تابعت كغيري من الأزهريين ما شنه بعض المثقفين –زعموا- عبر بعض وسائل الإعلام الخاصة، من هجوم شرس على الأزهر الشريف، وتمثل ذلك في الهجوم على المقررات الدراسية الأزهرية، بشكل لا يحدث إلا من أناس مسلوبي الإدراك والتمييز، ولا يفرِّقون بين ما ينفعهم وما يضرهم. وبادئ ذي بدء: لا يُمارِي أحد من الأزهريين (المنصفين) في أن لغة كتب التراث ينبغي أن يبذل فيها جهد كبير؛ حتى تدنو من أفهام الناس وعقولهم من جهة، وحتى تكون صالحة للتطبيق في أرض الواقع من جهة أخرى؛ فقد كتبها أكابر العلماء لمن هم مثلهم، وكتبوها لزمانهم بما يتناسب معه من مفردات وصور وأمثلة شارحة. كما لا ننكر أن بمؤسسة الأزهر بعض أوجه التقصير التي ينبغي على أبناء الأزهر أن يواجهوها دون استحياء منها أو تكبر عليها. وليس معنى ذلك أن يأتي بعض المثقفين، الذين لا علاقة لهم بكتب التراث سوى البحث فيها عن صور وأقوال شاذة، فيطالبون بحذف أجزاء كاملة منها، فهذا ما لا أقبله، ولا أرضاه لأهل بلدي الحبيب مصر. أمَّا أني لا أقبله فهذا لأني قد تربيت على هذه الكتب، وبيني وبينها رباط متين، أدركت من خلاله عظمة هذه الكتب وأهميتها، وكما يقول القائل: ولو أن عازِلي صَبَا صبابتي صَبَا معي، لكنه ما ذاقها. وأما أني لا أرضاه لأهل بلدي الحبيب، فسببه أني لا أرضى لهذا البلد أن ينتشر فيه التعصب والعنف وسوء الفهم. والسؤال هو: ما علاقة كتب التراث بالتعصب والعنف وسوء الفهم؟ ولبيان ذلك أقول: هناك علاقة قوية جداً بين هذا وذاك، فمصر التي حباها الله بالأزهر لم تعرف منذ مئات السنين معنى الحروب الأهلية –والحمد لله-، ولا معنى العنف والإرهاب الذي نراه في بعض الدول المجاورة، ولعل من الأسباب الكبرى في ذلك –من وجهة نظري- هو الأزهر، وما يُدرس فيه من مقررات، كيف ذلك؟ كتب التراث التي يدرسها طلبة الأزهر لها مميزات كثيرة جداً؛ لعل أهمها من وجهة نظري: أن دارسها تتربى فيه قيمةٌ عظيمة -ما أشد احتياجنا إليها اليوم-، وهي قبول الرأي والرأي الآخر، وهذه قيمة كبيرة جداً، يفقدها كل مَن درس خارج الأزهر تقريباً. إذ كيف أدرس في الأزهر الخلافات الفقهية وأسبابها عشر سنوات متصلة ثم أكون متعصباً لرأي واحد كما هو حال غير الأزهريين –في معظمهم-؟ ثم إذا سلَّمنا بما يقوله هؤلاء النفر الذين لا يعرفون خطورة ما يدعون إليه، ماذا ستكون النتيجة؟ النتيجة ستكون ما يلي: 1- زعزعة ثقة الناس في الأزهر؛ وهم الذي أحبوه لمئات السنين، والسبب في ذلك أن الأزهر قد تلاعب بكتب الأئمة الذين يُكِن لهم المصريون وغيرهم حباً كبيراً واحتراماً شديداً، تعرف هذا الحب وذاك الاحترام عندما يُذكر هؤلاء الأئمة أمام عامة الناس. 2- أن ما سيحذفه الأزهر من كتب التراث سيبقى في المصادر الأصلية، التي تباع خارج الأزهر لطلبة العلم، وحينها سنكون أمام كارثة كبيرة، ألا وهي سوء التأويل والفهم لنصوص الأئمة –رضوان الله عليهم . فبدلاً من أن تُدرَس هذه النصوص في الأزهر، وتُفهَم، ويُرَد على غريبها، ستكون نهباً لأصحاب العقول الضيقة، والنزعات المتشددة، وحينها ستكون الداهية الدهياء. إن ما يفعله الأزهر بتدريس كتب التراث هو كالتطعيم الذي يعطيه الأطباء للمرضى ضد العدوى والفيروسات، فكيف يُنكَر على الأزهر ولا يُنكَر على الأطباء؟ وكما يقولون: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه. ينبغي أن يكون القوم أعقل من ذلك، وأن يدركوا أن الأزهر هو رمانة ميزان الشريعة فعلاً وواقعاً، ولولاه لتعرضت الشريعة لطعن الطاعنين وغلو الغالين، وأحسب أن ذلك لن يحدث، لأنه محفوظ بحفظ الله له؛ الذي تكفل بحفظ دينه وشريعته وذِكرِه. محاسبة الأزهر يا سادة ينبغي أن تكون على ما يتبناه الأزهر من مواقف وآراء، وعلى ما يصدر عنه من فتاوى شرعية وأحكام، لا على ما ورثه من تراث عن أئمة أفنوا أعمارهم في خدمة دينهم وبلادهم. أحمد لطفي زكي شلبي مدرس الفقه بجامعة الأزهر الشريف