الحصر العددي، محمود أبو الخير يقترب من حسم مقعد البلينا بسوهاج    ترامب: عملية الهجوم على كولومبيا تروق لي    ترامب يهدد رئيس كولومبيا: يديرها رجل مريض ولن يستمر لفترة طويلة    «توقف عن التهديد».. رئيسة وزراء الدنمارك ترد على تصريحات ترامب حول جرينلاند    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    فاجعة تهز قليوب.. حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها في «أم بيومي»    «قفلت السكة في وشه».. عمرو مصطفى يكشف كواليس أول مكالمة مع الهضبة    الفنانة إيمان الزيدي تثير الجدل بعد إعلانها الانفصال عن حارس الزمالك السابق محمد عبد المنصف    الصحة: إنشاء مجمع تعليمي طبي متكامل بأرض مستشفى حميات إمبابة لدعم منظومة التمريض    الصحة العالمية تدعو لترشيد استخدام المضادات الحيوية قبل فوات الأوان    مؤشرات الحصر العددي، اقتراب أبوعقرب ورشوان من حسم مقعدي أبوتيج في أسيوط    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    وزير الطيران يعلن تفاصيل طرح 11 مطارًا للقطاع الخاص    بالأرقام.. نتائج الحصر العددي لأصوات الناخبين بالدائرة الثالثة بالفيوم    مهرجان المسرح العربي يكشف تفاصيل دورته الجديدة في مؤتمر صحفي اليوم    إبراهيم عيسى عن فيلم «الملحد»: المشاهد سيضحك ويبكي ويناقش    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    اتحاد الغرف التجارية: وفرة السلع تسمح بوقف الاستيراد من مناطق النزاع دون رفع الأسعار    إندونيسيا: ارتفاع ضحايا فيضانات وانهيارات سومطرة إلى 1177 قتيلًا    أيمن منصور يكشف كواليس تسجيله أسرع هدف في تاريخ أمم إفريقيا    محمد رمضان يفاجئ جمهوره بمسابقة نارية قبل حفل استاد القاهرة    هنا الزاهد تحتفل بعيد ميلادها.. ومهاراتها الفنية تثبت أنها نجمة متعددة المواهب    الاختلاف فى الرأى يفسد للود قضية    ياسر ريان: مشاركة الزمالك بالناشئين أمام الاتحاد السكندرى قرار خاطئ    ندوة بمركز الحوار تناقش تطورات المشهد السياسي في بلغاريا وآفاق العلاقات المصرية- البلغارية    دمياط.. الانتهاء من 548 مشروعا ضمن المرحلة الأولى من حياة كريمة    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    سفيرة فنزويلية سابقة: شركة النفط الفنزويلية كانت مجرد غطاء للفساد والسرقات الكبيرة    مصادرة 2300 زجاجة بمصنع غير مرخص لتعبئة المياه المعدنية المغشوشة بالجيزة    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    السلمية المزيفة للإخوان، كيف يحاول متحدث الجماعة خداع الرأي العام العالمي للإفلات من مقصلة ترامب؟    الاتحاد الأوروبي: احترام إرادة الفنزويليين هو الطريق الوحيد لإنهاء الأزمة    أهم أخبار العالم والعرب حتى منتصف الليل.. العثور على قنبلة يدوية عند مدخل كنيس يهودى فى النمسا.. قتيلان فى غارة إسرائيلية استهدفت سيارة جنوبى لبنان.. والجيش الروسى يسقط 4 طائرات مسيرة تحلق باتجاه العاصمة موسكو    رئيس شعبة الأسماك يكشف السبب وراء ارتفاع الأسعار الفترة الأخيرة    آخر تطورات سعر الريال القطري أمام الجنيه مساء اليوم الأحد    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    للمرة الأولى منذ 47 عاما.. سان جيرمان يفوز على نادي باريس بهدفين    سيف زاهر: منافسة كبيرة بين الأهلى وبيراميدز على ضم موهبة بتروجت    خالد الدرندلي: البنية الرياضية المتطورة تجعل مصر جاهزة لكأس العالم    115 عامًا من المجد والتاريخ، الزمالك يحتفل بذكرى تأسيسه    أمم إفريقيا - بروس: إذا لم نهدر فرصنا لم نكن لنخسر أمام الكاميرون    الوزير يتفقد الخط الرابع للمترو واستعدادات الحفر للفسطاط    أسباب زيادة الوزن في الشتاء    احتياطي السلع الأساسية يغطي احتياجات رمضان.. الغرف التجارية تكشف تفاصيل المخزون الاستراتيجي    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    الصحة تطلق حملة «365 يوم سلامة» لتعزيز ثقافة سلامة المرضى    محافظ الغربية يجري جولة مفاجئة داخل عيادة أحمد عرابي الشاملة بكفر الزيات    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خريف هيكل.. وسقوط الأقنعة (الحلقة الأولى)
نشر في الشعب يوم 26 - 12 - 2013

الابن غير البار بقرية باسوس.. تبرأ منها وتنكر لأهلها ورفض خدمتهم ولم يزرها منذ الستينيات
أقاربه: هيكل شجرة يجب قطعها..لأنه يتجاهل أهله وأقاربه!
أشقاؤه الثلاثة وشقيقتهم ماتوا فى شهر واحد.. ووالدتهم توفيت فى الشهر نفسه
عندما دخل هيكل المدرسة الابتدائيةلم يكن والده قادرا على الإنفاق عليه.. فتكفل شقيقه«عبد الحميد» بدفع نفقات تعليمه
عمه: ذهبت إليه وطلبت مساعدته فى نقل ابنى إلى وحدة قريبة من القاهرة فنهرنى وحذرنى من اللجوء إليه أو زيارته مرة أخرى
ابن شقيقه: لا يجيب طلبا لأحد.. ولا يعامل أهله بالحسنى.. ذهب إليه أخى ليساعده فى اعتماده كمقرئ بالإذاعة فأهانه ووبخه وطرده فهاجر إلى لبنان
ذهبت إليه فى «جوهرة النيل» لأطلب منه عشرة جنيهات لإصلاح باب مقبرة العائلة التى كان والده يدفن بها فنهرنى وكانت مقابلة «زفت»!
قال عن جدة السادات إنها شديدة الفقر..وجده من العبيد الذين وقعوا فى أسر العبودية
قبل أن نصل إلى مشارف قرية «باسوس» كنت أعرف أننى لن أجد صعوبة فى جمع المعلومات عن أسرة الأستاذ هيكل.
فهو نجم ساطع فى سماء الدنيا. ولابدأن أهل قريته يفخرون به, وأن أقاربه نجوم فى قريتهم. هذا أولا.
وثانيا,فإننى لن أجد صعوبة، لأن الفلاح فى أية قرية مصرية، هو نفسه فى أيه قرية أخرى: تلقائى عفوى, يرغب دائما فى التطوع للإدلاء بأية معلومات, حول مايعرف, وما لايعرف!
لكنى فى الحقيقة لم أكن أثق أبدا فى أننى سوف أعثرخلال رحلة الغوص فى الأعماق، بحثا عن جذور الأستاذ هيكلعلى صدفة واحدة تحتوى على لؤلؤة.
كنت أقول لنفسى يائسا: وحتى لو وجدت أصدافا فى أعماق المجهول، فإنها ستكون فارغة. إن صيدى ليس رجلا عاديا. لقد أصبح ظاهرة. إن الناس جميعا يعرفون أنه كان يساهم فى صنع زعامة عبد الناصر، وتغذية أفكاره. هذا فى أقل تقدير. واستطاع أن يجعل من نفسه وبكل الوسائل واحدا من أشهر الصحفيين فى العالم، وأغلاهم ثمنا، حيث يبيع كلمته الواحدة باثنين من الجنيهات الإسترلينية. وكانت كل سفارات العالم، بما فيها السفارات المصرية فى الخارج، تتلقف مقاله الأسبوعى «بصراحة» لتستوحى من بين سطوره ملامح الموقف السياسى الرسمى فى مصر.
كنت أقول لنفسى: هذا الرجل, الذى قال وهو يتحدث عن جدة الرئيس السادات: «كانت أم محمد شديدة الفقر, وكانت مسئولة عن نفسها, وكانت تدبر أمورها بالذهاب إلى بيوت الأحسن حالا فى القرية, تبيع لهم أشياء مختلفة مثل الزبد والجبن». وقال عن والدة الرئيس السادات: وكانت والدته «ست البرين» وهذا هو اسمها ابنة رجل اسمه خير الله. وكان لسوء حظه من العبيد الذين وقعوا فى أسر العبودية, وساقه أحد تجار العبيد من قرب أواسط إفريقيا إلى حيث باعه فى أحد أسواق العبيد فى هذا الوقت بدلتا النيل, ثم أعتقه سادته من أسر العبودية. وكانت ابنته ست البرين مثله تماما, ورثت عنه كل تقاطيعه الزنجية. ومن سوء الحظ أيضا وذلك من التعقيدات الدفينة فى أعماق وجدان أنور السادات أنه ورث عن أمه كل تقاطعيها، وورث مع هذه التقاطيع مشاعر غاصت فى أعماقه إلى بعيد.
كنت أقول إن الرجل الذى قال ذلك عن رئيس الجمهورية,لابد أن يكون«ابن ناس جدا» كما يقول التعبير الشائع, فهو يعلم أن خصومه الكثيرين يحلمون بفرصة مناسبة لتصفية حساباتهم معه, وهم يستطيعون ,ولا شك الوصول إلى جذوره كما فعل وتعريتها كما فعل هو مع السادات.
حين سئل هيكل: لماذا تناول السيرة الشخصية للسادات بهذا الشكل؟ قال: «إن هناك فرقا بين الرجل العام والرجل الخاص.
إن تصرفات وسلوكيات الرجل العام ومزاجه النفسى, والعوامل التى أثرت فى نشأته, ينبغى أن تكون محل اهتمام الناس, ومن حقهم أن يعرفوها ويفهموها».
لقاء فى بيت العمدة
القرية .. كانت تبدو هادئة من بعيد, لكنها تتحلى ببعض مظاهر المدن, فكثير من بيوتها مقام من الطوب الأحمر والأسمنت, وتظهر فى الأفق موجات كثيفة من سحب الدخان الصادر من بعض المداخن, التى نبتت فى القرية حديثا, فهذه علامة لوجود القليل من المصانع الصغيرة.
حسب التقاليد المتبعة فى ريفنا, كان لابد أن نذهب فى البداية إلى بيت كبير القرية, قبل أن نتجول فى حواريها وأزقتها.
فى القاعة الكبيرة الملحقة ببيته دوار العمدة استقبلنا الحاج حلمى حافظ الشلقانى وعمدتها السابق, وبدأ يروى لنا قصة جذور عائلة هيكل، دون أن يجد صعوبة فى استدعاء الأحداث البعيدة إلى ذاكرته, رغم أعوامه السبعين، فبضعها على مائدة الحاضر, وكأنها جرت بالأمس القريب.
قال إن «حسنين» والد الأستاذ هيكل كان رجلا فقيرا للغاية. وكان له أربعة أشقاء: ثلاثة رجال هم عبد الحميد وعلى، وأحمد، وكانوا مزارعين بسطاء وأجراء, إضافة إلى شقيقة واحدة. كان حسنينمتزوجا من فلاحة فقيرة من أهل القرية تدعى «صالحة» وكان لها خمسة أبناء: ثلاثة ذكورهم أحمد ومجاهد وحامد.. وبنتان إحداهما كانت تدعى نعيمة, أما الأخرى فلا أذكر اسمها.
صمت العمدة قليلا, ثم قال فى دهشة:
من العجيب أن أبناء الحاج حسنين الأربعة أحمد ومجاهد وحامد ومعهم نعيمة قد ماتوا فى شهر واحد. والأعجب أن والدتهم أيضا توفيت فى الشهر نفسه.
كيف... حادث؟! أبدا,قضاء وقدر!.
حين قال العمدة ذلك, تصورت فى الحال, أن هناك شبهة جنائية, وراء وفاة أربعة إخوة للأستاذ هيكل من أبيه, ومعهم والدتهم فى شهر واحد. وتساءلت فى نفسى, إذا كان يمكن التحقيق فى قضية مضى على وقوعها أكثر من نصف قرن.
*وأين كان الحاج حسنين فى ذلك الوقت؟
كان قد استأجر محلا صغيرا لبيع الأعلاف والغلال, بعد أن باع بيته فى«باسوس» لشقيقه عبد الحميد.
*وزوجته الثانية, والدة الأستاذ هيكل, هل هى من أبناء «باسوس» أيضا؟
لا.. لقد علمنا بعد سنواتأنه تزوج من فتاة صغيرة من بنات مصر, يزيد عمرها قليلا علىعشر سنوات. لكن أباها تاجر مستور يدعى الحاج عبده سلام, فأنجب منها«محمد» الصحفى, ثم انتقل إلى مسكن آخر فى شارع الجيش. وحين دخل محمد المدرسة الابتدائية,لم يكن والده قادرا على الإنفاق عليه, فكان شقيقه عبد الحميد يتكفل بدفع نفقات تعليمه.
شجرة يجب قطعها!
من حين إلى آخر, كان يفد إلى دوار العمدة واحد أو أكثر من أبناء القرية, فيبدون رغبتهم فى الحديث عن ابن باسوس الكبير الأستاذ هيكل ولكن بكراهية وغيظ شديدين.
*لماذا؟
إنه لم يخدم أبناء قريته فى شىء. بل إنه حتى يتبرأ منها.هل تعرف أنه لم يزرها إلا مرة حين توفى والده, فى منتصف الستينيات,حيث جاء ليدفنه بها, ومرة ثانية, بعد الوفاة بأربع سنوات لنقل رفاته إلى مدفن آخر بالقاهرة!
هكذا قال رجل يدعى مكاوى, وهو شيخ البلد السابق. وأضاف أيضا أن أهل البلد يقابلون جفاءه بكراهية شديدة,حتى أقاربه.
فهو لم يقدم أية مساعدة لأحد. وحين كان يذهب أحد أقاربه إلى جريدة الأهرام أو بيته لمقابلته طلبا لخدمة أو حاجة يحتاجها, كان يعود إلينا باكيا. فقد كان يطرد من موظفى الجريدة, أو من بواب العمارة التى يسكن بها الأستاذ.
وقال لى فلاح بسيط يدعى حافظ عبدالحميد, وهو ابن عم الأستاذ هيكل
الذى تكفل بدفع مصروفات تعليمه إنه ذهب إليهذات مرة, لكى يطلب منه مساعدته فى نقل ابنه «أبو سريع» الذى كان جنديا بالجيش إلى وحدة قريبة من القاهرة لكى يتمكن من رؤيته.وكافح حتى وصل إليه, وعندما قابله نهره الأستاذ هيكل بشدة, وحذره من اللجوء إليه أو زيارته مرة أخرى، وبعدها بأيام فوجئ بنقل ولده «أبوسريع» إلى جبهة القتال.
وتحدث إلينا فلاح آخر من القرية يدعى سيد عبد الفتاح.قال إن الحاج حسنين والد الأستاذ هيكل, هو ابن عم والدته.حين سألناه عن رأيه فى أستاذنا الكبير, قال فى أسى:عندما تكبر الشجرة, فإنه من الطبيعى أن تظلل على المجتمع, الذى رواها ورعاها, وإلا فيجب قطعها!.
*ماذا تعنى؟
الصحفى الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل, ابن باسوس, لم يساعد أحدا منا, لا من أقاربه, ولا من أهل قريته, بينما نحن جميعا نتبع مراحل صعوده باهتمام. إنه لم يأتإلى هذه القرية سوى مرة واحدة.قبل أكثر من 13 عاما,عندما أراد نقل «عظام والده» ومشى.. وكان يرافقه واحد من الأهرام يدعى الأستاذ سيد ياسين.
*هل قابلته؟
لم أقابله فى حياتى والحمد لله, لأنى أعرف أنه يدير ظهره لأهله وأقاربه!
عمى.. لكن بالاسم
خلال الساعة الأولى من وصولنا إلى «باسوس» كانت القرية بكاملها قد علمت بوجود «غرباء» يحاولون معرفة كل شىء عن الأستاذ هيكل,ابنها غير البار.. صحبنا بعضهم فى جولة بأنحاء القرية, بوعد بالحصول على مزيد من المعلومات.
فى إحدى الحوارى الضيقة, أشار بعضهم إلى رجل على بعد خطوات, يرتدى جلبابا بسيطا وطاقية فوق رأسه, كان يجلس على الأرض إلى جانب محل صغير, يمسك بيده راديو «ترانزستور» صغيرا ويقربه من أذنه لدرجة الالتصاق, ولا نعرف ماذا كان يذيع الراديو وقتها, لدرجة الاستحواذ على اهتمامه بهذا الشكل, الذى لا يجعله يشعر بوجودنا, إلا حين نادى أحدهم اسمه عدة مرات, بعد ذلك قدمه لنا: هذا هو حسنين, ابن شقيق الأستاذ هيكل من أبيه.
أهلا وسهلا.
انتفض مرحبا بنا، ثم دخل إلى محله محاولا تهيئة مكان نجلس فيه، وسط بقايا «شكاير» الجبس وصفائح دهانات جدران المنازل. إنه يعمل نقاشا, على قد حاله.
لم يكن الأسطى حسنين, أقل كراهية من غيره من أقاربه وأهل قريته نحو الأستاذ هيكل. دون أن نضيع وقتا طويلا فى تبرير أسباب بحثنا حول الأستاذ هيكل, وقال:
إنه عمى.. لكنى بصراحة, أعتبر أنه كان عمى ومات. قالها بتأثر شديد، ثم روى أنه يعمل نقاشا منذ أكثر من ثلاثين عاما, وأنه قانع الحمد لله بهذا العمل البسيط, رغم أنه يكاد بصعوبة يسد رمق أولاده السبعة وزوجته:محمد 17سنة, صالحة16سنة, أنيسة15سنة, إبراهيم7 سنوات,أحمد4 سنوات,جلال3سنوات, وعبدالحميد6أشهر.
إننى لم أطلب منه شيئا خاصا بى أو بأولادى, لأنى أعرفه. إنه لا يجيب طلبا لأحد, ولا يعامل أحدا بالحسنى. لقد ذهب إليه أخى صالح ذات مرة, كى يساعده فى اعتماده كمقرئ للقرآن بالإذاعة, لكنه أهانه ووبخه وطرده,قائلا له: «ابعدوا عنى» فما كان من أخى إلا أن ترك مصر كلها وسافر إلى لبنان. وتزوج واستقر هناك, ولا يزال يعمل مقرئا فى لبنان.
مقابلة «زفت»
خلال حديثه إلينا كان الأسطى حسنين النقاش يبدو معتزا بكرامته، مفاخرا بكبريائه، حتى وهو يتحدث عن شقائه وكفاحه فى سبيل الحصول على لقمة عيش كريمة لأولاده.
*متى كانت آخر مرة، قابلت فيها عمك محمد؟
منذ ست سنوات تقريبا. ذهبت إليه فى «جوهرة النيل» العمارة التى يسكن بها على البحر، لأطلب منه عشرة جنيهات، لإصلاح باب مقبرة العائلة التى كان والده يدفن بها فى باسوس.
*وهل أعطاك؟
- لا طبعا، وأهاننى بعد أن عملت المستحيل مع بواب العمارة كى يتركنى أصعد إليه.. وكانت مقابلة«زفت»!
*ألا تذهب لزيارة والدته؟
لا.. لا أحد منا يفكر فى زيارتها إنها متكبرة. فهى من بنات القاهرة, ونحن فلاحون . إنها ترفض استقبال أحد من العائلة.
*وأشقاء عمك محمد.. ألا تعرفهم؟
كنت أعرفهم حين كانوا صغارا. أما الآن فإنى أسمع عنهم فقط:عمى فوزى مهندس فى أمريكا, وعماتى خديجة الكبرى موظفة فى بنك، ومتزوجة من موظف معها بالبنك، وتهانى مدرسة بالجامعة, وقد استشهد زوجها, الذى كان ضابطا بالجيش, ثم نادية وليلى. أما أصغرهن فاسمها مها.
200 جنيه.. مع السلامة!
بينما كان الأسطى حسنين يتحدث إلينا, كانت الحارة التى يقع بها محله الصغير قد سدت تماما,بسبب تزايد عدد المحيطين بنا, فى حين كان يبدو أن ثلاثة آخرين يأتون نحونا مسرعين, من بينهم المزارع حافظ حسنين, ابن عم الأستاذ هيكل, الذى تحدث إلينا قبل قليل, وكأنه وجد «القائمة السوداء» للأستاذ هيكلكاملة فى ذاكرته, فجاء ليطرحها أمام الناس.
*تسمح؟
-نعم.
هكذا أراد أن يصل حديثه السابق معنا, وأنه يريد أن يثبت لنا مرة ثانية احتقار الأستاذ هيكل لأبناء العائلة والقربى كلها. قال:
بعد خروج الأستاذ محمد من السجن, فى بداية عهد الرئيس محمد حسنى مبارك، ذهبنا مع عدد من أهالى القرية إلى منزل والدته «هانم» وهذا هو اسمها فى شارع الجيش, لتهنئته بالإفراج، لكنها حين رأتنا نقترب من باب الشقة, سدت الطريق علينا, وأغلقت الباب فى وجوهنا.. هذه واحدة.
*وغيرها؟
حين توفى عمها والد الأستاذ محمد, كان مدينا لوالدى بمائتى جنيه. وبعد الوفاة بعدة سنوات, كنت أمر بضائقة مالية, فذهبت إليه فى«الأهرام» لأطلب المبلغ، وطلبت من السكرتيرة, مقابلته, فدخلت وأبلغته طبعا أن فلاحا فقيرا يريده, جاءت السكرتيرة لتسألنى: ماذا تريد؟ فانفعلت, وقلت لها بغضب شديد: «قولى له إننى ابن عمه حافظ, وإن والده كان مدينا لأبى قبل وفاته بمائتى جنيه.. وإنى أريد الدين» . دخلت السكرتيرة, وعادت بعد قليل لتعطينى المبلغ بطرف أصابعها قائلة «الأستاذ بيسلم عليك, ويقول لك مع السلامة!».
*هل تعرف ياأستاذ ؟.. قال موجها حديثه لى.
-نعم؟
حين كنت فى طريقى إليه, كنت أنوى أن أطلب منه أن يلحقنى بأى عمل فى مزرعته.. سواءخفير أو مزارع، لكنى عدت وقلبى يشتعل حقدا عليه.
هكذا أنهى المزارع حافظ حديثه. وحين كان يتكلم كنت أبحث عن علامة واحدة للدهشة, على ملامح وجوه المحيطين بنا من أقارب الأستاذ هيكل وأهالى قريته, لكن يبدو أن الحديث لم يكن فيه جديد عليهم.
كانت الشمس قد بدأت دورتها نحو الغروب, وبدأ الفلاحون رحلة العودة من الحقول إلى ديارهم , ومن خلفهم أبناؤهم ونساؤهم ومواشيهم, بعد عناء يوم كامل من الجهد والعرق, حين كنا نقترب نحو الطريق العام, مغادرين القرية, التى نمت فيها جذور الأستاذ هيكل.
وقبل أن يودعنا, همس أحد الرجال الذين كلفهم العمدة بمصاحبتنا فى أذنى قائلا:
تعرف ياأستاذإن والد الأستاذ هيكل كان خادما فى دوار«أبويا العمدة».. كان يعمل فى الحظيرة, وينظفها ويرعى البهائم!
وحين لاحظ الرجل أن كلماته أدهشتنى كثيرا , قال : أبويا العمدة رجل عنده أخلاق, ولا يحب أن يحرج أحدا, أو يشوه سمعة أحد. لهذا لم يقل لكم كل ذلك!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.