الفضيحة التي تم ضبطه متلبسا بها في مقالي أمس وفي تعليقات كثيرين ، جعلت جهات سيادية تمسح البلاط باللواء ثروت جودة ، لأنه كشف برعونة ونشوة الإحساس بالانتصار عن وقائع وأسرار ما كان لها أن تعلن بهذه البساطة ، والحقيقة أن ما قاله وكيل جهاز المخابرات العامة السابق كان يحتاج فقط إلى إعادة تركيب قطع الصورة التي قدمها لكي ترى المشهد المصري في مؤسساته الحساسة بشكل واضح ، منذ تفجر ثورة يناير وحتى الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب ، محمد مرسي ، وما قاله ثروت جودة سبق وتناثر في تصريحات وأحاديث العديد من القيادات الأمنية والاستخباراتية المماثلة ، الذين ظهروا في أعقاب الإطاحة بمرسي على الفضائيات منتشين بالنصر ، ويستعرضون كيف كانوا يخططون للإطاحة به ، ومستوى الكراهية والمرارة في كلامهم كان خارج نطاق التصور ، هذا ما كان يقدمه اللواء حمدي بخيت وغيره ممن يقدمون في فضائيات رجال الأعمال وفي تليفزيون الدولة الرسمي بوصفهم خبراء استراتيجيين . اللواء ثروت جودة بعد التوبيخ الشديد الذي أتاه من قيادات رفيعة من مؤسسة الرئاسة وغيرها ، قام بمسح الحوار من صفحته على الفيس بوك ، ومسح التعليقات التي يتباهى فيها بالحوار وكلمات الشكر والتحية التي قدمها للصحيفة التي نشرت الحوار ورئيس تحريرها والصحفية التي أجرت الحوار معه ، كان منتشيا كثيرا بالحوار ، وسعيدا للغاية بنشره ، وبعد التوبيخ قام بمسح كل ذلك ، ثم قال أن الصحيفة لم تكن أمينة في نشر الحوار ، لكنه لم يجرؤ على تكذيبه صراحة ، وقد ردت عليه الزميلة "الوطن" بتهديده بنشر نص التسجيل الصوتي كاملا على شبكة الانترنت ، وفي تصوري أن هذا الجدل سيهدأ خلال أيام قليلة ، لأن أكثر من طرف يهمه تبريد هذا الجو ، ودفن هذه المعلومات الخطيرة التي قدمها وكيل جهاز المخابرات . لم يكن الخطير في حوار الرجل فقط ما قاله عن التآمر المؤسسي على الرئيس الشرعي للبلاد وتضليل الأجهزة له والتلاعب به وإعطائه معلومات مضللة وغير صحيحة ، وهو رئيس الدولة ، بل الأخطر في كلامه أنه أعطى الانطباع بأن مؤسسات الدولة السيادية كانت تعيش حالة صراع حاد بين قياداتها ، حيث كان الجيش وأجهزته يزعجها نفوذ المخابرات العامة وتحمل كراهية شديدة لرئيسها القوي صاحب النفوذ الطاغي على مبارك "عمر سليمان" ، وأن قائد الجيش المشير طنطاوي كان لا يطيق سليمان ورفض أن يمكنه من رئاسة الجمهورية بأي حال من الأحوال ، وهو ما يسيء إلى الجيش بوصفه تواطأ على تزوير الانتخابات والتلاعب بها ، أيضا ما قاله بغرابة شديدة أن الجيش أو 95% من الجيش على حد تعبيره الدقيق أبلغوا السيسي القائد العام بأنه إذا لم يتخذ قراره بالإطاحة بمرسي فإن الجيش سيتحرك ، وهو كلام إن صح يعطي حجة دامغة لأصحاب نظرية أن ما حدث كان انقلابا عسكريا وأن التحضيرات الشعبية كانت مجرد غطاء لتمرير الانقلاب أو ستر وجهه الصريح ، لأن الجيش قرر التحرك بالفعل ، وكان ذلك قبل أسبوعين من 30 يونيه ، وهذا الكلام ربما يعطي الانطباع أيضا بأن السيسي كان مترددا في قرار إطاحة مرسي ، وأنه تعرض لضغوط من قادة المؤسسة لحسم الأمر ، وهذا المعنى قاله سابقا مؤسس حركة تمرد حسن شاهين في حوار له نشر أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة ، حيث قال أن السيسي حتى صبيحة يوم 3 يوليو كان يطرح فكرة أن تصدر دعوة للاستفتاء على بقاء مرسي أو رحيله . ما قاله ثروت جودة ، وكيل جهاز المخابرات السابق هو جزء يسير من "الحدوتة" ، والمؤكد أن أسرارا أكبر تحيط بما جرى خلال العام الذي حكم فيه محمد مرسي وما بعد الإطاحة به ما زالت غير معلنة ، كما أن بعضا من أهم أقطاب تلك المرحلة صامتون ، لأسباب لا نعرفها ، بل واختفوا عن الأضواء تماما ، فلم نسمع مرة واحدة حديثا للواء رأفت شحاتة ، رئيس جهاز المخابرات العامة الذي تم تعيينه في عهد مرسي ، وكان قرار الإطاحة به من منصبه أول قرار جمهوري يصدر مساء يوم 3 يوليو ، بما يعني أنه كان أولوية قصوى وخطيرة ، هل يمكن أن يصل أحد إلى رأفت شحاتة ليسجل شهادته ، وهل يمكنه أن يتكلم ، بل ، هل يعلم أحد أين هو رأفت شحاتة الآن .