موعد فتح باب الترشح على رئاسة حزب الوفد    وزيرا "الأوقاف" و"الشباب" يفتتحان مسجد "السميع العليم" بمدينة برانيس جنوب البحر الأحمر    قرار جمهوري مهم ورسائل قوية من السيسي لحاملي الدكتوراه من دعاة الأوقاف    اسعار كرتونه البيض اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    استقرار اسعار الذهب اليوم 2يناير 2026 فى محلات الصاغه بالمنيا    نقل شعائر صلاة الجمعة من مسجد السميع العليم في حلايب (بث مباشر)    القاهرة الإخبارية: توتر ميداني في حضرموت مع بدء تحركات عسكرية متقابلة    بيان عاجل لمصر و7 دول بسبب تدهور الأوضاع في غزة    جيش الاحتلال: تفعيل صافرات الإنذار في «برعم» ناجم عن تشخيص خاطئ    سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان    الأهلي يؤمن جوهرته قبل الرحيل إلى برشلونة    صندوق مكافحة الإدمان يواصل تنفيذ البرامج التوعوية خلال 2025.. تنفيذ أنشطة في 8000 مدرسة و51 جامعة و1113 مركز شباب للتحذير من تعاطي المخدرات    ضبط قضايا إتجار بالنقد الأجنبي بقيمة 41 مليون جنيه خلال أسبوع    "النجار" يوجه رؤساء الأحياء والمراكز بتوفير أماكن لإقامة شلاتر لتحصين وتعقيم الكلاب الضالة    أبرزها نجوم الهولوجرام، ساقية الصاوي تستعد لمفاجآت فنية وثقافية كبرى خلال يناير    مراسل القاهرة الإخبارية: الاحتلال يستهدف مناطق جديدة جنوب لبنان    جولة مفاجئة لفريق إشرافي بمستشفى حميات الإسماعيلية لمتابعة جودة الخدمات (صور)    اتفاقية تعاون بين بنك المعرفة والمجلس العربي للاختصاصات لدعم بناء القدرات الصحية    الرعاية الصحية: إجراء 2600 جراحة قلب مفتوح للكبار والأطفال بنسب نجاح تضاهي المعدلات العالمية    الثروة المالية للأسر الألمانية تتجاوز 10 تريليونات يورو في 2025    مواعيد مباريات اليوم الجمعة 2- 1- 2026 والقنوات الناقلة    فيلم الملحد يحقق 2 مليون جنيه في يومين عرض    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    وزير البترول يعقد اجتماعًا لبحث تطوير منظومة الرعاية الصحية للعاملين    منال عوض تبحث مع قيادات جهاز تنظيم إدارة المخلفات الوضع الراهن لتنفيذ منظومة ادارة المخلفات    رئيس وزراء بولندا: مستعدون لتقديم العلاج الطبى لضحايا انفجار سويسرا    الصحة: تقديم 1,3 مليون خدمة طبية بالمنشآت الصحية بمحافظة شمال سيناء ..حصاد 2025    كاف يخطر الأهلى بمواعيد مباريات الفريق فى دور المجموعات بدورى الأبطال    الرئيس الصيني يستعد لاستقبال نظيره الكوري الجنوبية في زيارة رسمية الأحد    أيمن أشرف: منتخب مصر يقدم بطولة قوية في أمم أفريقيا    أنجلينا جولى.. صور تبرز الجانب الإنسانى لنجمة هوليود فى مخيمات اللاجئين    أوين: هذا هو ليفربول بدون صلاح    رئيس جامعة طنطا يترأس وفدا طبيا في زيارة تنسيقية لمستشفى 57357    تجديد حبس طالبين 15 يومًا بتهمة انتحال صفة داخل لجان الامتحانات بقنا    النيابة العامة تصدر عدة قرارات حاسمة في واقعة التعدي على طفلة بالعاشر من رمضان    طقس بارد على جميع مراكز وقرى محافظة الشرقية    سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الجمعة 2 يناير 2026    الجيش الإسرائيلي ينشر لواء من الحريديم جنوب سوريا    السيطرة على حريق فى أحد مطاعم المحلة بالغربية    معتز التوني يشعل السوشيال: حاتم صلاح يرفع أي مشهد ويخطف الأنظار    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الجمعة 2 يناير    في خطاب تنصيبه عمدة لنيويورك زهران ممداني يعد بالحكم «بتوسع وجرأة»    طقس اليوم: مائل للدفء نهارا شديد البرودة صباحا وليلا.. والعظمى بالقاهرة 19    التعيين في «النواب».. صلاحية دستورية لاستكمال التمثيل النيابي    علي الحجار يكشف أسرار اللحظات الأخيرة ل«عمار الشريعي»: استنشقنا رائحة طيبة في قبره    المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يؤسس مركزًا إعلاميًا جديدًا    القبض على مسجل خطر سرق أموال النفقة من محكمة الأسرة في الشرقية    القبض على صاحب المطعم و3 من العاملين به في واقعة تسمم 25 شخصاً بالشرقية    كوكب الشرق في وجدان المصريين.. رحلة حب لا تنتهي    المنظمة العالمية لخريجي الأزهر تعلن حصادها داخلياً وخارجياً في 2025    روبي تُبهر جمهورها فى حفل رأس السنة بأبو ظبى    اكتساح في الصالات ومجلس جديد في حصاد الأهلي خلال 2025    أسرار انتقال خطيب مسجد الزمالك للأهلي.. الشيخ عطا يكشف التفاصيل لليوم السابع    الصفقة الشتوية الثانية.. الوداد المغربي يضم نبيل خالي    وكيل الأزهر يعتمد نتيجة المرحلة الأولية من مسابقة حفظ القرآن الكريم    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 1يناير 2026 فى المنيا. اعرف مواعيد صلاتك    ما آداب التصوير فى الحرم؟..وزارة الحج السعودية تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حقوق الإنسان في الإسلام
نشر في الشعب يوم 08 - 09 - 2014

عنى الإسلام بالحقوق والحريات وحقوق الإنسان واعتبرها جزء أركانه التي هي جزء منه ، وربى أبناءه والمنتمين له على ذلك وحرم كل انتهاك لهذه الحقوق والحريات واعتبرها من المظالم التي لا يرضى الله عز وجل ولقد سطر القرآن هذا في كثير من الآيات وأعلنها نبي الرحمة وقال في حديث ، صلى الله عليه وسلم "الظلم ظلمات يوم القيامة.
وفي (12) ذي القعدة (1401ه) الموافق (19) سبتمبر (1981م) عقد علماء المسلمين مؤتمراً في مدينة لندن لبحث
وصياغة حقوق الإنسان في الإسلام صياغة عصرية، إعلاء للدعوة الإسلامية وإدراكاً منهم لما يعانيه عالم اليوم من
أوضاع فاسدة ونظم آثمة، وقد لخصها ذلك الإعلان العالمي على النحو الآتي[1]:
1- حق الحياة.
2- حق الحرية.
3- حق المساواة.
4- حق العدالة.
5- حق الفرد في محاكمة عادلة.
6- حق الحماية من تعسف السلطة.
7- حق الحماية من التعذيب.
8- حق الفرد في حماية عرضه وسمعته.
9- حق اللجوء إلى ديار المسلمين.
10- حق حرية التفكير والاعتقاد والتعبير.
11- حق المشاركة في الحياة العامة.
12- حق احترام حقوق الأقليات.
13- حق الحرية الدينية.
14- حق الدعوة والبلاغ.
15- التمتع بكافة الحقوق الاقتصادية.
16- حق حماية الملكية الخاصة.
17- حق العمل.
18- حق الفرد في كفايته من مقومات الحياة.
19- حق بناء الأسرة.
20- حقوق الزوجة.
21- حق التربية الصالحة.
22- حق الفرد في حماية خصوصياته.
23- حق الارتحال والمقاومة.

ولأول وهلة فإنه يتبين من عرض هذه الحقوق التي أوردها البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام مدى رحابة
هذه الحقوق في التشريع الإسلامي واستعلائها على ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام (1948م)
من الأمم المتحدة.
لقد ادعت الديمقراطية الحديثة أن العالم الإنساني مدين لها بتفرد هذه الحقوق، فزعم الإنجليز أنهم أعرق شعوب
العالم في هذا المضمار، وزعم الفرنسيون أن تلك الحقوق كانت هي القطوف الدينية لثورتهم الشهيرة (المجيدة)
وأنكرت أمم أخرى على الإنجليز والفرنسيون هذا الفضل وادعته لنفسها.
والحق أن الإسلام هو أول من قرر المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان في أكمل صورة لنفسها وأوسع نطاق، فالأمة
الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده كانت أسبق الأمم في السير عليها[2].
إن نظرة الإسلام إلى حقوق الإنسان لتشمل كافة المجالات التي تهتم بالإنسان بصورة شاملة، ومن أبرز هذه المجالات
كما جاءت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام:
1- حق الحياة:
يعتبر حق الحياة أول الحقوق الواجبة على الإنسان؛ إذ يترتب على هذا الحق باقي الحقوق، فإذا عدمت الحياة؛
انعدمت بقية الحقوق، وحق الحياة هو هبة من الله، وقد أجمعت جميع الشرائع والأديان على تقديسه واحترامه
وحفظه ورعايته، وحرمت الاعتداء على صاحبه تحريماً قطعياً، وإنا لا نجد مثيلاً لهذا التقديس والصون نظرياً وعملياً
في غير القرآن الكريم حين يعلن ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي
الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ
بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ [المائدة: 32].
بل شدد الإسلام عقوبة قاتل النفس بأن جعل عقوبته من جنس عمله فقال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45]، ولم يكتف الإسلام بعقوبة القاتل في الدنيا بل
توعده بعقوبة الآخرة فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ
لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93].
أما من يقتل نفسه فإن عذابه لا يختلف عن فعله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قتل نفسه بشيء
من الدنيا عذب به يوم القيامة"­­[3].
بل إن حماية حق الحياة تسبق ميلاد الإنسان، فقد حرم الإسلام الإجهاض، وهو إسقاط الحمل بعد حدوثه، وقد قرر
الفقهاء أن الإجهاض محرم شرعاً، سواء أكان ذلك قبل نفخ الروح فيه أو بعده، ما لم تقم ضرورة من الضروريات
التي تبيح المحظورات.

2- حق الحرية:
يعتبر حق الحرية من أهم الحقوق بعد حق الحياة، إذ يعبر هذا الحق عن إنسانية الإنسان وكرامته ومكانته بين
المخلوقات؛ إذ إن الإنسان يولد ويموت حراً، ولا يمكن لأي إنسان أن يتحكم في حريته التي وهبها الله له، وقد كان هذا
التصور واضحاً لدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقول "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"،
وأصبحت تلك الكلمات شعاراً إنسانياً على مر الزمن.
وحق الحرية يتمثل في جوانب متعددة أهمها:
أ- حرية العقيدة:
والمقصود بحرية العقيدة هنا اختيار الإنسان للعقيدة التي يؤمن بها من غير إجبار من أي مصدر من المصادر غير ذاته
وضميره، كما تعني أيضاً حق الإنسان في ألا يعتنق أي دين، قال تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 256]،
وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 99]،
وقال تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ
يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 29]. ومقتضى هذه الحرية، هو ألا
يفرض على أي إنسان اعتناق دين معين، من أية سلطة كانت ولو كان هو الدين الرسمي للدولة، ولا أن يكره على
مباشرة شعائر دين ما، أو يشترك في طقوسه ومناسكه.
والباحث في التاريخ السياسي للدولة الإسلامية، لا يعثر على حالة واحدة أجبر فيها شخص على اعتناق الدين الإسلامي
كرهاً، فقد التزم المسلمون على مر العصور باحترام الحرية الدينية للجميع، وحافظوا عليه، وتمسكوا به حتى في
تعاملهم مع البلاد والدول التي خضعت لسيطرتهم ونفوذهم، بل سجلوا هذا المبدأ في عبارات صريحة واضحة فيما
عقدوه من معاهدات مع أهل البلاد التي وصل إليها الفتح الإسلامي واستضاءت بنوره.
والحرية الدينية مكفولة للمرأة مثلما هي مكفولة للرجل، وقد أباح الإسلام للمرأة اليهودية أو النصرانية أن تبقى على
دينها وهي زوجة المسلم وأم أولاده، قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ
وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [
المائدة: 5].
واحتراماً لحرية المرأة المسلمة في العقيدة، حرم الإسلام زواج المسلمة من رجل من أهل الكتاب؛ لأنه قد يتناولها
بالتجريح والإساءة لدينها، فهو لا يؤمن به بل هو كافر به، وهذا المسلك لا ينتظر من مسلم يتزوج كتابية؛ لأنه يؤمن
بدينها كما يؤمن بدينه.

ب- حرية الرأي والفكر:
لقد أعطى الإسلام للإنسان حق تبني الرأي الذي يراه مناسباً، وشجعه على التفكير، وحثه على التعبير عن الرأي،
واعتبر ذلك عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه ابتغاء مرضاته، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم : "الدين
النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم"[4].
وحين أراد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب منع المغالاة في المهور، تصدت له امرأة على رؤوس الأشهاد، وساقت إليه
الدليل الشرعي، فلم يزد الخليفة على أن قال: أخطأ عمر وأصابت امرأة.
وقال له صحابي يوماً وهو على المنبر: لو نعلم فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا.. فلم يزد أن قال: الحمد لله أن وُجد في
أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقوم اعوجاج عمر.
إن حرية الرأي وسيلة لإصلاح الأخطاء كما أنها وسيلة لتطوير المجتمع وتقدمه، وحرية الرأي في الإسلام لا تقوم على
مصادرة رأي الآخرين، بل تقوم على سماعها واحترامها وقبولها إن كانت مفيدة، وما أجمل قول الشافعي: "رأيي صواب
يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
أما الشرائع الأخرى فهيهات هيهات أن تبلغ معشار ما بلغته الشريعة الإسلامية، فهاكم أوروبا على سبيل المثال، لم
تعرف تحرير الفكر وإطلاق سلطان العقل قبل الثورة الفرنسية، حتى إن فولتير وروسو اللذين كدحا في هذا المضمار
كدحاً لم يفلتا من اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية تارة، ومن اضطهاد الدولة تارة أخرى، حتى إنه لما آل السلطان إلى
الكنيسة، وكانت لا تقر فكراً لمفكر أو نظرية لعالم، إلا إذا صادف ذلك رغبتها واتجاهاتها الفكرية، فحين اخترع شخص
ألماني مصباحاً يعمل بالجاز، حكمت الكنيسة بكفره؛ لأنه خالف إرادة الرب في أن يجعل الليل المظلم منوراً. وعندما
قال العلماء بكروية الأرض ثارت الكنيسة وعرضتهم على محاكم التفتيش الدينية، التي راحت تحكم بقتلهم، وقدر
عدد من عرض على هذه المحاكم السيئة أكثر من (350) ألف إنسان، بينهم الكثير من مسلمي الأندلس.
ولم يكن حظ الإنسان من هذه الحرية في الحضارات القديمة بأحسن من ذلك، فقد قتل سقراط ضحية آرائه التي
لم تلق تأييد السلطة آنذاك، وأرسطو نفسه ذلك الفيلسوف الذي أثر بفكره على الإنسانية جمعاء، لم يجد بداً أمام
الاستبداد السياسي وقهر رجال السلطة، إلا أن يأوي إلى كهف يعصمه من الاضطهاد الفكري، فانزوى في مخبئه حتى
مات.
ومما هو جدير بالذكر، أن الفقه الإسلامي يفرق في صدد حرية الرأي بين الأمور ذات الصبغة الدينية، والأمور غير
ذات الصبغة الدينية.
فبالنسبة للأمور الدينية لكل مجتهد أن يدلي برأيه في غير موضع النص، ما دام ملتزماً بأصول الدين الكلية، فلا يخرج
عليها، أو يحيد عنها.
أما بالنسبة للأمور غير ذات الصبغة الدينية فللإنسان كامل الحرية أن يبدي من الآراء ما يشاء، ولكن دون عدوان أو
إضرار بالمصلحة العامة أو بمصلحة الأفراد، فلا يكون ذلك التعبير مسيئاً إلى الآخرين، أو كاذباً في تعبيره، بل يسعى
لإظهار الحق و إلى البناء والخير.
3- حق المساواة:
إن الناس في نظر الإسلام سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي، ولا تمييز إلا بالتقوى والعمل الصالح
الذي ينفع المجتمع، ولا يعرف الإسلام أي لون من ألوان التمييز العنصري بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو الدم أو
الطبقة أو غير ذلك، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].
والإسلام يتعامل مع الناس باعتبار انتمائهم الواحد إلى إنسانيتهم، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].
وقد قرر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم المساواة بين الناس، وأعلن وحدة الجنس البشري كما جاء في خطبة
الوداع حيث قال "يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي فضل على
عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى".
وقد مر رجل من وجهاء الناس أمام مجلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل أصحابه قائلاً: "ما ترون في هذا؟
قالوا: رجل من أشرف الناس، وهو حري إن خطب أن يزوج، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله. فسكت
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مر رجل آخر فسألهم: ما ترون في هذا؟ فقالوا: هذا من فقراء المسلمين، وهو حري
إن خطب ألا يزوج، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا خير
من ملء الأرض مثل هذا"[5]، والمساواة في الإسلام حق كامل للنساء والرجال، وللصغير والكبير، للمسلم وغير المسلم،
ولا يعتقد أحد أن هذا الحق للمسلم فقط، فقد حفظ الإسلام لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي حقوقهم، فقد
غضب علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قاضيه حين فرق بينه وبين خصمه اليهودي حين دعا علياً بقوله: يا أبا
الحسن، ودعا خصمه بقوله: يا فلان!
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلتقي بشيخ كبير يسأل الناس الحاجة، فقال له عمر رضي الله عنه : من أي أهل
الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، فسأله: ما ألجأك إلى السؤال؟! فقال: الحاجة والجزية، فالتفت عمر إلى من كان معه
وقال: والله ما أنصفناه!! اقسموا له من بيت مال المسلمين.
حقوق الأقليات: (غير المسلمين من رعايا الدولة الإسلامية):
إن غير المسلمين اللذين يقطنون الدولة الإسلامية على نوعين: أهل الذمة والمستأمنين.

أولاً: أهل الذمة:
هم غير المسلمين الذين يقيمون في ديار المسلمين إقامة دائمة، حتى صاروا جزءاً من الوطن الإسلامي، وهؤلاء كمبدأ
عام لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، ويحق لهم تولي الوظائف العامة.
ثانياً: المستأمنون:
هم غير المسلمين الذين يقيمون في الدولة الإسلامية إقامة مؤقتة، أي: تحدد لهم مدة إقامة مؤقتة، وهو ما يعرف الآن
بتأشيرة دخول الأجانب، وهؤلاء لا يعدون مواطنين، ولا يعدون من أفراد الشعب، ولا يتولون الوظائف العامة، ومع
هذا فالإسلام يأمر بأخذهم بالعدل واحترام حقوقهم وحرياتهم، فإذا دخل الإسلام أحدهم عد مواطناً[6].
المراجع:
[1] انظر: البيانات العالمية عن حقوق الإنسان في الإسلام، منشور في كتيب خاص في 21 من ذي القعدة سنة 1401
ه الموافق 19 سبتمبر سنة 1981 م.
[2] محمد الغزالي، حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة ص: 2.
[3] رواه البخاري.
[4] رواه مسلم. 2/ 37.
[5] أخرجه البخاري في الحدود 5/1958، 2369.
[6] محمد سلام مدكور، معالم الدولة الإسلامية ص: 99.
المصدر: الألوكة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.