جيل «z» فريسة مستهدفة بالتضليل والتزييف العميق    براءة الطفولة تحت حصار التضليل الرقمى    محافظ الدقهلية يفتتح السوق الحضارى فى طلخا ومهلة 48 ساعة لتسكين البائعين    مستشار خامنئى: سنستهدف قلب تل أبيب إذا تعرضنا لأى هجوم    صحة غزة نجاح أول قسطرة طرفية منذ إغلاق المستشفى الأوروبي    سوريا.. بدء سريان مرسوم يمنح الجنسية للأكراد    الفئران تثير الجدل بملعب مباراة برشلونة ضد كوبنهاجن اليوم.. فيديو    الزمالك يكشف التشخيص المبدئي لإصابة شحاتة ومحمد إبراهيم    تقرير: بينهم صلاح.. 5 لاعبين مرشحين للرحيل ومثلهم صفقات في ليفربول مع ألونسو    كرة طائرة – الأهلي يوافق على المشاركة في إفريقيا للرجال.. ويستضيف منافسات السيدات    السيطرة على حريق داخل سفينة فى ورشة تصليح بالبدرشين    عبد الرحيم كمال من معرض الكتاب: طه إلياس رحلة بين الغربة والتكنولوجيا    زاهى حواس ل الحياة اليوم: المتحف الكبير ثورة فى تطوير المتاحف المصرية    حياة كريمة.. الكشف على 727 مواطنا خلال قافلة مجانية بقرية الأبطال بالإسماعيلية    مدبولي يُتابع جهود اللجنة الطبية العليا والاستغاثات بمجلس الوزراء خلال شهر يناير 2026    تعرف على موعد مباراة مصر وكاب فيردي في نصف نهائي بطولة إفريقيا لليد    البورصة المصرية تنظم ورشة عمل تدريبية حول المشتقات المالية    هذا العالم.. «مرة أخرى»    النيابة الإدارية تفتتح فعاليات برنامج تدريبي حول التحول الرقمي والأمن السيبراني    يوسف زيدان: كان هناك سوء فهم بشأن رواية سفر العذارى    مباحثات مصرية - تركية للشراكة بمجال إنشاء المدن الطبية والمعاهد التعليمية    حصاد وزارة الدفاع فى أسبوع    ضبط 3 أطنان لحوم غير صالحة للاستهلاك الآدمي خلال حملة رقابية بمركز المنيا    كشف ملابسات مقتل تاجر مواشي على يد مزارع في البحيرة    «أنا وهيبة» رواية حياة    الأنبا إبراهيم إسحق يستقبل الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط ويناقشان تعزيز التعاون بين الكنائس كوسيلة للتفاعل الإيجابي    محافظ البحيرة تكرم المهندسة الحاصلة على المركز الأول في التميز الحكومي بالجمهورية    إكرامى الشحات: الأهلى يواصل دعم رمضان صبحى في قضية المنشطات أيضا    نائب وزير الصحة فى بنى سويف: توحيد الرسائل السكانية نحو ولادة طبيعية آمنة    ظهور مميز ل شيكو في «فخر الدلتا» بطولة أحمد رمزي رمضان 2026    وزارة الخارجية تتابع أوضاع المصريين على متن سفينة بحرية فى إيران    استشهاد شاب فلسطيني برصاص الاحتلال الإسرائيلي في بيت لحم    تمهيدًا لانتقاله إلى الأهلي.. بتروجت يودع هادي رياض    ضبط سائق نقل بعد اصطدامه بسيارة وفراره من موقع الحادث    وزير المالية: سعيد بتكريم مبادرة المراكز اللوجستية    اتحاد الكرة يعلن عدم اعتماد نتائج القسم الرابع    رياح مثيرة للأتربة تضعف الرؤية لأقل من 1000 متر.. الأرصاد تحذر من طقس غدا    وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان تضحيات لا تنسى    وزارة الأوقاف تعتمد ضوابط تنظيم الاعتكاف بالمساجد فى شهر رمضان    كشف ملابسات مشاجرة بالأسلحة النارية والبيضاء في الخانكة    بالأسماء، قرار جمهوري جديد بتعيين 357 مندوبا مساعدا بهيئة قضايا الدولة    تحت إشراف تضامن أسوان.. توزّيع 850 كيلو لحوم على الأسر الأولى بالرعاية بالمحافظه    رانيا أحمد تشارك في معرض القاهرة للكتاب ب "حكاية شفتشي"    السعودية تؤكد عدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها في عمليات عسكرية ضد إيران    بدء وصول المتسابقين المشاركين فى مسابقة بورسعيد الدولية إلى مطار القاهرة    محافظ قنا يبحث مع القيادات التنفيذية سبل تسريع تقنين وضع اليد    طلب إحاطة في النواب لسد الفجوة بين التعليم وسوق العمل والحد من بطالة الخريجين    الرئيس الكولومبي يدعو واشنطن لإعادة مادورو إلى فنزويلا: يجب أن يُحاكم أمام قضاء بلاده    موعد صلاة العصر اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    استمرار الإقبال على معرض القاهرة للكتاب في يومه السابع    أوقاف الشرقية تُجري اختبارات لاختيار أئمة التراويح والتهجد لشهر رمضان    محافظ أسيوط يشهد احتفالية ثقافية وفنية بمناسبة عيد الشرطة وذكرى ثورة 25 يناير    سعر الأرز الأبيض والشعير اليوم الأربعاء 28يناير 2026 فى محال المنيا    فخ الصلح، اعترافات صادمة للمتهم بالشروع في قتل "عريس الشرابية"    الرياضة: إجراءات حاسمة في واقعة وفاة لاعب السباحة يوسف محمد    نتيجة الشهادة الإعدادية في المنيا ترم أول 2026، أولياء الأمور ينتظرون الإعلان الرسمي    كفر الشيخ: توقف حركة الملاحة والصيد بميناء البرلس وسواحل المحافظة الشمالية لسوء الأحوال الجوية    كيف يتعامل مرضى الحساسية مع التقلبات الجوية؟.. «المصل واللقاح» يوضح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مدونة إبن مصر :لماذا دمر الأسد حماة ؟
نشر في المراقب يوم 30 - 04 - 2011

في صباح 30 أيار /إبريل 1945 هوجمت مدينة حماة بالطائرات الفرنسية التي استمرت تلقي قنابلها ومتفجراتها الثقيلة على البيوت أكثر من عشر دقائق ، فأسقط المجاهدون ببنادقهم طائرتين ، وجروا حطام إحداهما من قرية معرين إلى قلب المدينة بعد انتهاء المعركة .
وتبع ذلك وصول حملة عسكرية ضخمة قدمت من حمص تضم عدداً من الدبابات والمصفحات وأربعاً وعشرين سيارة كبيرة مشحونة بالجنود ، ومدفعين من العيار الثقيل ، وكان يقودها الكومندان ( سيبس ) جاءت من جنوب حماة فجوبهت بمقاومة شديدة من مجاهدي تل الشهداء – عين اللوزة - ، فارتدت واتجهت غرباً تريد الوصول إلى الثكنة باختراق جبهة كرم الحوراني - اسم حي غرب جنوب حماة -، وفي الوقت ذاته خرجت فرق الخيالة من الثكنة لنجدتها ، فكانت المعركة الضاربة الباسلة التي استمرت من السابعة صباحاً وحتى الثامنة مساء بين المجاهدين ببنادقهم القديمة وبين قوات نظامية بأحدث الأسلحة والعتاد ، في أرض مكشوفة لا تصلح لحرب العصابات ، وعلى الرغم من وصول سلاح الطيران الفرنسي وقصف المدينة قصفاً كثيفاً أدى لتهديم مئة وعشرين منزلاً ، مع ذلك صمدت المدينة واندحرت الحملة المدرعة وقتل قائدها ( سيب! س) وبعض معاونية من ضباط المدفعية ، وبقيت مئات الجثث في أرض المعركة ، وأسقط المجاهدون طائرة وعطبوا أخرى سقطت في قرية حربنفسه، وغنم المجاهدون سيارتين وعدة رشاشات وسيارة كبيرة مشحونة بقنابل المدفعية ، وعطلوا دبابتين وعدداً من المصفحات ، ومدفعاً من عيار (270) بوصة ومدفعين عيار (75) ملم ، وسحبوا كل هذه الغنائم إلى ساحة العاصي وسط المدينة .
وصمم المجاهدون بعد وصول راكان المرشد ( شيخ عشيرة) مع رجال عشيرته ، صمموا على دخول الثكنة الشرفة الحصينة ( شمال غرب حماة ) ، وفيما هم يعدون العدة لدخولها وصلت طلائع الجيش البريطاني التي أنقذت الجيش الفرنسي من أهالي حماة ، وكانت مهمة البريطانيين فرض وقف القتال ، وكان ذلك يوم 1حزيران/مايو1945 .
و ما ذكرته كان نقلاً عن مذكرات أكرم الحوراني أحد شهود العيان من أبناء مدينة حماة و أحد مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي فيما بعد .
و يؤكد هذا الكلام ما قاله الجنرال البريطاني ( باجيت ) القائد العام للقوات البريطانية في الشرق الأوسط في مذكراته عن تلك الفترة، و كان الجيش البريطاني قد تدخل ليفصل بين الثوار السوريين والجيش الفرنسي ، يقول الجنرال (باجيت ) : لقد أنقذنا الأهالي في سوريا من الجيش الفرنسي عام 1945 ، إلا في مدينة حماة فقد أنقذنا الجيش الفرنسي من الأهالي !!! .
و كان مجاهدي حماة في طليعة الثوار الذين أعلنوا الثورة على الفرنسيين أثناء الثورة السورية الكبرى عام 1925م التي عمت القطر من الشمال و ثورة إبراهيم هنانو ، إلى دمشق و ثورة الغوطة ، إلى جبل العرب و ثورة سلطان باشا الأطرش ، إلى جبال العلويين و ثورة الشيخ صالح العلي ، و قد قاد الثورة في حماة فوزي القاوقجي و سعيد العاص و مصطفى عاشور و عثمان الحوراني و أخرون .
كما شارك رجال حماة في الكتلة الوطنية منذ تأسيسها ، و كان من أبرز رموزها من أبناء تلك المدينة المجاهدة توفيق الشيشكلي و حسني البرازي ، و الدكتور صالح قنباز و كان لهذه الكتلة دوراً بارزاً في عملية المقاومة و التحرير من الاستعمار الفرنسي .
كما استنفرت حماة برجالها أثناء حرب 1948م مع الصهاينة ، فمنهم من دخل مع قوات النقيب أديب الشيشكلي في لواء اليرموك الثاني النظامي، و منهم من تطوع مع القوات الشعبية التي قادها الدكتور مصطفى السباعي ، حتى باتت المدينة شبه خالية من الرجال أثناء تلك الحرب ، و قد خاض هذان الفصيلان معارك شجاعة ، و حققوا فيها انتصارات حقيقية ، جعلت اسم الشيشكلي و السباعي على لسان كل فرد في الوطن السوري الحبيب .
و قد بقيت هذه المدينة قبل و بعد الاستقلال مثال الوطنية و التسامح و التآلف ، حيث عاش فيها المسلمون و المسيحيون جنباً إلى جنب ، و كنتَ لا تستطيع التمييز بينهما لتشابه عاداتهم و ملابسهم ، حتى النساء المسيحيات كن يتحجبن في هذه المدينة المحافظة، و كان أبناء الريف و البادية يفضلون التعامل مع أبناء هذه المدينة المسامحين ، مما جعلها أشهر المدن السورية بالمنتجات الحيوانية و الزراعية ، فأصبح السوريون جميعاً يرغّبون بأجبانهم و ألبانهم ، فيقولون جبن حموي و لبن حموي و سمن حموي و مشمش حموي و خضار حموية ...
و قد شارك أبناء المدينة بكافة أطيافها في الحياة البرلمانية الوليدة بعيد الاستقلال ، بتنافس ديموقراطي تفصل فيه صناديق الاقتراع ، و كنت تجد في هذه المدينة المسالمة ، المسيحي على قوائم الإخوان المسلمين ، كما تجد العربي إلى جانب الكردي ( كآل البرازي و آل الزعيم و آل كوجان و آل الكردي.. ) و التركي ( كآل التركماني و آل العظم و آل التركاوي و آل قوجة و آل القوشجي...)،و أبناء الريف و البادية مع أبناء المدينة ، في تآلف و محبة قل نظيرهما.
و عندما أنقلب العسكر على الحياة البرلمانية و المدنيّة كان أبناء حماة في طليعة الرافضين للديكتاتوريات ، و وقفوا بشجاعة – عندما جبن آخرون - في وجه حسني الزعيم و أديب الشيشكلي ، رغم أن الثاني كان من أبناء المدينة، و الأول كلف رئيساً للوزراء من أبنائها (وهو محسن البرازي) .
فليس غريباً إذاً على هذه المدينة المحافظة و الشجاعة أن تكون في طليعة المدن التي وقفت في وجه العسكر البعثيين الذين وصلوا إلى السلطة على ظهر الدبابة في 8آذار من عام 1963م ، و أعلنوا حالة الطوارئ و الأحكام العرفية منذ ذلك التاريخ،و ألغوا الحياة المدنية و الانتخابات البرلمانية،و منعوا الأحزاب،وبدؤوا بإثارة و استفزاز حفيظة الشعب المؤمن المحافظ ، بأفكارهم الإلحادية التي فرضوها على المجتمع. و رفعوا شعارات : ( يا أخي قد أصبح الشعب إلهاً )، و ( لا تسل عني و لا عن مذهبي*أنا بعثي اشتراكي عربي )، و (آمنت بالبعث رباً لا شريك له* وبالعروبة ديناً ماله ثاني)..
وكانت أحداث حماة التي انطلقت شرارتها في السابع من نيسان 1964م أي بعد عام من استلام عسكر البعث السلطة في سوريا ، دفاعاً عن القيم التي أمن بها شعبنا ، و رداً على استفزازات البعثيين ، و تحرشات الحرس القومي ( مليشيات البعث ) ، حين انطلقت المظاهرات من جميع مدارس حماة مطالبة بالحريات العامة،و وقف استفزازات البعثيين ، و هنا تدخل الحرس القومي البعثي لقمع التظاهرات و عندما فشل ، تدخل الجيش البعثي العقائدي هاتفاً :" هات سلاح و خوذ سلاح* دين محمد ولّى و راح " ،واستغل حمد عبيد وزير الدفاع البعثي تلك الأحداث للثأر من أديب الشيشكلي الرئيس الحموي الذي قُمع عصيان جبل العرب في عهده، فحسم المعركة بالنار و الحديد، بعد أن قتل حوالي سبعين من أبناء المدينة ، ودمر مسجد السلطان فوق رؤوس المحتمين فيه . [وقد كتبت جريدة الحياة في (24/4/1964م) تقول : إن المطلعين على مجرى الأحداث في حماة يقولون إن الذي قصف الم! دينة بالمدفعية هو العقيد حمد عبيد ، وإنه اغتنمها فرصة للانتقام بسبب قصف جبل الدروز في عهد الزعيم أديب الشيشكلي بقيادة المقدم فؤاد الأسود ] .
ويذكر أكرم الحوراني في مذكراته :[ لقد كانت الحجج التي تذرع بها الضباط الطائفيون للانتقام من حماة حججاً مفضوحة ومشبوهة ، ولا أظن الجاسوس كوهين كان بعيداً عن الإثارة الطائفية بين هؤلاء الضباط مما سيأتي تفصيله فيما بعد ، فمن حماة انطلقت كتائب الفداء الأولى إلى فلسطين عام (1948م ) كما كانت حماة أكثر المدن حماساً للوقوف في وجه الديكتاتور أديب الشيشكلي ] . و حكمت المحاكم العسكرية الميدانية - برئاسة الضابط البعثي مصطفى طلاس – بالإعدام على عدد كبير من علماء ووجهاء مدينة حماة ،واقتحمت المحال التجارية المغلقة ونهبت محتوياتها، واعتقل الكثير من المواطنين.
كما أصدرت الجبهة الوطنية الديموقراطية الدستورية وهم مجموعة من المثقفين من محامين وأطباء ومهندسين وصيادلة بياناً بتاريخ (21/4/1964م) جاء فيه : في هذا اليوم نتوجه إلى شعب سوريا الذي لا ينام على ضيم ، ونقول للطغمة الحاكمة :أن الشعب إن أمهل فهو لا يهمل، وأن ساعة الحساب قد دقت . إن الجبهة الوطنية الديموقراطية الدستورية تدعو كافة المواطنين للالتفاف حولها ومتابعة العصيان المدني حتى تتحقق مطالب الشعب وهي :
1- إلغاء حالة الطوارئ .
2- إطلاق الحريات العامة وإعادة العمل بالدستور .
3- تشكيل حكومة انتقالية من عناصر وطنية تتولى إجراء انتخابات حرة نزيهة لإقامة حكم ديموقراطي سليم .
و لم يقتصر العصيان على مدينة حماة فقط ، بل توسعت لتشمل باقي المدن الرئيسية في سوريا كدمشق و حلب و حمص، على شكل إضرابات واحتجاجات عامة ، و هنا تدخل الرئيس محمد أمين حافظ وطلب مقابلة عالم حماة الجليل ، الشيخ/ محمد الحامد ، و اتفقا على تهدئة الأمور ، مقابل إصدار الرئيس الحافظ عفواً رئاسياً عاماً عن جميع المعتقلين و المحكومين.
وهذه الفتنة التي حصلت في حماة ، و التي لم تعالج بحكمة ، مازال السوريون يعانون من جراحها التي لم تندمل بعد ،و هي التي جعلت الشيخ مروان حديد ينفصل ببعض شبابه عن جماعة الأخوان المسلمين ، مقرراً اللجوء للعمل المسلح ضد السلطة البعثية الغاشمة والتي بدأت باستخدام السلاح والبادي أظلم حسب رأيه.
وكلنا يعلم ماذا حل بسوريا نتيجة هذه الفتنة من أحداث و مجازر مأساوية في نهاية السبعينات و عقد الثمانيات من القرن الماضي ، و آثار تلك الأحداث التي لم تحل حتى الآن ، و التي تبقى تنذر بانفجار البركان.
و استمر الصراع بين السلطة و الشعب – في حماة و سائر المدن السورية – طيلة سنين البعث العجاف ، و كانت المسيرات الشعبية و الإضرابات و الاحتجاجات سمة الشارع السوري ، و كانت الأعياد و المناسبات الدينية و الوطنية ، كعيد المولد النبوي في كل عام مناسبة تذكر بها الجماهير السلطة بأنها لا يمكن أن تتخلى عن مطالباتها المشروعة مهما اشتدت قبضتها الأمنية ، وكانت أحداث الدستور عام 1973م ، و الذي كرست بنوده الهيمنة و الوصايا لفئة فاسدة من المجتمع على رقاب العباد و البلاد، فاندلعت المواجهات الشديدة مرة أخرى،وحرقت فروع الحزب و المخابرات ، و تدخل الجيش ليسكت الشعب بالقوة العسكرية ، و ليسوق العلماء و الوجهاء إلى السجون و المعتقلات .
وتوالت تصريحات القادة البعثيين المرضى التي تنم عن حقد أعمى على هذه المدينة الجميلة الأمنة ، و خاصة من رفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد ، الذي قال في مرات عديدة : " سأمحو حماة من الخريطة "، و " ستقول الأجيال اللاحقة كانت هنا مدينة اسمها حماة "، و " سأجعل حماة مزرعة للبطاطا " ، و " سنقيم مكان حماة حدائق و مزارع و فنادق و مقاصف و مطاعم و نسكر على أنقاضها "
ويقول الحوراني في مذكراته: [ ومن المؤلم أن مدينة حماة قد ظلت بعد أحداث عام (1964م) هدفاً للتنكيل إذ تعرضت مرة أخرى عام (1982م) للتدمير والتنكيل بأهلها بوحشية فاقت كل تصور عندما استباحت المدينة ما يسمى بالقوات الخاصة ، وسرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد ، فقصفت معظم أحياء المدينة على رؤوس أهلها ، واعتدت على أعراض نسائها ، وكانت حصيلة القصف استشهاد أكثر من خمسة وثلاثين ألف شهيد ، من أبنائها وبناتها ، كما هدمت مساجدها الأثرية وقضت على معالمها التاريخية ، ومنها قصر العظم الأثري ، الذي كان متحفاً للمدينة فنهبت محتوياته من التحف الأثرية للعهود التاريخية التي تعاقبت على المدينة ] .
ويقول الحوراني :[ لقد كان هذا الأسلوب الاستفزازي هو الأسلوب الذي اعتادت السلطات البعثية استعماله لتفجير النقمة الشعبية واستدراجها ثم إجهاضها قبل نضجها وتمام استعدادها ، مع استعداد السلطات الكامل لمواجهة الانفجار ] .
و يقول :[ إنني لا أشك أبداً بأن يداً سوداء خارجية كانت وراء ما تعرضت له مدينة حماة في المرتين من خراب وتقتيل وتنكيل وحشي ، وإنه لمن دواعي الأسى والحزن أن يناضل الشعب السوري ويقدم التضحيات خلال أكثر من أربعين عاماً في عهدي الاستعمار الفرنسي والاستقلال في سبيل ترسيخ الوحدة الوطنية بين مختلف طوائفه ومذاهبه ؛ ثم تستيقظ هذه العصبيات الموؤودة بعد الثامن من آذار بشكل مجنون ] .
وفي آذار/مارس من عام 1982م خطب الرفيق الفريق أول حافظ الأسد قائلاً : "ما حدث في حماة حدث و انتهى". هكذا لخص القائد البعثي الملهم شهراً كاملاً من المعارك الوطنية و القومية لجيش الأسد العقائدي؟؟!! ، و المذابح الجماعية الرهيبة ، و الإبادة السادية الشاملة ، و القصف الجوي و المدفعي و الصاروخي ، و استباحة المحرمات و انتهاك أعراض الحرائر ، و قتل الشيوخ و النساء و الأطفال ، و التمثيل بالموتى ، و بقر بطون الحوامل ، وهدم أحياء بمن فيها ، و إبادة عوائل بكاملها ،و دهس المرضى و الجرحى بالدبابات و المجنزرات ،وسرق و نهب المحلات التجارية والمجوهرات والأموال والممتلكات، و تفجير مساجد المدينة وكنائسها، وسرقة المتاحف والمقتنيات الأثرية ، و بتر أطراف السيدات و قطع الأذنين من أجل أخذ المصوغات الذهبية ، و تغيير معالم مدينة من أقدم مدن التاريخ ، على يد سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد و علي ديب و سرايا الصراع بقيادة عدنان الأسد و الفرقة العسكرية الثالثة بقيادة شفيق فياض واللواء (47)مدرعات ، واللواء (21) دبابات ، والفوج (41) إنزال جوي، ، والفوج (114) مدفعية ميدان وراجمات صواريخ ، وعشرات الطائرات المروحية ، و قوات الأمن العسكري بقيادة يحيى زيدان و أمن الدولة بقيادة موفق الزعبي و الأمن السياسي بقيادة وليد أباظة ، و قوات المرتزقة الخاصة ، كل هذا الجيش الكبير العرمرم من المرضى الساديين و الطائفيين الحاقدين و بأوامر مباشرة و متابعة لحظية من الرفيق الرئيس ،استباحوا مدينة حماة الآمنة على مدى شهر شباط كاملاً ، في أفظع مذبحة و أبشع مأساة عرفها العصر الحديث ، فقتلوا أكثر من 30 ألفاً ، و اعتقلوا مثلهم ، و شردوا أضعافهم ، و تركوا المدينة مدينة أنقاض و أشباح ، و هم يفاخرون بنصر كبير حققوه على مدنيين مسالمين ، و مواطنين أبرياء ، يفترض أنهم وجدوا و سلحوا من أموالهم و عرق جبينهم لحمايتهم من العدو الخارجي ،و تأمين أمنهم و سلامتهم ، بعد أن تركوا جبهة الجولان ساكنة سكون المقابر وأفضل جبهة آمنة حسب وصف قادة الصهاينة أن! فسهم ، فلا غرابة إذاً أن يكون شارون و عصابته من المدافعين بقوة من أجل استمرار نظام الأمن و العسكر في حكم بلد أصبح اسمه جمهوراثيّة أسدستان .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.