أخيراً.. وأخيراً جداً.. رأينا بصيصاً من النور في النفق العربي المظلم.. فقد نجحت المصالحة بين فتح وحماس.. وسيلتئم الشمل الفلسطيني.. وسيتم تشكيل حكومة فلسطينية موحدة.. منذ فترة طويلة لم نسمع كلمة "نجاح" في أي شأن عربي.. ومنذ فترة طويلة لم نسمع كلمة "مصالحة" بمدلول إيجابي تنشرح له الصدور.. لذلك فإن ما حدث بين فتح وحماس يعد انقلابا حقيقيا في مسارنا المضطرب الذي أريد لنا أن نسير فيه الي نهايته البائسة. لاشك عندي في أن كل مواطن عربي مهما كانت ميوله وانتماءاته قد استقبل خبر المصالحة بين فتح وحماس بالبشري.. فقد تمزق الشعب الفلسطيني وتمزقنا معه بما فيه الكفاية.. الي الدرجة التي جعلت الصديق يحزن علينا بينما يبتهج العدو ويخطط لمزيد من الفرقة والانقسام. الآن.. ورغم أن الاتفاق مازال في بداياته.. فقد تبدلت الصورة.. الفلسطينيون بشتي ألوانهم وتنظيماتهم أعلنوا عن سعادتهم باتفاق المصالحة وقرروا الانضمام إليه ودعمه.. العرب جميعا ومصر في المقدمة أكدوا ترحيبهم ودعمهم.. الأصدقاء روسيا والصين والهند وغيرهم أشادوا بالوحدة الفلسطينية واعتبروها البداية الصحيحة للحل السلمي واسترداد الحقوق المشروعة في مواجهة التعنت الإسرائيلي الذي تلاعب طويلا بالمفاوض الفلسطيني ولم يقدم له شيئا يذكر علي مدي سنوات طوال من اللف والدوران. وحدهم الإسرائيليون والأمريكيون الذين اشتعلوا غضبا.. ورأوا أن الصلح بين فتح وحماس والتئام الشعب الفلسطيني يمثل خطرا علي السلام ومستقبل المفاوضات.. وبدأ كل منهما يعلن عن العقوبات التي سيوقعها علي الفلسطينيين.. وكأن من حق كل شعوب العالم أن تتحد وتتصالح مع نفسها إلا الشعب الفلسطيني الذي كتب عليه ان يعيش ممزقا.. ممنوعاً من ان يختار قياداته وحكومته بكل حرية.. ممنوعا من أن يمارس حقه في الدفاع عن أرضه ومقدساته المنهوبة.. فإن فعل ألصقت به تهمة الارهاب وحوصر داخل ارضه الضيقة حتي يموت من الجوع والمرض. حكومة الارهابي السفاح نتنياهو انقلبت علي أبومازن واتهمته بأنه أدار ظهره للسلام بالتصالح مع حماس واعلنت وقف المفاوضات الفاشلة والمتوقفة أصلا.. وقررت فرض عقوبات اقتصادية علي الشعب الفلسطيني ومنع اجراء أية انتخابات في الضفة الغربية تشارك فيها حماس.. وبدأت بالفعل في شن هجمات مسلحة علي قطاع غزة. في الوقت ذاته أعلنت أمريكا أسفها.. وقالت انها تدرس وقف المساعدات التي تقدمها لحركة فتح وللسلطة الفلسطينية. وهكذا غضب العدو.. فلم يكن هناك من يتوقع غير هذا.. ولكن في كل الأحوال ليس يصح غير الصحيح.. والشعوب لاترهن إرادتها علي فرح العدو وغضبه.. والطريق الذي سار فيه الفلسطينيون منقسمين كان طريقا خاطئا.. وكان يجب تصويبه منذ زمن بعيد.. وقد فشل كل جانب منهما فيما خطط له وراهن عليه.. وقد شاء الله ان يعيشا سبع سنوات عجاف.. فلا الذين اختاروا المفاوضات واسقطوا خيار المقاومة نجحوا.. ولا الذين اختاروا المقاومة وحدها ورفضوا التفاوض نجحوا. الآن.. نستطيع أن نقول ان البوصلة الفلسطينية اعتدلت.. فقد ذكر الرئيس الفلسطيني أبومازن ردا علي التهديدات الاسرائيلية إن مصلحة الشعب الفلسطيني في الحفاظ علي وحدة الأرض والشعب ستقوي وستساهم في تعزيز اقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدسالشرقية. وردا علي تهديدات نتنياهو ودعوته للرئيس الفلسطيني كي يتراجع عن المصالحة التي وصفها بأنها نكسة وخطوة عملاقة إلي الوراء قال ابوزمان للمبعوث الامريكي مارتن انديك إن اتفاق المصالحة مسألة داخلية وان الحكومة الفلسطينية القادمة ستكون حكومة تكنوقراط وستتبني برنامجه. ولأن الضربة كانت مباغتة فيما يبدو.. فقد لجأت صحف اسرائيل الي التشكيك في دوافع المصالحة وإمكانية استمرارها. قالت "يديعوت أحرونوت" إن كلا من حماس وفتح أصبحتا كيانين مكروهين من الشعب الفلسطيني والعربي علي السواء.. مدعية أن كلا من حماس وفتح تخشي اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة.. لأن الاتفاقية بجانب انها ستكون ضد إسرائيل فإنها ستحرقها أيضا. وقالت "ها آرتس" ان تقييمات وزارة الخارجية الاسرائيلية ترجح ان المصالحة الفلسطينية بعيدة كل البعد عن التنفيذ والتحقيق.. واشارت الصحيفة إلي أن جناح الاستخبارات في الخارجية الاسرائيلية يؤكد انه لاتزال هناك فجوات عديدة واسعة بين فتح وحماس من أجل اتمام المصالحة الفلسطينية. وللرد علي هذه المهاترات أعلن عزام الأحمد رئيس وفد منظمة التحرير أن أولي ثمار المصالحة ستكون زيارة أبومازن إلي غزة قريبا.. وأن مصر ستفتح معبر رفح الحدودي بشكل كامل فور إعلان تشكيل حكومة التوافق. هذا حديث ما كان.. أما حديث ما سيكون فإن شأنه أعظم..وفي العموم هناك قطاع عريض من المحللين السياسيين يرون ان المصالحة الفلسطينية إذا نجحت وسارت بسلام إلي بر الأمان فإنها سوف تدفع في اتجاه مصالحات أخري قادمة.. سواء داخل الدول المنقسمة أو بين الدول المتشاحنة.. فالنجاح يغري بمزيد من النجاح.. وأول الغيث قطرى.. ومثلما كان صراع فتح وحماس عاملا مهما في انقسام الأمة وتشتيتها فربما يكون وفاقهما عاملا مهما في اجتماع الأمة ولم شملها وتصحيح رؤيتها. دعونا نراقب وننتظر.. فمن يدري؟! إشارات : * مؤسسة الأقصي أعلنت أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي حولت جزءا من باب المغاربة في المسجد الأقصي إلي كنيس يهودي للنساء.. ومازال العرب غارقون في صراعاتهم الداخلية.. لاحس ولاخبر.. نحن نتقاتل داخليا وهم يلتهمون المقدسات.. ولاحول ولا قوة إلا بالله. * 25 إبريل يوم من أروع أيام العزة والكرامة لكل المصريين.. نفسنا نغني تاني "مصر اليوم في عيد". * تري.. لو أن حكومة محلب منتخبة هل كانت تجرؤ علي اتخاذ القرارات الصعبة برفع الأسعار دفعة واحدة؟! * يارب .. هبنا عقلا راشدا يحفظنا من الذلل.. ويخرجنا من الظلمات إلي النور.. يجمع شملنا.. ويحقق أمننا وأماننا يارب العالمين.