المشهد الأول : لا أعرف الثلاثي، أحمد ماهر، ومحمد عادل، وأحمد دومة، إلا من الإعلام. كما لا أعرف أحدا من المحبوسين ال 16 ألفا، أو ال 20 ألفا، وفي رواية ثالثة 23 ألف وكسور. لكني اتعاطف مع الجميع من منطلق الإنسانية، واتضامن مع الجميع مطالبا بعدالة نزيهة مستقلة لهم. وفي هذا الإطار فإنني لا استطيع أن اتفهم أن ينبري حمدين صباحي المرشح الرئاسي مطالبا بالعفو الرئاسي فورا عن هذا "الثلاثي" فقط. صباحي كمرشح يمكن أن يفوز، ليصبح رئيسا لكل المصريين، إلا إذا كان يريد أن يكون رئيسا لأهل وعشيرة جديدة، ولذلك كان عليه أن يكون عادلا بين كل المحبوسين بتهمة خرق قانون التظاهر، كما فعل مع "الثلاثي"، فهناك المئات، وربما الألوف من المحبوسين يتضمن ملفهم تهمة خرق قانون التظاهر، أو هي ضمن تهم أخرى عديدة. لايعنيني هنا الانتماء السياسي للمتهمين، إسلامي، يميني، يساري، بلا هوية ، المهم أنهم مصريون، وطالما انتفضت سيادتك، وغضبت من تأييد الحكم ، فعليك أن تغضب لجميع المصريين الذين يقفون خلف القضبان. هذا ما أعرفه، وهذا ما ألزم نفسي به لكي أكون إنسانا محترما بيني وبين نفسي، ولكي لا أكون عنصريا، إقصائيا، منحازا، مثلما أنا في قضية الدم ، لا أفرق بين كل من سقط ظلما منذ 25 يناير، وحتى اليوم، وإلى ما بعد اليوم ، لافرق بين متظاهر مسالم، ولا رجل شرطة، أو جيش، أو مواطن عادي، شاء قدره أن يسقط في أماكن الاحتجاجات بالخطأ. ولذلك سنظل نطالب بوقف سفك الدماء، وستظل تلك الدماء حاجزا منيعا بيننا وبين كل من يهدرها ظلما وعدوانا. وليس حمدين وحده في هذا المجال، فقد خرج آخرون يطالبون بإطلاق "الثلاثي" متناسين أن هناك أمثالهم يقبعون بالسجون في انتظار المحاكمة، أو صدرت بحقهم أحكاما بالفعل. العدالة في التعاطف لايجب أن تكون ذات وجهين. المشهد الثاني: قانون تنظيم التظاهر، أو منع التظاهر، كما يصفه المعارضون له، أصدرته حكومة حازم الببلاوي السابقة، وهو قيادي بأحد أحزاب جبهة الإنقاذ، ورشحته الجبهة لرئاسة الحكومة، وكان معه في الحكومة وزراء من قادة الجبهة، من الناصريين، والليراليين، واليساريين، وبالتالي لم يصدر القانون من حكومة تماثل حكومة أحمد نظيف، ولا أحمد شفيق مثلا، بل هي حكومة 3 يوليو، حكومة جبهة الإنقاذ، أو تحالف 30 يونيو العريض الذي أسقط مرسي والإخوان، و"الثلاثي" هم من النشطاء، ومن حركة 6 أبريل التي شكلت جزءا من التحالف المناهض لمرسي، وقانون التظاهر كان يستهدف بالأساس الإخوان لمنع، أو تحجيم مظاهراتهم، لكن آثاره امتدت إلى الحلفاء، فلماذا الغضب اليوم بينما قادتكم هم من أصدروا القانون، هل بعد أن اكتويتم بناره تكتشفون أنه ماكان يجب أن يمر ، ولو تشددت الداخلية، وتوسعت في الاعتقال من هذا الفريق، لكان المحبوسون بذات التهمة بالمئات، لكنها رفيقة بكم باعتباركم من أهل التحالف، ثم لماذا لم يرفض صباحي، ووزراء الليبرالية، والناصرية، واليسار، ذلك القانون وهو في مهده، ولماذا لم يرهن بقائه في التحالف مقابل عدم إصدار القانون، أو تعديله ليكون ديمقراطيا، وملبيا المعايير العالمية المتعارف عليها، وكذلك كل الذين يغضبون اليوم على حبس الثلاثة، أين كانوا وقت إصدار القانون، لماذا تنتفضون اليوم فقط؟!. مافعله القاضي أنه طبق القانون الذي أصدرته حكومة ترضى عنها وتشارك فيها جبهة الإنقاذ، ورئيسها كانت له مواقف نضالية وهو خارج السلطة، ثم اختفت عندما جلس على الكرسي السحري. المشهد الثالث: تنظيم التظاهر كان أمرا ضروريا بعد ثورة 25 يناير، لأن التظاهر، والاعتصام، وكل أشكال الاحتجاج أخذ شكلا فوضويا، وظهر نشطاء، وناشطات متخصصين في الاحتجاج اليومي، وتنويعاته، وبالتبعية انتقلت العدوى للتظاهر الفئوي، حتى تخلخلت الدولة، وصارت في حالة سيولة، ومازالت لليوم، وحاول المجلس العسكري جاهدا تنظيم التظاهر، ولكنه لم ينجح حيث مُورس عليه ضغط سياسي ومعنوي رهيب جعله مشلولا عن إتخاذ أي فعل، وبعده حاول مرسي، وكان القانون جاهزا، لكن المعارضة أرهبته أيضا فجعلته يقلع عن الفكرة، وظل الأمر سداحا مداحا حتى جاءت سلطة 3 يوليو فنجحت في سن وفرض القانون، بغض النظر عن الموقف منه، لكنها فعلت، وطبقت، وقبضت على الكثيرين بسبب خرقه، منهم "الثلاثي"، ومنهم إسلاميين، إخوانا، وغيرهم، كما نجحت هذه السلطة في فرض قوانين أخرى عديدة فشلت السلطات السابقة في الاقتراب منها، وأحدثها قانون الإرهاب بغض النظر عن الموقف من تلك القوانين، ومدى ديمقراطتيها، وعدم انتهاكها للحريات، والحقوق الإنسانية. المغزى أننا بحاجة لسلطة منتخبة قوية، لاتكون أياديها مرتعشة، تفعل كل مافيه المصلحة العامة، وتعيد هيبة واعتبار الدولة، بشرط أن يكون سلوكها، وسياساتها، وممارساتها، ديمقراطية، غير قمعية، عادلة، منصفة. عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.