في ظهيرة يوم من أيام الله، وتحت أشعة الشمس الذهبية المتوهجة، ذهبت مع إخوتي لأشاركهم حصاد زرعهم في موسم الأرز، وبينما نحن منهمكون في العمل كل في مهمته، إذ بسيدة سمراء البشرة، قوية البنيان، تحمل على ظهرها خُرْجاً به بعض أغراضها، وعلى كتفها طفلة تبدو في السنة الأولى من عمرها، وإذا هي سيدة من الأعراب تجوب الأرض بحثاً عن رزقها ورزق طفلتها وربما أسرتها، وإذا بها تطلب شيئاً من مخلفات قش الأرز التي يختلط بها شيء من حب الأرز القليل، وهي تطلبه في جسارة وعزة نفس -ولا أدري لماذا ذكرتني في هذه اللحظة بأنثى الأسد- وبعد أن أخذته انتقلت به إلى جانب من الحقل ووضعت ابنتها على الأرض، ثم أخذت في تنقية هذا القدر القليل من القش في عزيمة ودأب، حتى أخرجت منه قدراً ضئيلاً جداً من الأرز الخالص، بينما الطفلة تأكل من خشاش الأرض، ولعلها تسعى بذلك كله إلى أن تبيع هذا القدر لتستطيع أن توفر لطفلتها ما تقدر عليه من ضروريات الحياة. وبمجرد أن رأيت هذا المشهد تصارعت الأفكار داخل عقلي؛ فمرة أتذكر عظيم فضل الله عليَّ وعلى أهلي؛ إذ رزقنا رزقاً حلالاً واسعاً دون أن نعاني ما تعانيه هذه المرأة المسكينة. وثاية أتذكر مرحلة الطفولة وما كنت أنعم به فيها من مداعبة الأب والأم –رحمهما الله- في ظروف أفضل كثيراً من ظروف هذه الطفلة البائسة. وثالثة أتذكر سيدات وهوانم المركز القومي لحقوق المرأة، ومراكز رعاية الطفولة والأمومة؛ بملابسهن المستوردة الأنيقة، ونظاراتهن الشمسية الجميلة، وما يصدعوننا به من حديث حول قضايا المرأة التي تشغلهم، من أمثال حق الطلاق ولماذا لا يكون بيد المرأة، وحق الزوجة في أن تخلع زوجها إذا هي رأت منه ما يعيبها، وحق المرأة في أن تتولى الرئاسة والوزارة والقضاء، وغيرها من المناصب العليا في الدولة، وحق المرأة في لبس البنطلون الجينز، وكشف الشعر المصبوغ بأحدث الألوان ... إلخ، على وجاهة بعض هذه المطالب. وقلت في نفسي: هل أنشئت هذه المراكز لتدافع عن حقوق الهوانم فقط؟ وأين هؤلاء الهوانم من هذه المرأة المسكينة التي لا تجد مسكناً يؤويها، فضلاً عن أن تجد لطفلتها مدرسة جميلة تتعلم فيها، أو لقمة عيش تأكلها دون حاجة إلى مصارعة البشر بهذه الطريقة الصعبة. ومرة رابعة تذكرت وجهاء القوم، من رجال السياسة والفن والأدب والثقافة، وما يشغلوننا به من خزعبلات سياسية، وتلفيقات إعلامية، ومعارك ثقافية تافهة، وألبومات وأفلام هزيلة لا تساعد إلا في مزيد من الانحطاط والتردي الأخلاقي، وليس هناك من رابط بين كل هؤلاء الوجهاء جميعاً إلا أنهم يحصلون من خلال هذه الأعمال على ملايين الجنيهات، بينما هذه المرأة المسكينة تبذل كل هذا الجهد ثم هي لا تحصل منه في النهاية سوى على دراهم معدودة تكاد تسد بها رمقها ورمق أطفالها. ثم تذكرت أخيراً الحكومة بوزرائها ومستشاريها، وقلت: هل لهذه المرأة وابنتها مكان على خريطة اهتمامات هؤلاء الوزراء والمستشارين؟ وختاماً أقول: لقد أحس سيدنا عمر بجسامة المسؤولية التي تحملها عندما تولى خلافة المسلمين، حتى إنه قال فيما يروى عنه: "لو تعسرت بغلة في العراق –وكان بالمدينة- لخشيت أن يسألني الله عنها، لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟"، فهل أحس مسئولونا بجسامة ما تحملوه من أمانة، بحيث يفكرون في هذه المرأة وأمثالها وهم في قصورهم ودواوينهم؟ أو هلا فعلوا مثلما فعل عمر الذي أتاه أعرابيٌ قد قرص الجوع بطنه، وبه من الفقر ما به، ووقف على رأسه وقال: يا عُمَرَ الخيرِ جُزِيتَ الجنه
اُكسُ بُنَيَّاتي وأُمَّهُنَّه
وكُن لنا في ذا الزمان جُنَّه
أُقسِم بالله لتفعلنه
فقال له عمر: وإن لم أفعل يكون ماذا؟ قال: إذاً أبا حفصٍ لأمضينَّ، قال: وإذا مضيتَ يكون ماذا؟ قال: والله عنهن لتُسأَلَنَّه
يوم تكون الأُعطياتُ مِنَّه
وموقفُ المسئولِ بينَهُنَّه
إما إلى نارٍ وإما جَنَّه
فلم يملك عمر -رضي الله عنه- إلا أن ذرفت دموعه على لحيته، ودخل ولم يجد شيئاً في بيته، فما كان إلا أن خلع رداءه وقال: خذ هذه يوم تكون الأعطيات منة، وموقف المسئول بينهن، إما إلى نار وإما جنة. وصدق رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".