تكريم 55 إعلاميًا في احتفالية "لقاء الأجيال" بجامعة سوهاج    مجلس وزراء العدل العرب يدعو إلى تكثيف التعاون العربي في مجال مكافحة الإرهاب    اليابان تحث إيران على وقف تقويض الاتفاق النووي    «بيلوسي»: الأدلة واضحة على أن ترامب استغل المنصب لمكاسب شخصية    مورينيو: سأرتكب أخطاء جديدة مع توتنهام    ضبط 18 محل للبيع بأزيد من السعر وعدم الإعلان عن الاسعار بالدقهلية    بالصور.. هنا شيحة ورانيا يوسف أبرز حضور فيلم "بيك نعيش"    30 بحثا ومحاضرة يناقشها المؤتمر الدولي السابع لطب الكبد بجامعة المنوفية    مكافأة أربعة مبتكرين في ختام الدورة السابعة من مسابقة Transformers Roadshow    بدء اختبارات الأسبوع التدريبي الحادي عشر بمركز سقارة    سامح عاشور: فائض "المحامين" تجاوز ال600 مليون جنيه.. ونعمل على تطهير النقابة    اسعار الملابس الشتوي 2019 بالعتبة والجيزة (فيديو وصور)    العراق ترفع الحظر عن مواقع التواصل الاجتماعي    مسئول أممي ينفي التدخل في تفاصيل تشكيل الحكومة اللبنانية    محكمة تركية تؤيد الأحكام الصادرة ضد 12 موظفا سابقا بصحيفة معارضة    المشاركون ب« صنع في إفريقيا» يؤكدون أهمية تشكيل هيئة تنسيقية لتنفيذ برامج الشمول المالي    مدرب بتروجت يكشف سر سعادته بالرباعية في سبورتنج    23 لاعبًا في قائمة البحرين للمشاركة في «خليجي 24»    محمد بن راشد يُعدل قانون إنشاء صُندوق دبى للدّعم المالي    بتر ذراع مسن صدمه قطار في الدقهلية    تعرف على حالة الطقس غدا    إحالة أوراق حداد مسلح متهم بقتل شخص في كفر الشيخ للمفتي    صور.. ختام تدريب "المبادرة القومية للمسئول الحكومى المحترف" بالإسكندرية    رئيس وكالة الفضاء المصرية: طيبة 1 يدخل حيز التشغيل بعد 3 شهور من إطلاقه    لتوصيل رسالة سلام.. مهرجان أطفال العالم يلتقون مصر على مسرح الشباب والرياضة    فيروز تتحدث عن علاقتها بالأخوين رحباني وأم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش والعندليب.. وتؤكد: ما يناسب كوكب الشرق لا يناسبنى.. لم أتعاون مع فريد الأطرش.. وتوقفت عن الغناء لموسيقار الأجيال    الوحيدة بالعالم.. تركي آل الشيخ يكشف عن "سيارة 2030" في موسم الرياض | صور    حقيقة وفاة «هادي الجيار» داخل المستشفى    بالفيديو..خالد الجندى يجيب على سوال ..لو ابنك سألك "هل يدخل غير المسلم الجنة"    الشيخ أشرف الفيل: من خلعت الحجاب "عاصية".. والدعوة لتركه كارثة (فيديو)    إصدار أول عملية توريق قصيرة الأجل في مصر ب 167 مليون جنيه    تعليم المنيا: لا توجد إصابات فيروسية بمدارس المحافظة    رفع كفاءة الطرق ورفع المخلفات بمدينة سفاجا    حريق يلتهم 7 آلاف طن قش أرز في مركز تجميع بالدقهلية    لافروف: واشنطن تطلب حلاً لكل شيء دفعة واحدة مع كوريا الشمالية    وزارة الطيران :لا صحة لتأجيل قرار استئناف رحلات الطيران المباشرة من روسيا إلى مصر    تفاصيل الاجتماع الأسبوعي للحكومة برئاسة مدبولي    الأعلى للإعلام يختتم دورة الصحفيين الأفارقة    حفل موسيقي "مصري – صيني" مشترك في فرع جامعة بنها بالعبور    هل التطهر من الجنابة يتطلب غسل الشعر بالكامل .. الإفتاء تجيب    ماسك سريع للتخلص من اثار حب الشباب    حلف بالطلاق على عدم شرب السجائر ثم تناولها | هل يقع الطلاق؟.. الإفتاء ترد    طلبوا فدية 100 ألف دولار.. القبض على المتهمين بخطف أجنبي ومساومة شقيقه    أولياء أمور "عبدالعزيز درويش" يطالبون تعليم الشرقية بتخفيض كثافة الفصول    بيلجريني: مورينيو ليس عدوّي.. لدى كل شخص خياراته وآرائه في كرة القدم    محافظ القاهرة: استرداد 27.5 مليون متر مربع من أراضي الدولة    أبرزهم بيرناردو وبوليسيتش.. 10 غائبين عن قمة سيتي وتشيلسي في بريميرليج    البورصة تخسر 1.4 مليار جنيه في ختام تعاملات اليوم    فيديو- بعد إعادة يده المبتورة إلى مكانها.. أحمد: "فقدت الأمل لكن ربنا نجاني"    وزارة الرياضة تطلق فعاليات الأولمبياد الثالث للفتاة الجامعية بالأقصر    بعد 77 يوما من إصداره.. السيسي يلغي هذا القرار    تفاصيل زيارة وفد برلمانى لقوات الجيش الثالث الميداني    مرصد الإفتاء: كيف أنشأ الإخوان المجتمعات الموازية في الخارج؟    «الإفتاء»: الإسلام حرَّم العدوانَ على حياةِ الجنينِ بالإجهاضِ    مجلس الوزراء يُثمّن جهود وفد مصر أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف    دراسة: سكان المدن الخضراء يعيشون عمرا أطول    الأهلي نيوز : الأهلي يعلن جاهزية مروان للقاء الجونة .. ويكشف موقف أجاي    فيديو| زوجتي تمتنع عني بحجة التعب.. هل أتزوج بأخرى؟| «الإفتاء» تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





د. أسامة الغزالى حرب يكتب : مجتمعات البروج المشيدة

إحدى الظواهر الاجتماعية التى يشهدها المجتمع المصرى الآن، والتى أخذت تنتشر بسرعة، هى ما أسميه ظاهرة «مدن البروج المشيدة»! إننى هنا أستعير التعبير القرآنى «البروج المشيدة» من الآية الكريمة «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة..» (النساء - 78) لوصف تلك التجمعات السكنية «المغلقة» أو الكومباوندز Compounds، والتى يتخذ الكثير منها – فى الواقع - تسميات تتفق مع مفهوم «البروج» مثل مرتفعات Heights أو تلال Hills ... إلخ.
وابتداء، فإن هذه المجمعات السكنية ظاهرة يعرفها كثير من بلاد العالم، باعتبارها نمطاً من الإسكان الذى يضم عدداً من الوحدات السكنية الفاخرة – فيلات أو قصور أو وحدات سكنية متميزة - على قطعة محددة من الأرض، غالبا ما تكون ذات مساحات خضراء واسعة تعزلها أسوار عما حولها، ويتم الدخول إليها من خلال بوابات محددة.
غير أن الانتشار السريع لهذا النوع من الإسكان فى بلادنا، فى المرحلة الراهنة، ينطوى على دلالات، تتجاوز بكثير مجرد وجود نمط من الإسكان الفاخر (لا غبار عليه فى ذاته) وفى سياق الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة اليوم فى بلادنا.
إنه - من ناحية أولى – أحد أهم ملامح التفاوت الاجتماعى والطبقى البشع وغير المسبوق الذى تعرفه مصر اليوم، حيث يعانى ملايين المصريين من أشد مظاهر الفقر والحاجة، على رأسها: الحرمان من الحد الأدنى من المسكن الكريم والملائم، الذى يتبدى فى أقبح صوره فى مئات العشوائيات المنتشرة فى كل أنحاء مصر، فى حين أخذت تنتشر وتتزايد بسرعة «مجتمعات البروج المشيدة»، والمتمثلة فى المجتمعات (أو الكومباوندز) التى أضحت أكثر جذبا وإغراء للباحثين عن سكن فاخر (ممزوج بنوع من التمايز الطبقى الاجتماعى!)، حتى ولو كلفهم أكثر بكثير مما يطيقون!
والتى يمكن اليوم إحصاء العشرات منها. إنها اليوم الوجه الآخر لما يزيد على 1100 (ألف ومائة) منطقة عشوائية منتشرة فى أنحاء مصر، يسكنها ما لا يقل عن 15 مليون نسمة (فى أكثر التقديرات تفاؤلا) منهم نحو 6.5 مليون فى القاهرة الكبرى وحدها. وفى حين تبلغ كثافة السكن فى «مدن البروج المشيدة» – بداهة - ربما أقل من بضع عشرات فى الكيلو متر المربع، فإنها تصل إلى 41 ألف نسمة فى الكيلو متر المربع فى بعض أفقر الأحياء بالعاصمة.
وفى مقابل الوفرة والتميز لجميع المرافق والخدمات التى يتصور وجودها فى (مجتمعات البروج المشيدة)، فإن الغالبية العظمى من المناطق العشوائية، بالملايين من ساكنيها، لا تتوافر لها «المرافق الأساسية»، أى الكهرباء والمياه والصرف الصحى.
غير أن هذا التفاوت الطبقى الهائل، الذى يتجسد ببشاعة فى التناقض بين سكان «البروج المشيدة المسورة» وسكان العشوائيات، إنما يمتد بداهة – وذلك هو الأخطر - إلى انفصال اجتماعى كامل، يتجاوز بكثير مجرد العزلة والانفصال فى السكن. إننا فى الواقع إزاء «عالمين» لا علاقة لأحدهما بالآخر على الإطلاق.
فالعزلة والانفصال فى السكن يوازيهما انفصال اجتماعى كامل: فى أماكن العمل، فى الشارع، فى النادى، فى المصيف، وفى أماكن السهر والترفيه! وهنا، قد يقول قائل: وما الغرابة فى هذا؟ إن تلك السمات الطبقية موجودة فى كل المجتمعات، فلماذا إذن التركيز على الوضع القائم فى مصر، حتى ولو كان فيه بعض التزيد أو المبالغة؟ لا!
إن ما أقصده – بوضوح ودون أى لبس- أن ذلك الانفصال الطبقى والاجتماعى قد أدى – فى أبعاده وممارساته - إلى فقدان كامل من جانب النخب والطبقات العليا للإحساس بالظروف التى تعيش فيها (لا أقول الطبقات الدنيا وسكان العشوائيات!) وإنما حتى الطبقات المتوسطة. ولكى أوضح مقصدى هنا – وعلى سبيل المثال - فإن أى شخص منا إذا أتيحت له الفرصة للذهاب والمعيشة لبعض الوقت فى إحدى العواصم الأوروبية (فى لندن أو باريس أو برلين أو روما!)،
سوف يلاحظ – مثلا - أن الأتوبيسات العامة يمكن أن يركبها أستاذ جامعى، أو مدير لشركة، أو طبيب مشهور، وأن الغالبية العظمى من المواطنين الميسورين مثلا لا يستعملون سياراتهم للانتقال بشكل يومى إلى العمل، بقدر ما يستخدمون الباصات أو المترو أو القطارات بين الضواحى.. وهم بالتالى حريصون على أن تكون تلك المواصلات العامة على أفضل درجة من الكفاءة والانتظام.
فى حين أنه من المستحيل، تقريبا، أن تشاهد فى أحد شوارع القاهرة (وحتى فى ضواحيها) أستاذا جامعيا أو مهنيا مرموقا، فضلا عن مسؤول حكومى أو وزير، سائرا على قدميه فى الشارع، أو مستقلا «باص»، أو فى المترو فى طريقه إلى عمله مثلا. لقد أصبحت «المواصلات العامة» فى مدن مصر هى فقط للفقراء وغير القادرين!
مما يضطر الآلاف (من الطبقة المتوسطة أو حتى دونها) للسعى للحصول على سيارة بأى شكل للوصول إلى أعمالهم، وتجنب مشاق وبهدلة المواصلات العامة، فما بالنا إذن بسكان «البروج المشيدة» الذين ينتقلون – بسياراتهم الفارهة - من العمل إلى النادى إلى «الكومباوند» السكنى!
وبعبارة أخرى، فإن عقلية سكان «البروج المشيدة» هى التحصن فى السيارة الخاصة، والحرص على تملكها، وتشجيع نشرها، والعزلة بالتالى عن الحافلات العامة ومشاكلها، وهكذا فى العديد من نواحى الحياة اليومية المتعددة، فى مقدمتها التعليم والصحة.
فلا شك أن التعليم فى مصر، وإن تعددت أوجه انقسامه وتشعبه، فإن أخطر مظاهر ذلك الانقسام اليوم هو الذى يقوم بين «التعليم الحكومى» وغيره، سواء كان التعليم الخاص أو الأجنبى أو مدارس اللغات.. إلخ.
لقد انتهى العصر الذى كان فيه أبناء الطبقة الوسطى يتلقون تعليمهم فى المدارس «الحكومية» المميزة، والتى خرَّجت فى القاهرة والإسكندرية وجميع عواصم ومدن مصر، أعظم رجالات مصر على الإطلاق. وظلت أسماء مدارس فى القاهرة، مثل السعيدية والخديوية والتوفيقية.. إلخ، لامعة بأساتذتها وطلابها وتقاليدها، وكانت هى التى تزود الجامعات بأفضل الطلاب.
ومثلما حدث فى الإسكان، فقد عرف التعليم أيضا «بروجه المشيدة» فى المدارس الأجنبية والخاصة، بل فى مناهج التعليم الأجنبية. ومثلما يصعب السكن فى (الكومباوندز) أو فى البروج المشيدة إلا بتكلفة باهظة، فإن الأمر نفسه ينطبق على المدارس الخاصة والجامعات الخاصة، التى هرول إليها أبناء الطبقات الوسطى (وليس فقط العليا)، ولتتحول المدارس الحكومية إلى أبنية باهتة متهالكة، خاوية على عروشها –إلا فى أيام محدودة من العام الدراسى، بعد أن انتقل المعلمون والطلاب إلى أوكار الدروس الخصوصية.
أما ظاهرة الكومباوندز أو البروج المشيدة فى مجال الصحة، فتبدو –أكثر من أى مجال آخر- بادية للعيان، فى شكل مستشفيات، وعيادات، ومراكز طبية، خاصة فاخرة، تمثل فعلا –لا مجازا- بروجا مشيدة عالية، وأنيقة، وفارهة. وذلك –بلا شك- أمر طيب فى ذاته، ولكن المشكلة هى أنه مثلما تتضاءل المساكن والبيوت العادية أمام فيلات وقصور المجمعات السكنية «أو البروج المشيدة!»، ومثلما تتضاءل وتبهت المدارس الحكومية أمام المدارس الأجنبية والخاصة، تتضاءل المستشفيات والعيادات «الحكومية» أمام بروج الصحة المشيدة فى الضواحى والأحياء الراقية!
وهنا، وعلى عكس ما حدث فى «السكن»، فإن مواطنين عاديين وبسطاء وفقراء كثيرا ما يضطرون لطرق أبواب بروج الصحة المشيدة، للحصول على ما لا يستطيعون الحصول عليه فى المستشفيات الحكومية والعامة، التى ودعت للأبد العلاج المجانى، واستبدلت به «بدعة العلاج على نفقة الدولة».
غير أن سكن «البروج المشيدة» ينمى أيضا، وبقوة، ليس فقط الإحساس بالعزلة والغربة عن المجتمع المحيط، وإنما الشعور بالأمن، المرتبط بالتحصن وراء أسوار وبوابات. وبالتالى، فإن المعيشة العادية فى شقة أو فى منزل أو حتى فى فيلا أو حى سكنى عادى أو راق، لا تبدو باعثة على الاطمئنان، مثلما تثيره المعيشة فى ال«كومباوندز»، يكون الدخول إليه والخروج منه محسوبا ومرصودا.
ما دلالة أو مغزى هذا كله؟ دلالته ومغزاه أن هذا الميل المتزايد لدى الطبقات العليا (وفى القلب منها النخبة الحاكمة)، ثم لدى قطاعات من الطبقة الوسطى لسكن (البروج المشيدة) من ناحية، وتصاعد المعروض من تلك (البروج) من ناحية أخرى، يقدم أحد الأمثلة الدالة على انقسام طبقى واجتماعى حاد فى المجتمع المصرى.
صحيح أنه يلمس شريحة ضيقة جدا من الطبقات العليا، ولكن ما أقصده هو «عقلية وذهنية» مجتمعات البروج المشيدة أكثر منها الوجود المادى لتلك المجتمعات أو «البروج»!! والتى نلمس نتائجها حولنا كل يوم فى هوة هائلة –وأكرر أنها غير مسبوقة- بين من يملكون ومن لا يملكون، وبالتالى وجود قنبلة اجتماعية تحت سطح المجتمع المصرى، يمكن أن تنفجر فى أى لحظة، وتصيب الجميع: من فى البروج ومن فى خارجها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.