البنتاجون: سنعترض جميع سفن "أسطول الظل" الناقل للنفط الفنزويلي في البحر الكاريبي    من الشمال إلى جنوب الصعيد، الأرصاد تحذر من 4 ظواهر جوية تضرب البلاد اليوم    المركزي للإحصاء يعلن اليوم معدل التضخم في مصر لشهر ديسمبر 2025    انتهاء أعمال الصيانة وعودة ضخ المياه تدريجيًا لمناطق الجيزة وقرية البراجيل    طقس الأسبوع: انخفاض درجات الحرارة وأمطار متفرقة من الأحد إلى الخميس    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    يورجن شولتس سفير ألمانيا بالقاهرة: برلين خامس أكبر شريك تجاري لمصر| حوار    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    11 جثة و9 مصابين.. ننشر أسماء ضحايا حادث التصادم بصحراوي المنيا    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    الأوروبيون بين القلق والانقسام بسبب سياسات ترامب    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نهاية التأثير الأمريكي في العالم.. الدولار نموذجًا!
نشر في المصريون يوم 08 - 11 - 2009

ما تزال أصداء المقال الذي كتبه الصحفي البريطاني المخضرم والمتخصص في شئون الشرق الأوسط، روبرت فيسك ونشرته صحيفة الإندبندنت اللندنية تحت عنوان "انهيار الدولار" في عددها الصادر بتاريخ السادس من شهر أكتوبر الأخير، بعيدة على الانتهاء إلى درجة أن هذا المقال صار "صاحب الفضل" في ارتفاع وتيرة الضعف الأخيرة في قيمة الدولار الأمريكي بالتوازي مع ارتفاع أسعار الذهب، بما أن ذلك المقال الحصري كشف أن وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في دول الخليج بالإضافة إلى كل من الصين، وروسيا، واليابان، وفرنسا، قد عقدوا سلسلة اجتماعات سِرّية في سبيل التوافق على خطة هدفها إنهاء استخدام الدولار في تجارة النفط بحلول العام 2018، واستبداله بسلة العملات بما فيها اليورو واليِنّ الياباني، فضلًا عن اليوان الصيني إلى جانب الذهب بالإضافة إلى العملة الموحدة التي من المتوقع أن تصدرها دول مجلس التعاون الخليجي في غضون السنوات القليلة القادمة!
قنبلة سياسية واقتصادية أيضًا!
في هذا الإطار، يقول المحللون: إنه إذا ما صدق الخبر فعلًا، فإنّ هذا التحرك سوف يشكل "قنبلة سياسية واقتصادية"؛ لأن وضع حدّ لاستخدام الدولار الأمريكي في تجارة سلعة حيوية في مثل أهمية النفط، من شأنه أن يوجِّه ضربة أخرى لدوره المحوري الذي لعبه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية باعتباره عملة الاحتياط الرئيسية على مستوى العالم، وبالتالي فإنه في ظلّ تطور الأمور في هذا الاتجاه، سوف يشهد العالم تعاظم قوة عملات أخرى من المتوقع أنّها ستكون عدائية للمصالح التي ظلّ الدولار يمثلها بالنسبة لاقتصاد الولايات المتحدة بغضّ النظر على أن هذا يعنِي أيضًا أن أمريكا لن تتمكن مستقبلًا من التمتع بميزتها الحالية المتمثلة في قدرتها على تمويل ديونها بسهولة عن طريق بيع السندات المقومة بعملة الاحتياط العالمي!
هذه التطورات تأتِي لتصبّ أيضًا في خانة ما نقلته ذات الصحيفة السابقة على لسان مسئول مصرفي صينِي قالت إنه رفض الكشف عن اسمه والذي قال لمراسلها إن الخطط القائمة في سبيل التخلي عن الدولار في تجارة النفط القادم من منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص "من شأنها أن تُغَيِّر وجه المعاملات المالية الدولية" أما الأهم من هذا وذاك فيتعلق في كون الأطراف الساعية إلى إحداث هذا التغيير، هي دول تعتبر في معظمها من الدول الحليفة كما هي حالة اليابان أو على الأقل، التي ترتبط مع الولايات المتحدة بعلاقات جيدة كحالة دول الخليج العربية ما يعنِي أن جميع هذه الأطراف تعتبر نفسها معنية وبشكل مباشر، بردّة فعل واشنطن!
إلى ذلك، أعرب نفس المسئول الصيني أنه: "يتعين على أمريكا وبريطانيا أن تكونا قلقتين جدًّا" مضيفًا أنّ مبلغ القلق سوف تظهره التعليقات في كلٍّ من واشنطن ولندن على السواء وهذا ما حدث فعلًا إذ وعلى الرغم من أن اليابان والدول العربية الخليجية وروسيا نفت حدوث تلك الاجتماعات إلا أن الصحفي روبرت فيسك لم يتراجع عن تأكيداته وأصرّ على صحة ما وصل إليه من أنباء فكتب يقول في عدد اليوم الموالي (السابع من أكتوبر) أنّ النفي هنا "لا يعدو أن يكون جزءًا من الحياة السياسية في الخليج" بمعنى أن النفي جرى وفقًا لاعتبارات دبلوماسية لا علاقة لها بما هو مخطط له على المستوى الاستراتيجي.
أسواق المال تترقب
وبما أنّ القصة تحدثت عن تطورات يجري العمل في سبيل تحقيقها خلال عقد من الآن، لم تكن هذه الأخبار لتؤثر بشكل بالغ في أداء أسواق المال إلا أن الأمر لا ينفي مع ذلك أنه في الواقع، هنالك نقاش متزايد في الأوساط المالية حول موضوع استبدال الدولار الأمريكي بالنظر إلى الاضطرابات المالية والنمو الهائل لحجم ديون حكومة الولايات المتحدة التي تقول التقارير إنها تقف عند مستوى 12 تريليون دولار نتيجة لانخفاض عائدات الضرائب بالتوازي مع خطط الإنقاذ الفلكية في بورصة وول ستريت وشحّ المعلومات التي تتحدث عن مدى قدرة واشنطن على مواصلة سلوك ذات النهج الذي يعتبره محللون كثيرون "هروبًا نحو الأمام"!!
... وثروات مهددة!
في المقابل يمكننا أن نَلْحَظ أنّ حجم الاحتياطات في دول الخليج العربية التي تقدرها جهات كثيرة بأنّها من رتبة 2 تريليون دولار مضافة إليها تلك 2.27 تريليون دولار من الاحتياطات الصينية التي تقوم في معظمها على الدولار الأمريكي أيضًا، تعني أنه وعلى المدى الطويل، سوف تسجل هذه الدول مجتمعة خسائر كبيرة في حجم مدخراتها فضلًا على أن أي انسحاب سريع من المعاملات القائمة على العملة الأمريكية، سوف يكون له أثر كارثي على حجم الخسائر بما سوف يضيفه من غرق إضافي في قيمة عملة هي بصدد مصارعة الغرق أصلًا.
نهاية عصر الدولار: مطلب صيني استراتيجي!
مع ذلك، تكشف التقارير أنّ الصين تبدو أكثر الدول "حماسة" لهذا التحول لجملة من الأسباب أهمها أن بيجين لا تعتبر نفسها مستوردًا حصريًا لنفط الشرق الأوسط بقدر ما تُمَثّله هذه المنطقة من وجهة رئيسية للمنتجات الصينية فضلاً على أنّ الصين أيضًا صارت تمثل في ذات المنطقة حاليًا، مستثمرًا يتزايد حضوره بشكل يومي وبالتالي، فإنّ بيجين تدرك جيدًا المخاطر التي سوف يجرها إليها الانخفاض طويل الأمد في قيمة الدولار فهذا لن يؤثر فقط على حجم التجارة الصينية ولكن من شأنه أيضًا، أن يؤثر على صادراتها صوب الولايات المتحدة نفسها ولذلك فإنّ إقدام الصين على شراء السندات الأمريكية سابقًا، كان يهدف إلى الحفاظ على أسعار الصرف الحالية بين الدولار واليوان الصيني التي ترتكز عليها تجارة التصدير الصينية الضخمة إلى الولايات المتحدة.
بالتوازي مع هذا، بدأت بيجين باستكشاف البدائل من خلال توقيعها لاتفاقيات تبادل العملة مع روسيا وعدد من بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية لغرض تسوية معاملات التجارة مع تلك البلدان بعملات أخرى محلية وغير محلية بدلًا من الاكتفاء حصرًا بالدولار. هذا، ونقلت وكالات الأنباء العالمية في الفترة الأخيرة، عن مباحثات جرت بين البرازيل والصين في ذات الاتجاه بغضّ النظر على أن بيجين بدأت أيضًا في استخدام احتياطاتها في شراء أصول أخرى بالخارج كالمعادن مثلًا بدلًا من شراء سندات الخزانة الأمريكية مثلما كانت تعمل سابقًا!
ولكي نؤكد هذا التوجه الجديد لدى القيادة السياسية في الصين، يمكننا الاستشهاد بما كتبه محافظ المصرف المركزي هناك تشو جياوتشوان، في شهر مارس الماضي حينما نشر طلبًا دعا من خلاله صندوق النقد الدولي باستبدال الدولار فيما يعرف بحقوق السحب الخاصة، بسلة العملات ما جعل وزير الخزانة في إدارة الرئيس أوباما، تيموثي غيثنر يطير على عجل إلى بيجين ليطمئن القيادة الصينية أنّ إدارته سوف تفعل كل شيء في سبيل مواجهة التراجع الحادّ في موازنات الإنفاق الأمريكية لأجل حفظ مستوى معيشة الطبقة العاملة الأمريكية ولأجل كبح جماح ديون الولايات المتحدة بالإضافة إلى الحفاظ على استقرار سعر صرف الدولار، أما مستشار المصرف المركزي الصيني يو دينغ فلقد استبق تلك الزيارة بتصريحه لوكالة بلومبيرغ: "أودّ أن أقول للحكومة الأمريكية أنه لا يتوجب عليكم الاعتقاد أننا سنكون راضين أو أننا لا نملك البدائل أمام شراء سنداتكم إذ إن هنالك اليورو وسيكون في وسعنا شراء الكثير من المواد الخام الأخرى"!!
الفاينانشل تايمز تستبعد ولا تنفي!
بعد ذلك، نشرت صحيفة الفاينانشل تايمز في عددها الصادر بتاريخ 13 من شهر أكتوبر الماضي، مقالًا لمعلقها مارتن وولف والذي قلّل من شأن الحديث عن نهاية الدولار واصفًا الموضوع بأنه "مبالغ فيه" وأن ذلك لن يتحقق "ما لم تُنْهِ الصين رقابتها على الصرف وتطور أسواق المال فيها" ما يعني أن الأمر "يحتاج إلى انتظار جيل" وفقًا لما يراه المحلل وولف قبل أن يضيف أن اليورو في الوقت الحالي وإن كان يبدو هو المنافس الأخطر في مواجهة الدولار، إلا أن وضعه ما يزال بعيدًا على أن يقارن بالعملة الخضراء فاحتياطيات العالم كما يعلق وولف دوما، هي بالدولار بنسبة 65 في المائة مقابل 25 في المائة فقط باليورو، ثم يجزم ذات الكاتب بعد ذلك قائلًا: "نعم، قد يكون هنالك بعض التحول ولكن الأرجح أنه سوف يكون بطيئًا خصوصًا بالنظر إلى العجز المالي والديون التي تراكمت على منطقة اليورو ما يعني أنّ الدولار سوف يظل موجودًا خلال الثلاثين سنة القادمة على الأقل وهي فترة لا يبدو مصير اليورو فيها واضحًا"!!
مع هذا، يقول محللون آخرون إنّ عدم وجود بديل عن الدولار كعملة احتياط عالمية "لا يعني بالضرورة أنّ هذا الأخير ليس في طريق الزوال" أي أن تطورات الأوضاع في هذه الحالة أيضًا سوف تؤدي إلى قيام تكتلات متنافسة ومن ثَم الانزلاق إلى النزاعات التجارية التي لن يكون في وسع الدولار، احتواءها مع ما يعيشه وسيعيشه من ضعف.
والبنك الدولي غير متأكد:
مقابل هذا التحليل، يرى خبراء آخرون كرئيس البنك الدولي مثلًا روبرت زوليك أنّه من الضروري الاعتراف بالخطر ففي خطاب ألقاه في أواخر شهر سبتمبر المنصرم هذا المسئول الذي كان شغل لفترة منصب نائب لكاتبة الدولة ألأمريكية في الإدارة السابقة كوندوليزا رايس، قال الرجل محذرًا من أن "الولايات المتحدة سوف تكون مُخْطئة إذا ما اعتقدت مستقبلًا أنه سيكون في وسعها الاعتماد فقط على الدولار كعملة احتياط عالمية مهيمنة" ثم أضاف: "إنّ واحدًا من أهم الدروس المستخلصة من هذه الأزمة هو ذلك الذي يؤكد ضرورة الاعتراف بأنّ علاقات القوى الاقتصادية قد تغيّرت".
من ناحية أخرى فإنّ الدور المهيمن للدولار كان في الواقع نتيجة طبيعية للتفوق الصناعي الساحق للولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية فواشنطن تمكنت بشكل فعلي، من "إملاء" شروط النظام الاقتصادي العالمي لِما بعد الحرب كما تجسد ذلك في اتفاقية بريتون وودز التي نجم عنها إقرار الدولار كعملة احتياط عالمية مدعومة بسعر صرف ثابت مقابل الذهب ومع أن دولًا كاليابان وألمانيا تمكنت بعد ذلك من استرجاع عافيتها مقابل تراجع التفوق الأمريكي مثلما توضح ذلك جليًا في قرار الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون بإنهاء ربط الدولار بالذهب في العام 1971، إلا أنّ هذا القرار على الرغم من أنّه اعتبر وقتذاك عاملًا في سبيل حث الأمريكيين على الاجتهاد والكدّ، إلا أنه أدّى إلى نتائج عكسية فلقد كانت موعدًا لانطلاق نزعة الصناعة المالية على حساب الإنتاج الصناعي والزراعي الذي ظلّ أُسّ قوة اقتصاد الولايات المتحدة حتى ذلك الحين والنتيجة أتت بعد ذلك في عقود الثمانينيات والتسعينيات على شكل ظهور اختلالات وأزمات هيكلية خطيرة رافقتها موجات تسريح للعمال بالتزامن مع انهيار الاتحاد السوفييتي حينما أحسّ القادة السياسيون الأمريكيون أنهم لم يعودوا مطالبين بضمان التفوق الأمريكي "لأنّ قلعة الشرّ السوفييتية انهارت" كما كانت تعبر أدبيات غلاة اليمين الأمريكي وهؤلاء لم ينتبهوا في تلك الظروف أن سقوط موسكو كان يجري بالتزامن مع تصاعد بيجين ونيودلهي وهي دول بشعوب تعدادها مئات الملايين من الأيادي العاملة الرخيصة والتي ما انفكت تتزايد قوتها حتى أدّت إلى الانهيار المالي الأسطوري الذي ضرب وول ستريت العام الماضي!
أمريكا على علم بالتطورات ولا حل سحري بيدها!
وبالرغم من أنّ تقرير الإندبندنت أكّد أن الولايات المتحدة كانت على علم بتلك الاجتماعات التي تناولت موضوعات الدولار والنفط وأنها "عملت بكل تأكيد في سبيل إفشال هذه المحاولات الدولية"، فإنّ المبعوث الصيني السابق لمنطقة الشرق الأوسط سون بي، كتب في إحدى الجرائد الصادرة في بيجين يقول: "إن الخلافات الثنائية وحتى الاشتباك– مع الولايات المتحدة- أمر لا مفر منه" خصوصًا حينما يتعلق الأمر باختلاف المصالح حول مصادر الطاقة في الشرق الأوسط وهنا تعلق الصحيفة اللندنية بالقول: "إنّ هذا التنبؤ هو نذير خطير بحرب اقتصادية مستقبلية بين الولايات المتحدة والصين على نفط الشرق الأوسط ما يعني أن تلك المنطقة بصدد التحول مجددًا إلى منطقة صراع على النفوذ بين القوى العظمى" وهذا التحليل ليس موقفًا تنفرد به الإندبندنت وحدها فكثيرون عبر العالم لا يرون في الملف النووي الإيراني حاليًا، إلا واحدة من أمارات هذا التنازع بين واشنطن وبيجين فالأولى تحرص على تشديد العقوبات على طهران في حين أنّ الثانية التي تعدّ من أكبر شركائها التجاريين والمستوردين لنفطها، قاومت الدعوة إلى تشديد تلك العقوبات بكل قوة وحزم!!
عملة موحدة لمنظمة شنغهاي!
هذا ما ظهر أيضًا في اجتماع منظمة شنغهاي الذي عقد قبل أسبوعين من الآن في العاصمة بيجين حينما دعمت إيران التي تعتبر عضوًا مراقبًا في هذه المنظمة، فكرة إنشاء عملة إقليمية موحدة جديدة وهي الفكرة التي اقترحتها روسيا على هذه المنظمة التي أُنشئت في العام 2001 من قبل الصين وروسيا وعدد من دول آسيا لأجل مواجهة نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة أما إيران فيذكر أنّها استبدلت منذ ثلاث سنوات، كل تعاملاتها الدولية باليورو بدلاً من الدولار نظرًا لتكاثف الضغوط الأمريكية عليها.
في القارة السمراء: حرب على المكشوف!
ثم إن التنافس على المواد لا يقتصر على منطقة الشرق الأوسط فحسب ولكنّه يجري في القارة السمراء أيضًا حيث تشتد المنافسة في هذه الأثناء بين الشركة المملوكة للحكومة الصينية CNOOC التي تقدمت بعرض قيمته 4 مليارات يورو لأجل شراء حقل جوبيلي النفطي في جمهورية غانا، وبين الشركة الأمريكية إكسون موبيل أما في جمهورية غينيا فإنّ الصين وضعت 7 مليارات دولار من صندوقها للاستثمارات الدولية في يد شركة سينوبك النفطية العملاقة لأجل أن تدير هذه الأخيرة مع صندوق النقد الدولي مؤسسات لتنمية البنية التحتية ومشاريع التعدين والطاقة لفائدة نظام غينيا الذي يعاني من العقوبات الغربية وهذا الغلاف المالي الذي خصصته الصين هناك، أكبر بكثير من الناتج المحلي الخام لغينيا بأسرها خصوصًا وأن هذا البلد يحتوي على أكبر احتياطي في العالم من مادة البوكسيت، فضلًا عن كميات كبيرة من الذهب والماس واليورانيوم وخام الحديد، وربما النفط أيضًا. ولسنا مجبرين بعد هذا على الاستشهاد بالدور الصيني المتعاظم في السودان وكيف لعبت بيجين دورًا مهمًا في أزمة دارفور التي ما تزال فصولها مستمرة حتى كتابة هذه الأسطر!
ضخامة العروض الصينية جزء من خطة إنهاء عصر الدولار!
في عمود من الفاينانشل تايمز نشر في أحد أعدادها الأخيرة، أرجعت هذه الصحيفة الاقتصادية العريقة احتدام التنافس بين الصين والولايات المتحدة في إفريقيا، إلى الضعف الحالي في قيمة الدولار وقالت في إشارة منها إلى الحجم الهائل للعروض الصينية في تلك القارة أن "زعماء الصين ينظرون إلى كومة العملة الخضراء التي بحوزتهم على اعتبار أنها ثروة غير مضمونة القيمة" وبالتالي، تواصل ذات الصحيفة، فإنّ هؤلاء القادة يعملون على استبدالها بالمواد الخام ومصادر الطاقة كيفما اتفق ولو مقابل دفع أسعار عالية نظرًا لمخاوفهم من استمرار تراجع الدولار ولكنهم بهذا الشكل أيضًا: "يساهمون في تسريع إضعاف الدولار".
هل من دور عربي؟
على هذا الأساس، يمكننا القول أخيرًا إنه حتى وإن سارع الرسميون في البلاد العربية التي ذكرها فيسك في تقريره، إلى نفي خبر وقوع تلك الاجتماعات، فإنّ كل التطورات والتفسيرات تدفع لجهة الاعتقاد أنها حدثت فعلاً لأنه لا أحد في وسعه أن ينفي حقيقة أن الصراع على مصادر الطاقة بلغ أشده ما يعني بالتالي أن السعي في سبيل إحداث ثورة في طرائق التبادلات الدولية التي يمثل النفط والطاقة بشكل عام، ركنًا رئيسًا فيها، هو مجرد تحصيل حاصل وتطور طبيعي في سلسلة تطورات نحن نعيشها ومطالبون بفهمها أملًا في أن نساهم فيها على عكس ما حدث في بريتون وودز حينما كان عذرنا نحن العرب وقتذاك، أن بعضنا غائب وأكثرنا، مغيّب!!
المصدر: الاسلام اليوم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.