في زيارتي الأخيرة لمصر حرصت على كتابة هذه المعاني التي عاينتها وشاهدتها بحسي قبل عيني .. لقد كان قلبي يتقطع حسرة وأسى حينما رأيت حال الناس وحياتهم البئيسة خاصة وهم يبتسمون إليك بسمة لم تستطع أن تحجب ما خلفها من غيوم التعاسة والحزن والقهر الشديد ، أما شبابها المسكين فإن الهم يحلق فوق رأسه وسحب اليأس تظلله أينما ذهب أو راح.. يصبح ويمسي وهو شاعر بالقهر الكبير لأن حقوقه سرقت وأحلامه ضاعت طموحاته تبددت.. فعجز عن العمل وتحصيل القوت وأخذ يبحث عن سبيله للسفر .. فالكل في مصر يتوق إلى الغربة ، الكل في مصر يتمنى الهجرة ، الكل يحلم بالرحيل.. الكل في مصر ينذرها في نفسه ويقول : لو رحلت فلن أعود ، حتى ينقذ نفسه وحياته ومستقبله من مستنقع الضياع ! إن حب الوطن عاطفة قوية في نفس الإنسان فمهما غرب أو شرق يحن دائمًا إلى وطنه الذي يشعر فيه بالسعادة والراحة والطمأنينة والقرار والانتماء.. والوطن في حياة الإنسان شيء غال وثمين فهو يساوي العرض والشرف والجور عليه يعني الجور على الإنسان نفسه .. ومعنى أن تهتز هذه القيمة في حياة المصري فيبغض بلده ويتمنى الهروب منها والفرار من ربوعها حتى ينجو بمصيره.. فإن ذلك يعني أن شيئا عظيما قد حدث ، ومصيبة كبرى قد حلت.. بل يعني أن الوطن نفسه تحطم .. حينما تحطم ابتداء في نفوس شبابه ورجاله. إن الشعر العربي يتحفنا بأبيات في حب الوطن حينما ترددها على شباب اليوم يسخر منك ويستهزي بقائليها ومردديها ويقولون : بعاميتهم التعيسة :وطن مين ياعم خليهولك اشبع بيه..! ثم تحاول أن تردد عليهم بعضها منها لعلهم يعقلون منها شيئًا ويدركون خطيئتهم فتقول لهم قال ابن الرومي : ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ ** وألا أرى غيري له الدهرَ مالكاً ويقول شوقي : وطني لو شُغِلتُ بالخُلدِ عنّه ** نازعتني إليه في الخُلدِ نَفس فلا يزيدهم سماعهم لها إلا إعراضا وسخرية ..! تخيل أيها المصري هذه الأبيات الجميلة العظيمة أضحت محل سخرية واستهزاء وإنكار وكفر بها وبمعانيها .!لقد انجرفت مع ما انجرف من كثير من العواطف والقيم والفضائل؟! كثير من الناس يعانون مرارة الحرمان وضنك العيش ونكد الزمان وبؤس الحياة.. والفقر الملعون يتوعدهم وينذرهم بأيام نحسات وحصار لا رحمة فيه حتى أضحوا جميعًا يتحينون الفرصة للفرار والهرب والرحيل والغربة قبل أن تهلكهم مفرمة العوز..الكل يجتهد ويبحث لهجر هذه الأرض التي ما أضحت بذات مقام .. لنه قد رخص فيها، وهان عليها ، وجاع على ربوعها ، وذاق معنى الهموم والنصب والشقاء.؟! وأصبح أكثرهم لا يؤمن بما كان يؤمن به الشاعر في قوله : (بلادي وإن جارت علي عزيزة ) ..لقد كان هناك من يفدي وطنه بالروح والدم، أما اليوم فالروح تتوق للفرار من وطنها والبحث عن وطن تحيا فيه كريمة آمنة، يستطيع الإنسان معها أن يجد لقمة هنية ونومة هادئة وعملا يُغذي منه أبناءه.. وبعد أن كانت الغربة قديما تعبا ونصبا وحرمانا نجدها اليوم أمنية وغاية. !! تقول أحلام مستغانمي : النّاس تحسدك دائماً على شيءٍ لا يستحقّ الحسد؛ لأنّ متاعهم هو سقوط متاعك، حتّى على الغربة يحسدونك، كأنّما التشرّد مكسب وعليك أن تدفع ضريبته نقداً وحقداً.. فالغربة يا رجل فاجعة يتم إدراكها على مراحل, ولا يستكمل الوعي بها إلا بانغلاق ذلك التّابوت على أسئلتك الّتي بقيت مفتوحةً عمراً بأكمله..! ولكن ماذا بها لو رأت حياة الشباب في مصر أكانت تصر على جملتها : الغربة فاجعة يا رجل؟ أعتقد أن رأيها سيتغير تمامًا لتقول له :وطنك فاجعة يا رجل فارحل..! لقد رأى أحدهم يومًا صديقه وهو يشكو حال الغربة ويرسى ألامها في نفسه فقال له : هون عليك فالغربة الحقيقية هي أن يشتهي ولدك لعبة أو أكلة وأنت عاجز أن تأتيه بها.! هذه هي الغربة الحقيقية والألم الحقيقي..!والحق أنها ليست غربة ولكنه عجز وفقر.. يهدم كبرياء الرجال ويذل نفوسهم ويسيل دمعتهم.! لقد كان من أجمل ما قرأت : جاء إبليس يوما ناصحًا ولده قائلاً: يا بني لا تظن إغواء البشر بالأمر اليسير... أغوه بالنقود إن كان فقير وإذا قام لصلاة الفجر فذكره بدفء السرير وإن كان مزارعا أغوه بسرقة الحمير.. وإن كان مهندسا أغوه بالأسمنت والجير... فقال إبليس الصغير يا أبي وان كان مصريا؟ فبكى إبليس بكاء مرير وقال لابنه لا تكن شرير دع المصري فأمره عسير إنه في دنياه يعيش في السعير دعه يابني فعمره قصير وكفى أن عنده حكومة بلا ضمير... ألا يعرف قلبك الرحمة يا صغير؟