شدد خبراء سياسيون ودستوريون لبنانيون على أن حل الأزمة الحكومية التي تشهدها البلاد، وأدت إلى وقف انعقاد جلسات مجلس الوزراء، بعد خلاف على آلية التصويت داخل الحكومة، يبدأ بانتخاب رئيس جديد للبلاد. وتأتي تلك الأزمة في ظل الفراغ الرئاسي الذي تعيشه البلاد، منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان في 25 مايو 2014. وأصدر رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام، اليوم الثلاثاء، بيانا، دعا فيه الفرقاء السياسيين، إلى "تسيير شؤون الدولة بروحية التوافق" في ظل "مرحلة الشغور الرئاسي". وكرر الدعوة إلى "الإسراع في انتخاب رئيس للجمهورية لإعادة التوازن إلى المؤسسات الدستورية"، محددا يوم الخميس المقبل موعدا لجلسة جديدة للحكومة، بعد توقف الجلسات الأسبوعية مدة 3 أسابيع، بسبب خلافات على آلية التصويت داخل مجلس الوزراء. وفشل البرلمان اللبناني منذ أبريل/نيسان الماضي في انتخاب خلف لسليمان، بسبب الخلافات السياسية، الأمر الذي أدى إلى تولي الحكومة مهام وصلاحيات رئيس الجمهورية حسب الدستور، مع اتفاق على أنه لا يمكن صدور أي قرار حكومي إلا بتوقيع كل وزراء الحكومة ال 24، وهو الأمر الذي أدى قبل 3 أسابيع إلى تعطّل الجلسة الحكومية، فحاول سلام منذ ذلك الوقت العودة الى اتخاذ القرارات بالتصويت بالأغلبية لا الإجماع وعلّق جلسات الحكومة، لكنه فشل في تغيير آلية التصويت. وفي هذا السياق، قال إبراهيم بيرم، المحلل السياسي القريب من قوى "8 آذار" التي يقودها "حزب الله" وتدعم النظام السوري الذي يترأسه بشار الاسد، إن "سلام حاول تغيير قواعد التصويت داخل مجلس الوزراء وجعلها أكثر مرونة لكنه فشل"، واصفا ما قام به بأنه "انتفاضة سياسية لكنه لم يستطع استكمالها". ورأى بيرون، في حديث ل "الاناضول"، أنه "لا شك أن اشتراط صدور أي قرار من مجلس الوزراء بموافقة الوزراء ال 24 كلهم، هو عائق لكن لا بديل عن ذلك في ظل غياب رئيس الجمهورية". وأضاف: "يجب أن يرضى الجميع وخاصة الفريق المسيحي (في الحكومة) ممثلا بالتيار الوطني الحر (في حلف 8 آذار) وحزب الكتائب (في حلف 14 آذار الذي يتزعمه تيار المستقبل ويدعم الثورة السورية)"، لافتا أن "لا مشكلة لدى القوى الشيعية وهي حركة أمل وحزب الله في تغيير آلية التصويت، وهما أبديا دعمها لسعي سلام لتغييرها لكن المشكلة عند المسيحيين". وتصر القوى المسيحية في الحكومة، في ظل الشغور في الرئاسة الأولى التي يجب أن يتولاها مسيحي لبناني ماروني، على أن يكون لكل وزير في الحكومة حق الفيتو على أي قرار وذلك كوسيلة للضغط باتجاه انتخاب رئيس جديد للبلاد. وقال بيرم، إن "أساس المشكلة هي أن هناك ثغرة دستورية، ذلك أنه لم يتوقع أحد من واضعي الدستور أن يستمر فراغ رئاسي في البلاد طوال هذه المدة، ولذلك ما تقوم به الحكومة الآن لناحية اشتراط موافقة 24 وزيرا على كل قرار هو عرف دستوري يطبق لأول مرة". وشدد على أن سلام "نجح في قيادة الأمور طوال سنة، لكن مع الوقت سيواجه المزيد من المشكلات التي لن يحلها إلا انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وهذا أمر مستبعد في المدى المنظور"، مشيرا الى أن "سلام بين استحالتين: استحالة الاستقالة واستحالة تعطيل مجلس الوزراء". بدوره، قال القيادي في "التيار الوطني الحر" انطوان نصرالله ل "الاناضول"، إن "عودة سلام عن المطالبة بتغيير التصويت يعود إلى أن الجميع يدرك أنه من مصلحتهم تسيير شؤون البلاد"، مضيفا "تغيرت النوايا فقط (باتجاه تسيير عمل الحكومة) وليس هناك من تغيير في آلية اتخاذ القرارات". ورأى نصرالله أن "الأزمة الحالية سياسية لكن الدستور في لبنان لا يجد حلولا للأزمات السياسية حين تتعلق مثلا بانتخاب رئيس وتشكيل الحكومة وانتخاب برلمان جديد"، مشددا على أن "الحل للأزمة الحالية يبدأ بانتخاب رئيس للجمهورية لكن الحل الأساس هو تعديل الدستور". فيما قال الخبير الدستوري صلاح حنين ل "الاناضول"، إن "المشكلة أساسا بدأت مع الرئيس سلام لأنه لم يطبق الدستور كما تنص المادة 62 بأن الحكومة في حال شغور الرئاسة تمارس صلاحيات الرئاسة بالنيابة عن الرئيس، كما خالف آلية عمل الحكومة كما تنص عليها المادة 65 من الدستور، بأن الحكومة تعمل نيابة عن الرئيس كما تقوم بالعمل أصالة عن نفسها، أي إذا تعذر التوافق فبالتصويت". وأضاف حنين أن سلام "تجاوز ذلك وصار لكل وزير الحق في أن يتمتع بالفيتو على أي قرار حكومي ويمنعه من الصدور، وهذا غير مقبول لأنه يجعل صلاحية الوزير أقوى من صلاحية الرئيس الذي حتى في حال وجوده فإن امتناعه عن توقيع قرار حكومي لا يمنع صدور هذا القرار". وشدد على أن مخالفة الدستور أوصلت سلام إلى "الحائط المسدود، وحين أراد الرجوع إلى الآلية الدستورية واجه مشكلة". ورأى حنين أن التذرع بأن إعطاء كل وزير حق الفيتو بهدف عدم إقصاء المسيحيين وبالتالي عدم مخالفة ميثاق العيش المشترك "غير صحيح ذلك أنه لا تناقض بين الدستور والميثاق". لكنه أوضح أن "الحل باعتماد المادة 65 مؤقتا في ظل الفراغ الرئاسي الحالي الذي لا يجب أن يطول"، مؤكدا أن "الحل الأساسي هو بانتخاب رئيس للجمهورية لأن وجود الرئيس يؤدي إلى انتظام عمل المؤسسات".