحالة السعر الراهنة وبتوقعاتهم المستقبلية له. ففي حالة استمرار انخفاض السعر لفترة معينة، سيعمدون إلى تخفيض كميات الشراء الفوري، وقد يمتنعون تمامًا عن الشراء الآجل توقعًا منهم لانخفاض آخر في الأسعار، ما يخفّض تكلفة حصولهم عليه. وهذا يعني في نهاية المطاف أنّ مستوى الطلب الكلي العالمي على النفط سينخفض، الأمر الذي من شأنه أن يوجد ضغوطًا باتجاه خفض السعر بغض النظر عن حجم العرض العالمي؛ وفي الحالة المعاكسة، عندما تسود حالة من الاعتقاد أو التوقع بارتفاع الأسعار، فإنّ المستهلكين سيسارعون إلى شراء كميات أكبر (عقود شراء فورية أو آجلة) تحسّبًا لارتفاع الأسعار وأثره في زيادة تكلفة الحصول على النفط.
أما بالنسبة إلى المضاربين والمستثمرين في الأسواق المالية، فسلوكهم يشبه سلوك المستهلكين مع اختلاف الهدف (ولو نظريًا)، فهم يتّخذون قرارات البيع والشراء لعقود النفط الفورية أو الآجلة، بهدف تحقيق أكبر قدر من الأرباح نتيجة الفروق بين أسعار البيع والشراء. وهكذا، عندما يشعرون أنّ استثماراتهم المالية في عقود النفط مهددة بالخطر نتيجة استمرار حالة انخفاض الأسعار، فسيعمدون إلى بيعها لتجنّب الخسائر، ما يعني زيادة في الضغوط على أسعار النفط نحو الانخفاض في الأسواق العالمية. بالمقابل، فإنّ تهافت المستثمرين والمضاربين على شراء الأصول المالية ذات العلاقة بالنفط توقعًا منهم لارتفاع أسعارها وبهدف جني أرباح كبيرة، يشكّل ضغوطًا تصاعدية على أسعار النفط في السوق العالمية.
وتؤثّر العوامل الجيوسياسية في أسعار النفط أيضاً من خلال تأثيرها في الإنتاج والمعروض العالمي، بسبب الكوارث الطبيعية والحروب والنزاعات في أماكن الإنتاج أو طرق النقل والتوزيع أو أماكن الاستهلاك. كما تتأثر الأسعار بالاستقرار السياسي في الدول المنتجة للنفط وبعض الدول الرئيسة المستهلكة له، وكذلك على الصعيدين الإقليمي والعالمي بحيث إنّ حدوث أي نوع من القلاقل السياسية أو الكوارث الطبيعية من شأنه أن يؤثّر في مستويات الأسعار العالمية للنفط صعودًا.
إضافةً إلى ذلك، يُستخدم النفط أحيانًا أداة لتحقيق أهداف وغايات سياسية، تكون في معظم الحالات غير معلنة، وقد تُغلف بغطاء اقتصادي أو اجتماعي. فمثلًا، قد تعمد بعض القوى المؤثّرة في سوق النفط العالمي إلى تغيير مسار الأسعار صعودًا أو هبوطًا بهدف تشكيل ضغوط اقتصادية على دول أخرى، تتباين معها في المواقف السياسية عمومًا، أو فيما يخص قضايا معينة، بحيث يؤدي هذا التغيّر في الأسعار إلى صعوبات اقتصادية في تلك الدول، قد ترغمها على تغيير سياساتها أو تعديلها بالحد الأدنى. بالنتيجة، فإنّ سعر النفط هو حصيلة مجموعة متشابكة ومعقّدة من العوامل ذات الأوزان المختلفة والتأثيرات المتمايزة في الاتجاه، وقد يطغى أحدها أو أكثر في فترة ما على حساب العوامل الأخرى، أو قد ينكمش دوره في فترات أخرى.
ملامح السوق النفطية الراهنة
لا شك أنّ الإمدادات العالمية من النفط قد زادت بشكل ملحوظ في السنوات القليلة الماضية، نتيجة زيادة الإنتاج من خارج الأوبك. فوفقًا لقاعدة بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ارتفع متوسط الإنتاج العالمي من 84.5 إلى 90.16 مليون برميل يوميًا أي ما نسبته 6.6% بين عامي 2009 و2013، وقد جاءت معظم هذه الزيادة من تنامي انتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة. بالمقابل، فإنّ الطلب قد زاد من 84.7 إلى 90.48 مليون برميل يوميًا، بنسبة 6.8% خلال الفترة نفسها، في حين أنّ متوسط سعر برميل خام غربي تكساس ارتفع من 62 إلى 98 دولارًا أي بنسبة 58% خلال الفترة نفسها؛ أي إنّ كلًا من العرض والطلب قد زاد بنسب متقاربة خلال تلك الفترة، ومع ذلك فإنّ السعر ارتفع إلى أكثر من النصف. بالمقابل، خلال عام 2014، بلغ متوسط الإنتاج العالمي 92.18 مليون برميل يوميًا ومتوسط الاستهلاك العالمي 91.39 مليون برميل يوميًا، أي إنّ متوسط فائض العرض عن الطلب لكامل عام 2014 هو 790 ألف برميل يوميًا، وعلى الرغم من ذلك، فإنّ متوسط السعر (خام غربي تكساس) للعام نفسه بلغ 93.62 دولارًا للبرميل (وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية). والسبب الرئيس في انخفاض متوسط السعر لعام 2014 عن مستواه عامي 2012 و2013 هو المستوى المنخفض للأسعار الذي سجل في الربع الرابع منه إذ بلغ 73.16 دولارًا للبرميل مقابل 97.78 دولارًا للبرميل في الربع الثالث من العام نفسه. واللاّفت أنه عندما بلغ فائض المعروض النفطي عن الطلب ذروته في الربع الثاني من عام 2014 (1.2 مليون برميل يوميًا بالمتوسط)، كان السعر في أعلى مستوياته (103.35 دولارًا للبرميل)، على الرغم من أنّ زيادة الطلب قياسًا بالربع الأول كانت محدودة ) كما هو مبيّن في الشكل المرافق أدناه(. في حين أنه عندما تقلص حجم متوسط الفائض اليومي إلى 310 ألف برميل في الربع الرابع من عام 2014، نتيجة انخفاض العرض العالمي واستمرار زيادة الطلب، تناقص السعر إلى 73.16 دولارًا للبرميل، علمًا أنّه وفق النظرية الاقتصادية فإنّ زيادة الطلب على سلعة ما مع ثبات أو انخفاض عرضها، يتوقع أن يصاحبه ارتفاع في الأسعار، عكس ما حدث في الربع الرابع من عام 2014.
بالنتيجة، يبدو واضحًا أنّ تغيرات سعر النفط خلال العام 2014، لم تتحدد بالعلاقة بين العرض والطلب عليه في السوق العالمية، إذ أنّه في الأرباع الثلاثة الأولى من العام، عندما كانت كميات العرض تفوق كميات الطلب، حقق النفط أسعارًا مرتفعة للغاية، وفي الربع الرابع منه وعلى الرغم من انخفاض حجم فائض العرض وزيادة مستويات الطلب، فإنّ السعر قد انخفض بنسبة 25% قياسًا بمستواه في الربع الثالث. وعليه، يبدو أن العوامل السلوكية - النفسية هي التي أدّت الدور الأبرز في تحديد اتجاهات أسعار النفط خلال العام 2014، وتتضمن هذه الجملة من العوامل
عدة مكونات: منها ما يتعلق بسلوك المضاربة في الأسواق، والذي لا شك أنّه أدّى دورًا مهمًا في ارتفاع السعر ولا سيما في الربع الثاني من عام
2014، والدليل على ذلك التصريحات الأخيرة للأمين العام لمنظمة الأوبك عبد الله البدري، ووزير النفط السعودي علي النعيمي التي تدل على أنّ
سعر النفط الذي ساد السوق العالمية قبل انهياره مع نهاية عام 2014، كان مصطنعًا ويعود في جزء كبير منه إلى المضاربات العالمية، ولا
يعكس حقيقة العلاقة بين العرض والطلب.
بالتوازي مع عامل المضاربات - الذي غالبًا ما يمارسه المستثمرون في الأسواق المالية والوسطاء في السوق العالمية للنفط - فإنّ عامل التوقع
لاتجاهات الأسعار (خصوصًا بين المستهلكين) قد أدّى دورًا في تقلبات سعر النفط خلال عام 2014. فعلى الرغم من أنّ الأسعار بلغت ذروتها
في الربع الثاني من عام 2014 (نتيجة عامل المضاربات)، فإنّ حجم الطلب في الربع الثالث ارتفع بشكل كبير (كما هو واضح في الشكل
المرافق)، ويمكن أن يُعزى ذلك إلى توقع المستهلكين ارتفاعات مستقبلية أكبر في سعر النفط، ما حدا بهم لزيادة كميات طلبهم منه. بالمقابل، يبدو
أنّه مع بدء انحدار الأسعار في- بداية الربع الرابع من عام 2014 - بدأ بعض المستهلكين يتوقعون استمرار انخفاض الأسعار، وعزز توقعهم
زيادة المعروض النفطي من خارج الأوبك، وقرار الأوبك في شهر نوفمبر 2014، بتثبيت سقف الإنتاج اليومي عند 30 مليون
برميل يوميًا، ما أدى إلى تقليص حجم طلبهم آنذاك على النفط في انتظار الحصول عليه بأسعار أقل في المستقبل. وهذا ما قد يفسر حدوث زيادة
محدودة في مستوى الطلب في الربع الرابع من 2014، مقارنة بما حصل في الربع الثالث الذي شهد قفزة هائلة في حجم الطلب على النفط.
ويعزو البعض قرار منظمة أوبك الأخير إلى أسباب سياسية مبطنة تم تغليفها ببعد اقتصادي، يتمثل في الحفاظ على حصص السوق، في حين أنّ
بعض دول الخليج النفطية وخاصة السعودية، وبتنسيق مع واشنطن كما ترى بعض التحليلات، تهدف من وراء القرار إلى معاقبة إيران على
سياساتها تجاه جملة من القضايا في المنطقة على رأسها سورية، فضلًا عن مساعي الضغط عليها بخصوص ملفها النووي، كما يجري أيضًا
معاقبة روسيا على مواقفها وتصرفاتها بخصوص الأزمة الأوكرانية، وقضايا الشرق الأوسط، واستخدام إمدادات الطاقة للدول الأوربية أداةً للابتزاز
السياسي.
لا شك، أنّ ثمة مبالغات بهذا الشأن، وبعضها يندرج في سياق "نظرية المؤامرة" التي يجري أحيانًا اللجوء إليها، لتفسير المتغيرات السياسية
والاقتصادية التي يصعب تفسيرها منطقيًا على الساحة الدولية. وينسى البعض في هذا الصدد أنّ جميع الأطراف الفاعلة في سوق النفط العالمية
تتأثر سلبًا بانخفاض أسعاره، وكلما طالت فترة الانخفاض وزاد حجمه، تفاقم الأثر السلبي في الجميع، مع أنّ الأثر يختلف تبعًا لدرجة اعتماد كل
منها على عوائد النفط في ناتجها القومي، ولمستويات الاحتياطيات التي تملكها، والتي من المحتم أن تلجأ اليها - في فترة ما - لسد فجوات الدخل الناجمة عن انخفاض أسعار النفط. ومع بداية عام 2015 استمرت أسعار النفط بالانخفاض وكسرت حاجز الخمسين دولارًا للبرميل، وذلك في ظل وجود خلافات بين دول الأوبك حول صوابية قرارها بالحفاظ على سقف الإنتاج، وبدء حرب أسعار غير معلنة فيما بينها، وذلك مع ورود أنباء عن تخفيضات في أسعار تسليم النفط لشهري يناير/فبراير 2015 لبعض الأسواق العالمية (كما فعلت السعودية والعراق مؤخرًا).
كما تساهم التوقعات بزيادة الإنتاج من خارج الأوبك في استمرار الضغوط على الأسعار؛ فوفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، يتوقع أن يبلغ
متوسط إنتاج أميركا من النفط 9.31 - 9.53 مليون برميل نفط عامي 2015 و2016 على التوالي، وأن يبلغ متوسط الإنتاج من خارج الأوبك
56.84 – 57.37 مليون برميل يوميًا على التوالي خلال الفترة نفسها. كما تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن يسجّل سعر نفط خام غربي
تكساس متوسطًا قدره 54.58 -71 دولارًا للبرميل خلال العامين 2015 و2016، مقابل 57.58 -75 دولارًا للبرميل لنفط برنت خلال الفترة نفسها.
وفي الوقت الذي تتماشى فيه توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية مع توقعات مؤسسات أخرى مثل صندوق النقد الدولي وبنك غولدمان ساكس
حول حدوث انخفاض ملحوظ لمتوسط أسعار النفط عام 2015، قياسًا بعام 2014، فإنّ منظمة الأوبك ماتزال مصرة على تفاؤلها بتحسن
مستويات الأسعار خلال عام 2015، مدفوعة بتحسن الطلب العالمي وأداء الاقتصاد العالمي عمومًا، وفي بعض الاقتصادات الناشئة كالهند
والصين على وجه الخصوص، وهذا ما جعلها تقرر الإبقاء على كميات إنتاجها.
خاتمة
مع ذلك، من الصعب توقع المسارات التي ستسلكها أسعار النفط خلال العام 2015، نتيجة تداخل مجموعة العوامل التي تمت مناقشتها أعلاه، بيد أنه من المرجح أن يعود سعر النفط إلى التوازن بعد المستوى المنخفض الذي يتوقع أن يبلغه خلال الربع الأول من هذا العام، خاصة أنّ انخفاض الأسعار بدأ يؤذي الكثير من منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة، ويدفعهم إلى الخروج من الأسواق. أخيراً، لا يمكن لوم دول الأوبك على انهيار الأسعار الأخير، لأن هذه الدول تستطيع أن تتحكم بمستوى إنتاجها هي، وليس بمستوى إنتاج من هم خارجها. وتخشى الدول المنتجة المركزية العضوة في المنظمة أنه في حالة خفض الإنتاج، سوف يحتل المنتجون من خارج أوبك مكان الدول التي خفضت إنتاجها في السوق، وذلك دون ضمان حصول ارتفاع جدي في الأسعار.
المصدر: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.