تتراءى في مشاهد الحج في اتساق موح، وتناغم فاعل.. فإذا شاهدت الكعبة الشريفة هاجت بك من بعيد ذكرى الوالد وولده .. إبراهيم وإسماعيل .. يرفعان القواعد من البيت، ويطلقان الدعوة المباركة لمستقبل بشري أفضليقوده نبي التوحيد الأجل ”رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ... رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ“ (البقرة: 128-129).. وكأنما قامت حركة بناء البيت على استشراف المستقبل، ومراقبة الأجيال .. ثم تعود بك الذكرى وأنت ترقب المسعى فهذا إبراهيم وفد بابنه وزوجه وحيدين في غربة موحشة وصحراء قاحلة، تدفعهم الطاعة، ويقودهمحادي التوكل؛حتى إذا ما تركهما وانصرف نفد الماء، وجعل الطفل ينبش الأرض يكاد يأكل الثرى من العطش وأمه تقلب الأرض سعيا في حيرة بين الصفا والمروة تبحث عن جوهر الحياة كما نبحث عنه مرارا في مراحل حياتنا المختلفة، ولكن الماء ينفجر من تحت قدم الطفل المبارك، كما تنفجر ينابيع الإيمان في قلوب العارفين،فتؤنس وحشتهم، وتروي ظمأهم.. ويتعاظم الماء ليصير الطفل أمة، ويكون من ولده محمد، ومن تحت قدميه تتفجر ينابيع زمزم المبارك تروي الأجيال دون انقطاع؛ وكأن يأتيها المدد من السماء لا من الأرض، وهناك حيث يهدي الحجيج الهدي تنزل الغوث لإسماعيل ”وفديناه بذبح عظيم“ (القرآن، 37/107)، بعد الثبات على الطاعة، والصبر على المكاره، في رسالة إلى أتباع النبيين أن السماء لا تتدخل إلا لنصرة العاملين المخلصين المجتهدين، لا الكسالى النائمين أو العصاة المرتابين، ويرمي الحجيج الجمرات فإنهم لا يرمون شاهدا من حجر ولا يرجمون الشيطان مجازا تقليدا لأبيهم إبراهيم فحسب؛ بل يرمون مع الجمرات كافة جراثيم السوء والخبث والعصيان النفسية والسلوكية، وحركة اليد هذه شاهدة على هجرة من نوع خاص بها مفارقة مهجور الأفكار والأقوال والأفعال؛ حتى يعودوا من رحلتهم بقلوب طاهرة نقية كثياب إحرامهم، متواضعة كسلوكهم، مخلصة كما هو شعار تلبيتهم. فإذا لبيت تذكرت قول النبي ”كأني أنظر إلى موسى واضعا أصبعه في أذنه له جؤار إلى الله بالتلبية... كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف ... مارا بهذا الوادي ملبيا.“(ابن ماجة وابن خزيمة)فإذا وقفت بعرفات، وشاهدت صور الناس شاهدت صورة لأرض المحشر، وداخلتك عظمة الموقف فتصاغرت الدنيا على هذه الأرض، وهنا عاش محمد ، ولهج بالدعوة، هنا وقف وهنا صلى، وهنا خطب وهنا دعا، هنا سار الصحابة والأولياء والقادة والأصفياء، هنا مهد الإيمان، ومهبط الوحي، ومولد الرسالة، وليس الخبر كالمعاينة. والحج تدريب على التربية الأخلاقية ومكارم الأخلاق والعادات؛ والتربية الأخلاقية غاية مشتركة بين جملة الشعائر الإسلامية، فما من عبادة إلا ولها درس أخلاقي وثيق الصلة بإحداث تغيير حضاري في حياة الناس، يراه الناس في النظام والمساواة واحترام معايير الأولوية والقيادة في عبادة الصلاة، كما يرونه في التعاطف والتكافل والمشاركة وحسن الخلق في الصوم والزكاة، ويرونه في طلب الحلال الذي لا شبهة فيه وكبح اللسان والنفس عن مقاربة الهجر من القول والفعل أياما مع التواضع والتبذل ومواصلة الذكر لله في عبادة الحج، يقول تعالى: ”الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ“ (القرآن، 2/197-198)، لذلك كان موسم الحج موسما عالميا لتصحيح علاقة الإنسان بنفسه وربه وأخيه الإنسان، يشتغل فيه الحجيج بذكر الله وخدمة إخوانهم بعيدا عن الرفث والفسوق والجدال؛ فهو تدريب للإنسان على الخروج من هُجر القول والفعل والفكر إلى إعلان شعار موحد قاطع بحقيقة الوجود الإنساني في هذا العالم. د. محمد فوزي عبد الحي جامعة الأزهر