الأحداث العظيمة تعبر عنها أعمال تحاول الارتقاء بالكلمة أو الريشة أو الآلة الموسيقية إلي مستواها. وفي مناسبة حرب أكتوبر تحدث عدد من الأدباء والنقاد عن انعكاس انتصار العبور علي الإبداعات الأدبية. الملاحظ في تقدير د. شريف عابدين ان هناك ندرة في الإبداع الروائي المتعلق بحرب أكتوبر المجيدة. التي أعادت إلي المواطن العربي كرامته.. من الروائيين والقاصين العرب الذين ساهموا. بشكل أو بآخر. في إثراء الفضاء السردي العربي حول "أدب الحرب" بشكل عام. الكاتب والناقد المصري السيد نجم. حيث جاءت روايته "السمان يهاجر شرقاً" ومجموعته القصصية "أوراق مقاتل قديم" تتويجاً لتلك المشاركة المباشرة. في رواية "السمان يهاجر شرقاً" ينقل لنا الكاتب تجربة حصار كتيبة من المشاة علي الضفة الشرقية للقناة. تقع الرواية في عدة فصول: "العصفور لا يغرد ولا يبكي".. "الطيور الفزعة".. "السمان يهاجر مرتين.. "الثيران تلتهم التورتة".. "الجمل يجتر ما في جوفه".. "ذكر النحل يموت في أنثاه".. "الطيور لا تأكل عشها".. وتحت دلالة تلك العناوين. عايش القاريء تفاصيل التجربة.. الملل والضيق النفسي الذي يعانيه الجنود.. بداية رفع درجة الاستعداد مع استدعاء الجنود من الاجازات حتي بداية المعارك علي غير توقع من الجميع.. هناك أيضا أعمال رائعة. ومعبرة عن الحرب مثل: "الرفاعي". لجمال الغيطاني. و"الحرب في بر مصر". ليوسف القعيد. و"نوبة رجوع". لمحمود الورداني. و"أنشودة الأيام الآتية". لمحمد عبدالله الهادي. و"المرصد". "لحنا مينا". و"رفقة السلاح والقدر". لمبارك ربيع. وغيرها. بعث جديد وفي تقدير الروائي والناقد محمد قطب فإن حرب أكتوبر مثلت بعثاً جديداً للأمة. وكان النصر نوراً أضاء النفق المظلم. لقد واكبت الحرب روح متوثبة. وتعالت الأغنيات والألحان. ودارت عدسات التصوير. وقدمت السينما والمسرح أعمالاً متميزة. وانفعل الأدباء بالحدث العظيم. وحفلت الأعمال الإبداعية بالنماذج البشرية والتضحيات الهائلة التي قدمها المقاتل المصري. وقد عبر نجيب محفوظ عن روح أكتوبر بقوله: روح مصر تجسدت في الجنود. بعد أن تجسدت في زعيمها واتخاذ قراره. وهناك قصيدة لصلاح عبدالصبور يخاطب فيها المقاتل الذي رفع العلم بالقول: رأيتك جزءاً من جيزة علي ترعة.. رأيتك قطعة من صخرة الأهرام منتزعة.. وقد وقفت علي قدميك لترفع في المدي علمًا. وسجل الأدباء المقاتلون تجاربهم في صدق فني مدهش. ففي "أوراق محارب" للضابط الأديب عصام الصاوي رصد للحصار الذي خرجت منه مجموعة من الجنود. ضربت المثل في حب الوطن. وثمة روايات واكبت الحدث. وغلب عليها الحس الوطني المباشر. مثل أيام من أكتوبر لإسماعيل ولي الدين. والرصاصة لاتزال في جيبي. ويشير فتحي سلامة في روايته "أشياء حقيقية" إلي موقف الأم وهم يعزونها في وفاة ولدها شهيدًا. فتقول: أنا ربيته من اللحم الحي لكن ليس خسارة في مصر. الموت من أجل الوطن هو قمة التضحية. ويري د. عبدالرحيم الكردي ان المجموعة القصصية "حالة حرب" للأديب أحمد عبده الذي شارك في حرب 67 وكذلك حرب 73 هي متوالية يمكن أن تشكل رواية. قسمها الفنان إلي مجموعتين. لكن كل القصص عن الحرب التي كان الفنان طرفًا فيها. وتضم المجموعة عددًا من المتناقضات التي عاشها الجنود في 67. وفي 1973 يتحدث عن الحماس الشديد لدي الجنود في المعركة كرد فعل لبشاعة الإسرائيليين في عدوان 67. أما المفارقة الثاتية فهي الحالة التي حدثت لهؤلاء الجنود. عندما تحدثت وسائل الإعلام عن التطبيع. وعن إسرائيل باعتبارها صديقًا. وهذا ما أحدث أزمة نفسية من خلال جندي يعمل علي عربة كارو. وفي قصة أخري يعقد مقارنة بين الأم التي جاهدت وشجرة الدر التي أخفت إعلان موت زوجها الصالح أيوب. حتي ينتصر المصريون علي الحملة الصليبية. وثمة قصص أخري تذهب إلي أن العدو هو العدو لم يتغير. وفي رواية سرابيوم لمحمود عرفات يتحدث الراوي عن ذكرياته تجاه قرية سرابيوم التي شارك في معركتها. والحنين للمعركة وللناس. وتكاتف الجميع مع القوات المسلحة. وبعد العودة يجد الحياة قد تمزقت. الرواية لا تقتصر علي تقديم الجيش. لكنها تصور معاناة الحرب. وكيف تفعل الحرب بالبشر. وحين يعود الراوي إلي سرابيوم تكون الحياة قد انتهت. وتبدل الأوضاع. ويتحدث الكاتب الصحفي عبده مباشر عن كتب عبر بها عن مشاركته كمراسل حربي في حرب العبور: "رجال أكتوبر" عن المقاتل المصري. يوميات أكتوبر عن معارك سيناء والجولان. معارك حرب الاستنزاف. إغراق إيلات. أسرار وحقائق الصراع العربي الإسرائيلي من 48 إلي 73. وأخيرًا كتاب "الحرب الإلكترونية" يقول: هؤلاء أولادي. وقد عشت التجربة. وعشت مع من عاشوها. وتعرفت إلي معلومات مزجتها بالمعايشة اليومية. ما حدث في حرب أكتوبر كوقائع ومعلومات حدث. لكننا للأسف لم نعرف كيف كان يفكر القائد. أو يتخذ قراره. وماذا عن مواقف بعينها وما الصراع الداخلي الذي تعرض له وهو يتخذ القرار. لدينا قصور في التعامل مع السر العسكري والمعلومة العسكرية. ويذهب د. سعيد توفيق إلي أن نصر أكتوبر لم يعبر عنه حتي الآن بما يساوي قدره.. هناك أعمال إبداعية لا أذكرها. وهذا دليل علي انه لا توجد أعمال تمثل علامة بارزة في التعبير عن هذا الحدث العظيم. بالطبع هناك كتب أرخت لهذا الحدث. وقامت بتحليله. ومن أهمها كتب محمد حسنين هيكل. كما ان هناك كتبًا غربية تناولت تلك الحرب. لكن معظمها لم يترجم بعد.. وعمومًا فنحن في حاجة لأن نكتب عن هذا الحدث العظيم. خفايا حصار السويس ويقول القاص ياسر محمود محمد: أول ما أسمع كلمة أكتوبر يتقافز إلي ذاكرتي كتاب المرحوم "حسين العشي" عضو مجلس الشوري السابق والمؤرخ السويسي "خفايا حصار السويس" مائة يوم مجهولة في حرب أكتوبر 1973وقد صدر منه الكثير من الطبعات.. الكتاب رحلة في خبايا حصار مدينة السويس الباسلة خلال حرب أكتوبر.. يؤرخ بالوثائق حياة من بقي في المدينة خلال الحصار. وكيف تم اكتشاف "عين ماء حلوة مازالت باقية حتي الآن" ليشرب منها السوايسة أثناء الحصار؛ بعد أن قطع العدو الغادر عنها مصدر المياه.. كما ان به كشفاً بأسماء المواطنين السوايسة الذين كانوا في المدينة وقت الحصار وبتصفح الأسماء وجدت بها بعضًا من أقاربي وبعضًا ممن أعرفهم الآن وقصة بطولات عدة مثل بطولة الشيخ حافظ سلامة وإبراهيم أبو هاشم وعبدالمنعم قناوي ومحمود عواد وغيرهم.. وكيف تم دحر العدو عن طريق المقاومة الشعبية الباسلة. وقصة قسم الأربعين. وكيف تحصن العدو داخله والشهداء الذين سقطوا بجانبه وعلي سوره. وكيف تمت محاولة احتلال المدينة من محاور ثلاث إلي أن تم سحق العدو عن طريق المقاومة الشعبية التي دمرت العديد من دبابات العدو. كما حمي المدينة فرقة أولاد الأرض الذين استمروا أثناء الحصار. وكان لهم دورهم في حرب الاستنزاف. قائدهم الكابتن غزالي هو جذوة النار التي اشتعلت في قلوب السوايسة حتي استمر دحر العدو.. وبالكتاب ملحق لصور نادرة عن حرب أكتوبر وعن أبطال المقاومة الشعبية والدبابات التي أذكر انني كنت أحتفل بركوب إحداها في صغري أمام مبني المحافظة في العيد القومي لمحافظة السويس 24 أكتوبر. فيا لها من أيام! ويا لهم من رجال! صنعوا لنا أعيادنا وأعياد مصر في ذات الوقت.