شهر رمضان.. بعثة إنسانية.. فرصة روحية.. صفحة جديدة.. إنجاز عظيم.. درس من دروس اكتشاف القوة البشرية الهائلة الكامنة في كل إنسان.. ربما اعتقدت أن رمضان مجرد فترة زمنية أو عبادة حولية أو شعيرة دينية.. أليس كذلك؟! والحقيقة أنه ليس فترة زمنية محضة وإلا فهناك أحد عشر شهرا أخر.. كما أنه ليس مجرد عبادة حولية أو شعيرة دينية عادية؛ فلرمضان معالم نفسية وروحية، واجتماعية وبيئية، وتربوية وتوعوية خاصة.. ولكن سر رمضان الأعظم في درسه الحضاري الأكبر ... وهو أنه “زمن الوعي”.. تلمس حقيقة رمضان، ستجد أن رمضان تجسيد متجدد حي ل «زمن الوعي».. رمضان عبارة عن تجديد وإحياء لبنية الوعي بالطاقات الشخصية والآداب النفسية والأحلام المستقبلية الخاصة بكل فرد كما هو تجديد لمعاني الخير والمشاركة والروح العامة للمجتمع كله، وأخص من ذلك هو إحياء للوعي الإيماني بالله، والوعي عنصر أصيل لتحقيق الآمال وبناء الأجيال وإدراك أسرار الحياة، فهو كما يقول الكاتب الأمريكي "نيفل جودارد" هو مصدر إدارك الوجود وطريق تحقيق أعز الأحلام. وفي رمضان استجماع لدرجات مختلفة من الوعي الظاهر والباطن، والوعي النفسي والمجتمعي، فرمضان أمهر البنائين لرياض الوعي.. الوعي بقيمة الوقت .. الوعي بزمن الطعام والشراب .. الوعي بمواعيد الدواء.. الوعي بجدول قراءة القرآن.. الوعي بورد الذكر.. الوعي القيمي والديني بأهمية الحلال في المطعم والمشرب والملبس.. وأهيمة الأخلاق الحميدة والفضائل الشريفة.. والوعي بقيمة العطاء والإحسان .. الوعي بقيمة الهداية والبينات والفرقان بين الحق والباطل .. والصلاح والفساد .. والوعي بعينيك ونظراتك.. الوعي بآذانك وسماعك.. الوعي بلسانك وكلماتك.. الوعي بلدغات الجوع التي يعانيها المحروم والمسكين والفقير والضعيف طوال أيام العمر.. الوعي بقيمة الاجتماع مع العائلة والوعي بأهمية التواصل وإنعاش التراحم وصلة الأرحام.. الوعي بقيمة الأصدقاء .. الوعي بروحانية القيام .. الوعي بإتقان العمل وأمانة الزمن .. الوعي بمساعدة الناس والعمل الخيري.. الوعي بضبط النفس .. الوعي بمشاركة الحب والعواطف وبناء قصور السعادة .. كما الوعي بالتوقف عن الأذى والصبر على الناس.. الوعي بسمو العفو والتسامي والتجاوز عن أهل الخطيئة والمساويء.. إنه الوعي الجوهري بقيمة الإنسان ودوره في تعزيز فرص الإنسانية في حياة أفضل.. وهل يمكن أن نحقق أي تقدم أو إنجاز حضاري دون وعي إنساني؟ هذا الوعي بقيمة الوقت وقيمة الفرد وقيمة المشاركة الوجدانية وقيمة العطاء وقيمة الإنجاز وقيمة العمل الخيري هو الذي نحتاجه في هذه اللحظة من تاريخنا.. وهذا هو درس رمضان الأعظم.. رمضان حقيقة “زمن الوعي”، وهذه الحقيقة رمز إليها القرآن في قوله تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (سورة البقرة: 2: 185)”.. نلاحظ أن القرآن اتخذ من رمضان وعاء زمنيا لنزول هديه وبيانه، فصار لرمضان فضيلتان مترابطتان: فهو “زمن الوعي” وهو“وعاء القرآن” ومدرسة القرآن في الأصل مدرسة الوعي الكامل، وشهر رمضان هو المدة المثلى لبناء هذا الوعي.. لذلك نجد آيات الصيام تختار مفردات بناء الوعي الزمني “شهر رمضان – أيام أخر – لتكملوا العدة” والوعي العقلي “هدى – بينات - فرقان” والوعي المكاني والبدني “فَمَنْ شَهِدَ .. وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ..” والوعي النفسي والروحي والإيماني “اليسر – لتكملوا – تشكرون – إذا سألك عبادي عني فإني قريب – أجيب”، والوعي بقيمة الإنجاز والسعي نحو مستقبل راشد “ولتكملوا العدة.. ولعلهم يرشدون”.. رمضان إذا درس لبناء الوعي بالتاريخ والجغرافيا الواقعية في تذكيره بالوقت والإقامة والسفر والشهود.. وهو درس للوعي بالتاريخ والجغرافيا العقلية في القدرة على اكتشاف الهداية وتمييز الأدلة والبينات ومعرفة الفوارق بين الأمور، والوعي بالتاريخ والجغرافيا البدنية من الحضور والصحة البدنية والنفسية.. هذه الألوان المختلفة من الوعي تستهدف إدارك التيسير الذي وضعه الله في بركات الصيام وإكمال العدة بتحقيق إنجاز الصيام وإدارك الشكر وإجابة الدعوة “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.. أجيب دعوة الداعي” عليك اليوم أن تبدأ بوعي مسيرة بناء الوعي في "زمن الوعي"، ولا تضيع فرصة تحقيق الأحلام..