بث مباشر هنا Barcelona VS Athletic.. ازاي تشوف ماتش برشلونة أتلتيك بلباو النهارده من غير اشتراك؟    دعاء أم يشعل السوشيال.. حنان ترك تتصدر تريند جوجل بعد رسالة مؤثرة لابنها    نيكول سابا تشعل السوشيال ميديا من جديد.. إطلالة مثيرة للجدل ونجاح فني متواصل    لمدة 7 أيام، فنزويلا تعلن الحداد على ضحايا الهجوم الأمريكي    نابلس: الاحتلال يواصل اقتحام اللبن الشرقية ويحول منزلا إلى ثكنة عسكرية    اليوم، انتظام صرف السلع التموينية بالتزامن مع إجازة عيد الميلاد المجيد    «ترامب» يتعهد بخطة جديدة لإدارة عائدات بيع النفط    بعد إعلان ترامب.. فنزويلا توافق على تصدير كميات كبيرة من النفط إلى أمريكا    رامي وحيد يكشف حقيقة جزء ثاني لفيلم حلم العمر» ويرد على هجوم المؤلف نادر صلاح الدين    محمد علي السيد يكتب: أنا يا سيدي مع الغلابة!!    اشتعال النيران في صهاريج نفط في «بيلجورود» الروسية بسبب هجوم أوكراني    المسلمون يشاركون المسيحيين احتفالاتهم.. ترانيم وقداس عيد الميلاد المجيد بكنائس سوهاج    مصطفى محمد لا بد منه، ضياء السيد يقدم روشتة الفوز على كوت ديفور ويوجه نصيحة لحسام حسن    فرحة تحولت لأحزان.. 4 وفيات و15 مصابًا حصيلة حادث حفل زفاف المنيا (أسماء)    ارتفاع الحصيلة ل 4 وفيات و15 مصابًا.. نائب محافظ المنيا يزور مصابي حادث حفل الزفاف    فيديو | بالزغاريد والفرحة والدعوات.. أقباط قنا يحتفلون بأعياد الميلاد    وسط إقبال كبير للأقباط.. أجراس كنائس سوهاج تدق وتُعلن بدء قداس عيد الميلاد المجيد    اليوم، الإدارية العليا تواصل استقبال طعون جولة الإعادة في ال 19 دائرة الملغاة    فرنسا تعلن عن تفاصيل عدد القوات الأوكرانية بعد انتهاء النزاع    تأجيل محاكمة عصام صاصا بتهمة الاستيلاء على لحن أغنية    أول تحرك من وزارة الصحة بعد فيديو وفاة مريض داخل مستشفى شهير بأكتوبر بسبب الإهمال    فلسطين.. 7 إصابات بالاختناق والضرب خلال اقتحام بلدة عقابا شمال طوباس    قرار هام بشأن مطرب المهرجانات إسلام كابونجا بسبب «انا مش ديلر يا حكومة»    د. أشرف صبحي: ماراثون زايد الخيري نموذج رائد لتكامل الرياضة والعمل الإنساني    محافظ القليوبية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة العذراء ببنها.. ويؤكد على قيم الوحدة الوطنية    أمم إفريقيا - رياض محرز: عرفنا كيف نصبر أمام الكونغو.. وجاهزون لنيجيريا    المتهم بقتل حماته يمثل جريمته في مسرح الجريمة بطنطا    رئيس مياه القناة يشدد على استغلال الأصول غير المستغلة وتقليل تكلفة التشغيل    رئيس المحطات النووية ومحافظ مطروح يبحثان دعم مشروع الضبعة    صدور «ثلاثية حفل المئوية» للكاتبة رضوى الأسود في معرض القاهرة للكتاب 2026    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    مقتل شخص خلال احتجاجات لليهود المتشددين ضد التجنيد    تير شتيجن يغادر معسكر برشلونة فى السعودية للإصابة    الأسهم الأمريكية تعزز مكاسبها قبل ختام التعاملات    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    رئيس الوزراء: اجتماع الأسبوع المقبل لمتابعة صعوبات تسجيل الوحدات البديلة للإيجار القديم    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وضع خارطة طريق لإطلاق منصة رقمية لمركز الفرانكفونية بجامعة عين شمس    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    بث مباشر مباراة مصر وبنين.. صراع أفريقي قوي واختبار جاد للفراعنة قبل الاستحقاقات الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«سقطوا في فخ الإدمان» شهادات موجعة لسائقي النقل الثقيل

فى زحام الطرق الطويلة وتحت هدير المحركات الثقيلة، تخفى كبائن الشاحنات حكايات لا يسمعها أحد.. فهى ليست مجرد وسائل نقل للبضائع؛ بل صارت ملاذًا لرجال يعيشون خلف عجلة القيادة لأيام طويلة، يقاومون التعب والوحدة والإرهاق، لكن بعضهم لجأ إلى طريق أشد ظلمة، وهو طريق الإدمان.
في هذا التحقيق، تفتح «المصري اليوم» أبواب الكابينة المغلقة، وتلتقى بعدد من سائقى النقل الثقيل الذين سقطوا فى فخ الإدمان، ينقلون لنا بصراحة مؤلمة تفاصيل حياتهم، دوافعهم، معاناتهم، ومخاوفهم.. وكيف صار الطريق الطويل أكثر قسوة من أى وقت مضى؟!.
د. عمرو عثمان مدير «صندوق الإدمان»: تفاعل كبير مع حملة «المخدرات مش هتضيعك لوحدك»
قال الدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى، إنه تم إطلاق حملة تحت عنوان «المخدرات مش هتضيعك لوحدك»، تستهدف رفع وعى السائقين بخطورة تعاطى المواد المخدرة، وشهدت تفاعلًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعى، وبلغ عدد مشاهدات الإعلان على الصفحة الرسمية للصندوق «فيس بوك» 11 مليون مشاهدة ونحو 9000 شير منذ إطلاقها، ما يشير إلى تأثير الحملة فى رفع الوعى بخطورة تعاطى المواد المخدرة وتوفير العلاج المجانى من خلال مراكز العزيمة التابعة لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى، إذ يتم توفير خدمات العلاج والدعم النفسى والتأهيل الاجتماعى لمرضى الإدمان مجانًا وفى سرية تامة، بالتوازى مع تكثيف جهود حملات الكشف عن تعاطى المواد المخدرة على السائقين بالطرق السريعة، واتخاذ الإجراءات القانونية بتهمة القيادة تحت تأثير المخدر وفقًا لقانون المرور.
وأضاف «عثمان» أن الخط الساخن لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى «16023» تلقى أكثر من 620 اتصالًا هاتفيًا من سائقين لطلب العلاج من الإدمان، إذ يتم توفير كافة الخدمات العلاجية لهم مجانًا ودون أى مساءلة قانونية؛ طالما أن السائق تقدم طواعية للعلاج قبل خضوعه لحملات الكشف على الطرق السريعة، ومن دون ذلك يتم اتخاذ الإجراءات القانونية وإحالته إلى النيابة العامة بتهمة القيادة تحت تأثير المواد المخدرة، مع استمرار تكثيف جهود الصندوق فى تنفيذ برامج التوعية لرفع وعى السائقين فى المواقف العمومية بخطورة تعاطى المواد المخدرة وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن التعاطى.
وأشار «عثمان» إلى استمرار الصندوق فى تنفيذ أنشطة توعوية فى المواقف العمومية على مستوى المحافظات لرفع وعى السائقين بخطورة تعاطى المواد المخدرة وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن تعاطى وإدمان المواد المخدرة، ضمن الحملة التى تم إطلاقها من خلال الصندوق بالتعاون مع الهلال الأحمر المصرى تحت عنوان «القيادة الآمنة»، بالتوازى مع الجهود فى تكثيف حملات الكشف عن تعاطى المواد المخدرة على السائقين بالطرق السريعة، واتخاذ الإجراءات القانونية بتهمة القيادة تحت تأثير المخدر وفقًا لقانون المرور، إذ تستهدف الحملة توعية السائقين فى المواقف العمومية والميادين العامة بخطورة التعاطى، وإلقاء الضوء على الخدمات التى يقدمها الخط الساخن للصندوق، والتى تتنوع بين توفير العلاج لمرضى الإدمان مجانًا وفى سرية تامة، وكذلك متابعة الحالات الخاضعة للعلاج، إضافة إلى توفير المشورة للأسر حول آليات الاكتشاف المبكر وكيفية التعامل مع الحالات المرضية.
ونوه «عثمان» باستمرار تكثيف جهود التوعية فى المواقف العمومية والميادين العامة بالتنسيق مع المحافظين، لرفع الوعى بخطورة المخدرات وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن التعاطى لدى الفئات الأكثر عرضة للمخدرات، مثل السائقين، كون المخدرات، حسب اعتقادهم، تعمل على تنشيط الذاكرة وتساعد على نسيان الهموم، وأن التعاطى يعطى قوة فى التركيز فى القيادة، وأنه يزيدهم أيضًا قوة لتطبيق فترتين فى العمل وغيرها من المفاهيم والمعتقدات الخاطئة، ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فإن السائقين الذين يقودون تحت تأثير مخدر الحشيش تزداد احتمالية تسببهم فى الحوادث بمقدار 3 أضعاف مقارنة بغيرهم من السائقين.
وتابع: «تم تقديم الخدمات العلاجية خلال النصف الأول من العام الجارى ل71673 مريضًا «جديد ومتابعة»، منهم 10640 مريضًا من أبناء المناطق المطورة «بديلة العشوائيات»: الأسمرات، المحروسة، روضة السودان، روضة السيدة، أهالينا، الخيالة، بشاير الخير، حدائق أكتوبر، وتنوعت الخدمات ما بين مكالمات للمتابعة والمشورة والعلاج والتأهيل والدمج المجتمعى، وإن الخدمات العلاجية تقدم للمرضى مجانًا ووفقًا للمعايير الدولية، وبلغت نسبة المستفيدين الذكور من هذه الخدمات 96٪، بينما بلغت نسبة الإناث 4٪، إذ تردد المرضى على المراكز العلاجية التابعة للصندوق والشريكة مع الخط الساخن، وعددها 34 مركزًا ب19 محافظة حتى الوقت الحالى، مؤكدًا أن ذلك يأتى فى إطار تنفيذ محاور الاستراتيجية القومية لمكافحة المخدرات والحد من مخاطر التعاطى والإدمان.
وأوضح أن العوامل الدافعة للتعاطى وفقًا لنتائج الخط الساخن جاءت فى المقدمة أصدقاء السوء بنسبة 61٪، وحب الاستطلاع بنسبة 23٪، وفيما يتعلق بالعوامل الدافعة للعلاج وفقًا لنتائج الخط الساخن، جاءت فى المقدمة ضياع الصحة بنسبة 35٪، ثم عدم القدرة المادية بنسبة 24٪، ثم المشكلات فى العمل والخوف من الفصل وتطبيق القانون عليه، لافتًا إلى استمرار الخط الساخن لعلاج الإدمان «16023» أيضًا فى تلقى الاتصالات من أى موظف يتعاطى المواد المخدرة، حيث يتم توفير الخدمات العلاجية مجانًا وفى سرية تامة، طالما أنه تقدم طواعية للعلاج، دون أى مساءلة قانونية قبل نزول حملات الكشف إلى مكان عمله وخضوعه لتحليل الكشف عن المخدرات، ومن دون ذلك يتم اتخاذ الإجراءات القانونية.
محمود عبدالتواب: «لم أستطع إنقاذ ابنى بكيس دم لأننى مدمن»
من قلب الحوامدية، بقرية «أم خنان»، خرج محمود عبدالتواب، الأربعينى، الذى ذاق طعم الموت حيًا لأكثر من ربع قرن؛ لم يكن مجرد سائق نقل قضى حياته بين الطرق السريعة والحوادث المحتملة؛ بل كان رجلًا تُطارده ظلال اختياراته، وأبًا نجا بأعجوبة من نفسه.
«الناس كلها خدت المخدرات، وأنا المخدرات هى اللى خدتنى»، هكذا بدأ «محمود» حكايته مع الإدمان، لم يكن يتحدث عن سقوط فجائى، بل عن انزلاق بطىء بدأ منذ كان طفلًا فى الثانية عشرة من عمره، حين شهد أول صدمة عنف فى فرح أخيه: سلاح أبيض، أسلحة نارية، وشم على الأذرع، ورجال يهتفون: «مرحب بالموت». أراد أن يبدو قويًا فى وسط كل هذا، أراد أن يفرح بأخيه، فمد يده لأول زجاجة بيرة.
ومن هنا، «بدأ أول سواد»، ومن مشهد فرح شعبى فى البساتين إلى سهرات السرقة من وراء الأهل فى أفراح الغرباء، بدأت البيرة تتحول إلى «بانجو، ومنه إلى حشيش، ثم إلى بودرة وكوكايين» وعبر كل هذه المحطات، كانت حياته تتآكل بالتدريج، حتى لم يعد يرى سوى وجه المخدر.
«أنا دخلت دايرة السواد، وفضلت ألف فيها 26 سنة».. لم يكن «محمود» مجرد مستهلك لمادة؛ بل كان سائقًا محترفًا يرى أن البودرة ضرورة لمهنته: «كنت فاكر إن اللى يشرب هو اللى يعرف يسوق بالليل، اللى يقدر يطبق ويكمل مشوار ورا مشوار، ما كنتش عارف إن كل مشوار كنت باجرى فيه كان على شوية هوا».
كان ينجز مشوار ال3 ساعات فى ساعتين، لم يكن هذا براعة؛ بل مخاطرة: «ما كنتش شايف غير الطريق، لكن كنت دايمًا ناسى إن فيه فردة كاوتش ممكن تطير، وإن اللى قدامى ممكن ما يعديش»، ورغم كل شىء، ظل «محمود» حيًا، لم يكن هذا بفعل الحذر؛ بل بستر من الله: «كنت ماشى برصيد ستر، مش بمهارة، ربنا كان بيسترها عشان خاطر ولادى».
أصعب ما مرّ به ليس لحظة الخطر على الطريق؛ بل لحظة الانكسار أمام ابنه «يوسف» حين ذهب لزيارته فى المستشفى بعد حادثة خطيرة، ودخل عليه بعدما تأخر بسبب انشغاله ب«تحضير المادة»، فاستقبله الطفل بنظرة واحدة ولّف بعدها وجهه: «بصلى كده وقال لى من غير كلام: إنت جاى ليه؟ إنت أصلاً السبب، وإنت اللى المفروض تكون أول واحد هنا»، وفى مرة ثانية، احتاج ابنه الأصغر «آدم» لعملية عاجلة بعد كسر فى الجمجمة، المستشفى طلبت كيس دم فذهب «محمود» للتبرع، لكنه رُفض لأنه «متعاطى».
«أنا اللى خلفته، وأنا مش قادر أنقذه، اللى أنقذ ابنى واحد غريب تبرع بكيس دم وقال لى: كيس الدم ده رزق ابنك، أنا عيطت من قلبى، من القهر، من القلة».. كل لحظة كان فيها عاجزًا عن القيام بدور الأب كانت مثل سهم فى ظهره، وعندما وصل للانفصال عن زوجته أدرك أنه إن لم يتوقف، لن يبقى شىء.
«النهارده بعد 21 شهر تعافى، حققت اللى بقالى 15 سنة بحاول أحققه، حتى لو لسه ما بقيتش مليونير»، يحكى «محمود» عن الحساب القديم بينه وبين الزمن: «كنت بحسب كل حاجة بمادة، معايا 500 جنيه؟ يعنى معايا 5 جرام، ما كنتش بحسبها فلوس.. كنت بحسبها نشوة.. اللى ريحنى كلمة واحدة: إن أنا مريض، ومش مسؤول عن مرضى، لكن مسؤول عن تعافيى، أنا النهاردة ما برجعش لورا».
قصة «محمود» واحدة من عشرات الحكايات التى تسكن جدران مركز إمبابة لعلاج الإدمان، التابع لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى، وراء كل وجه هادئ هناك تاريخ طويل من الهروب والانهيار والنجاة.
تايه على الأسفلت..«أحمد» يروى رحلة 20 عامًا مع الإدمان خلف مقود النقل الثقيل
فى قلب الطريق، بين هدير الشاحنات الثقيلة وصراخ الزمامير، كانت حياة «أحمد» تسير بسرعة جنونية لا تختلف كثيرًا عن عربته.. 20 عامًا قضاها بين الإدمان وقيادة النقل، بين الوهم والحقيقة، حتى جاء يوم قرر فيه أن ينقذ ما تبقى من روحه قبل أن تدهسه عجلات الضياع.
يقول «أحمد»، سائق نقل ثقيل: «أول تجربة لى مع المخدرات كانت وأنا فى تانية ثانوى.. بدأت كفضول، زى أغلب الشباب، وسنة ورا سنة دخلت السكة ومقدرتش أخرج منها، بس من 6 شهور قررت أبطل، حياتى كانت بتضيع، فلوسى وصحتى وشغلى وولادى، كل حاجة بتروح قدامى وأنا مش قادر أعمل حاجة».
ورغم أنه كان سائق نقل ثقيل، يحمل على عاتقه أرواحًا ومسؤوليات، إلا أن المخدرات كانت تُخدّر داخله كل هذا الشعور بالخطر، يقول: «بصراحة وأنا شارب مخدرات كنت بحس الناس كلها بتخاف منى.. الناس بتوسع لى.. وأنا حاسس إنى أعلى من الكل. مغيب تمامًا، فاكر إنى فى قمة تركيزى، لكن الحقيقة كنت فى قاع الوعى».
قرار الإقلاع لم يكن سهلًا، حاول أكثر من مرّة أن يبتعد عن المخدرات بنفسه، لكنه كان يسقط سريعًا، «كنت أرجع تانى بعد أسبوع أو عشرة أيام.. وابن خالى هو اللى نصحنى أروح لمركز العلاج من خلال صندوق مكافحة الإدمان، ومن يوم ما رحت، وأنا فهمت إن الحكاية مش علاج ولا برشامة، الحكاية وعى وفهم».
فى مركز العزيمة التابع للصندوق، بدأت الرحلة الحقيقية.. رحلة التغيير. «اللى عايز يبطل بجد لازم يروح لمكان متخصص، ويتكلم مع دكتور، لازم يبقى فيه إشراف ومتابعة.. غير كده هيفضل يلف فى نفس الدايرة».
حين يعود بذاكرته للوراء، لا يرى «أحمد» إلا «نقطة سوداء» فى حياته.. يتابع: «كنت عصبى جدًا مع مراتى وولادى.. بضرب على أقل حاجة، كنت مقصّر فى حقهم وحق نفسى. بس الحمد لله، لما بطلت، بدأت أرجع ليهم من جديد. بقينا بنتفاهم، وبقيت بحس باللى حواليا»، لكنه لا ينسى أن الإدمان كان يسير على الأسفلت معه كل يوم: «كنت بسوق وأنا شارب، ومغيب، والناس بتخاف منى، الطريق كان بيعدى بسرعة، وأنا مش شايف حاجة، كنت ممكن أموت أو أموت حد، والناس مش واخدة بالها إن سواق النقل ممكن يكون مش فى وعيه».
من قلب التجربة، يوجه «أحمد» رسالة واضحة: «لكل سواق نقل أو ميكروباص أو حتى ملاكى.. خاف على نفسك وعلى غيرك، طريق المخدرات نهايته موت أو حبس، مفيش تالت، وربنا بيحب كل واحد بيقرر يرجع قبل فوات الأوان.. عارف إن فى تحاليل فى المرور، بس للأسف فى ناس بتاخد رشاوى، وفى دكاترة بيبيعوا حقن بتخفى آثار المخدرات، لازم الدولة تراقب الموضوع ده.. عشان فيه أرواح بتموت على الطريق بسبب الغش ده».
ورغم القطيعة اللى عاشها مع أهله بسبب سلوكه، إلا أن الطريق إلى القلب مفتوح دائمًا، فقط لمن يطرق بإخلاص، «أهلى تعبوا معايا كتير، وكانوا بيدعولى أبعد عن سكة المخدرات. ولما بطلت وابتديت أتعافى، قربوا منى تانى، ورجعت علاقتى بيهم أحسن من الأول.. ومراتى تعبت معايا.. واستحملت كتير. كانت سند فى الوقت اللى كنت فيه واقع. النهاردة، بشكرها وبشكر إخواتى، وربنا اللى نجانى من الضلمة دى».
اليوم، يعيش «أحمد» حياة «نضيفة جدًا» على حد وصفه، يحلم بأن يظل متعافيًا إلى آخر العمر، ويأمل أن تتحول قصته إلى شعلة تنير طريق آخرين: «نفسى كل واحد تايه زيى، ياخد القرار، وربنا هيكرمه، مش مهم وقعت كام مرة، المهم توقف على رجليك وتكمل.. كنت ماشى على طريق مالوش نهاية.. لكن دلوقتى شايف الطريق بعيونى، مش مهم إنك اتأخرت، المهم إنك توصل.. وتوصل نضيف».
«الترامادول كان صاحبى الوحيد»
«جمال» يروى قصة 18 عامًا: «بدأت بسيجارة فى فرح وبعدين برشامة ترامادول ثم دخلت جحيم الإدمان»
جمال سيد، 32 عامًا، بدت ملامحه هادئة لكنها تحمل ما يشبه آثار معركة خاضها طويلاً وخرج منها حيًا، كان يرتدى قميصًا نظيفًا وبنطالًا مكويًا، لكنه حين بدأ الحديث اتّضح أن نظافته هذه لم تكن مجرد مظهر.. بل كانت قرارًا، وإصرارًا، ونجاة.
«جمال» سائق نقل ثقيل ونصف نقل وملاكى وميكروباص، لم يولد فى الظلمة، لكنه مشى نحوها بخطى ثابتة منذ أن كان عمره 13 عامًا، لم يكن مدفوعًا بالفقر أو الألم؛ بل فقط بفضول مراهق، ونزق جلسات الأصدقاء، وحب التجربة. «كنت بشوف زميلى بيشرب، وعايز أجرب.. حب استطلاع بس».
- الترامادول.. بوابة الانهيار
بدأ الأمر بسيجارة فى فرح، ثم برشامة «ترامادول» صغيرة «عشان أقدر أشتغل 3 أيام صاحى من غير نوم»، كما يروى، لكن «المنشّط» المزعوم لم يكن إلا بوابة خلفية إلى جحيم استمر 18 عامًا، ومع مرور الوقت، صار الترامادول هو القائد، ولم يعد «جمال» يتحكم فى وقته، ولا فى تركيزه، ولا حتى فى سُرعة رد فعله وهو على الطريق.
«كنت سايق، وبينى وبين العربية اللى قدامى 10 متر.. فى دماغى كنت شايفهم 200! آخر أيام كنت بسوق وأنا مش فى الدنيا أصلًا»، هكذا يتحدث بمرارة عن تلك السنوات: «75٪ من السواقين اللى عرفتهم كانوا بياخدوا مخدرات.. دماغ المخدر كانت بالنسبالهم ضرورية علشان يعرفوا يمشوا على الطريق، بس الحقيقة إنها كانت بتاخدهم على طريق واحد.. يا الحبس، يا القبر».
رأى «جمال» أمامه زملاء يتورطون فى حوادث قاتلة؛ بعضهم مات، وبعضهم قتل آخرين دون أدنى شعور، ليصف الأمر، قائلًا: «المخدرات ما كانتش بس بتغيّبنى، كانت بتخلينى خطر على الناس اللى حوالىّ»، ولم يتوقف النزيف عند حدود الخطر على الطريق، ليستكمل: «خسرت مراتى، خسرت ثقة أبويا وأمى، خسرت صحتى.. كنت بشتغل وأنفق كل أموالى على الترامادول.. كنت بشتريه ب10 جنيه.. ولو وصل 2000 كنت هجيبه برضه».
الإدمان ترك آثارًا جسدية لا تُمحى، أبرزها سقوط أسنانه، يضيف: «الترامادول بيأثر على العضم.. أسنانى وقعت، صحتى باظت.. حتى ملامحى اتغيرت، ورغم كل شىء، لم يكن الأمل بعيدًا، وفى لحظة يأس لمحت إعلانًا تليفزيونيًا يظهر فيه النجم محمد صلاح، يشجع المدمنين على طلب المساعدة من الخط الساخن لصندوق مكافحة الإدمان والتعاطى، وما كنتش أعرف إن فى حاجة اسمها مركز عزيمة، بس لما رنيت على الخط ردوا عليا، وسألونى كام سؤال، وحوّلونى على أقرب مكان ليا فى المنيا».
دخل «جمال» مركز «عزيمة» التابع للصندوق، ومكث 70 يومًا تلقى فيها العلاج الطبى والنفسى والسلوكى، «كنت بصحى الصبح، نعمل تمرينات، نتكلم عن أفكارنا، نشتغل شغل حقيقى فى الورش. كانوا بيجهزونا نرجع نعيش من غير مخدرات، من غير خوف»، واليوم، وبعد مرور سنة وشهرين من التعافى، يتحدث بثقة عن قرار التغيير، متابعًا: «النهارده نضيف.. الناس بتحترمنى، بنتى بترجع تكلمنى، أبويا بقى فخور بيا. أنا كنت وصمة.. دلوقتى أنا أمل.. بلاش مخدرات.. نهايتها سودة، يا الحبس يا الموت يا الجنان. صدقنى.. لو طلبت المساعدة، هتلاقى ناس بتفهمك، وبتحب تشوفك واقف على رجليك، لو قدرت أنا أبطل بعد 18 سنة، فأى حد يقدر.. بس أهم حاجة تبدأ».
محمد يحيى: «الناس كلها أخدت المخدرات إنما أنا المخدرات هى اللى أخدتنى»
محمد يحيى، لم يكن يومًا «مدمنًا» بالمعنى الشعبى، ولا من أبناء الأزقة الخلفية الذين تربوا على رائحة «الاستروكس» والدخان الحارق، فهو حاصل على بكالوريوس سياحة وفنادق، كان يقود سيارة نقل بثقة، ينهض مبكرًا، يضع سماعاته فى أذنه، ويبدأ رحلته اليومية. لكن الرحلة هذه المرة كانت إلى الجحيم.
«الناس كلها خدت المخدرات.. إنما أنا المخدرات هى اللى خدتنى»، يقولها «محمد» بنبرة فيها حزن معتق بالوجع، وكأنها خلاصة تجربة امتدت لسنوات.. يحكى: «كنت بفضل صاحى 3 أو 4 أيام، ما بنامش، مش دارى بحاجة، ودانى شغالة بس جسمى مش موجود.. حصل مرة وأنا سايق اتقلبت بالعربية، مش شايف الطريق بس سامع صوت الموتور، ما كنتش حاسس إن فى مشكلة.. ودى مصيبة».
«محمد» لم يكن وحيدًا، لكنه كان يشعر بالوحدة، يضيف: «أنا من عيلة كويسة، كنت سبب فى قلقهم وسهرهم.. بقيت عبء، بقيت خوف فى عين أمى، ووجع فى قلب أبويا، لكن رحلة الإدمان بدأت من باب الفضول، فى فرح بسيط شربت فيه أول سيجارة حشيش، عمرى لم يتجاوز وقتها 17 عامًا، وما كنتش شايف إن فيها مشكلة.. بس هى الشنطة كلها واحدة. بدأت بالحشيش وانتهيت بالأيس والبرشام والخمور وكل حاجة.. مشيت الطريق كله».
«ما تولدتش مدمن.. بس مرض لعنة»، ينظر «محمد» فى الفراغ قبل أن يكمل: «الإدمان ده مرض مش عيب.. زى السكر والضغط، مرض بيسرقك من نفسك وأهلك وشغلك، ولوحدى ما كنتش هعرف أواجهه، جربت أبطل 8 شهور قبل كده، قعدت فى البيت من غير وعى.. فرجعت أسوأ، وصندوق الإدمان كان حائط صد فى مواجهة الإدمان، الوعى بدأ من باب الصندوق، تحديدًا من خلال التواصل مع صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى».
شقيقة «محمد» التى كانت تشاركه القلق وتخاف عليه فى صمت، تواصلت مع الصندوق، وحجزت له بأحد المراكز التابعة للصندوق، إذ يقول: «دخلت المركز وفضلت فيه 26 يوم، وبعدها كملت فترة الاستشفاء فى مركز العزيمة التابع للصندوق بدمياط.. وهنا بدأت أفهم يعنى إيه علاج حقيقى.. ما كنتش محتاج غير مصاريفى الشخصية.. كوباية شاى.. بس العلاج كله مجانى والإقامة. والأهم من ده كله.. الناس هناك بتتعامل بإنسانية. مش مصحة مجانين ولا وصمة.. دول ناس بتحتضن المدمن كإنسان مش كمشكلة».
فى مركز العزيمة، اكتشف «محمد» أن العلاج مش بس دواء «العلاج كان نفسى، وسلوكى، وروحى كمان.. المشرفين هناك كانوا متعافين قبلنا، وده اللى فرق.. لأن اللى حاسس بطينك هو اللى يقدر يشيلك».
«التبطيل قرار رجالة.. والاستمرار بطولة»، عبارة أصبح يرددها «محمد» كل يوم فى اجتماعات زمالة المدمنين المجهولين التى يحضرها بانتظام: «التبطيل للرجالة.. والاستمرار للأبطال». هو لا يخجل من لقبه الجديد «مدمن متعافٍ»؛ بل يعلنه بفخر: «لازم أقول على نفسى مدمن، عشان المرض ما يغفلنيش تانى.. المرض ده ما بيخلّيش، بس أنا النهارده متعافى وواعى وفايق، وبركب العربية وأنا صاحى، عارف دورى وبأديه بأمانة».
ينهى «محمد» حديثه برسالة: «إدّى لنفسك فرصة»، موجها إياها لكل من لا يزال عالقًا خلف أسوار الإدمان: «إدّى لنفسك فرصة.. الموضوع مش عيب ولا ضعف، ده طريق فيه نور فى آخره.. بس لازم تدخل المكان الصح، وتختار تبطل بجد.. محدش هيقوم مكانك، لكن فى ناس ممكن تمدلك إيدها.. وأنا واحد منهم».
اليوم، يحتفل «محمد» ب6 أشهر من التعافى ومن الوعى والنظافة، بعد أكثر من 15 سنة من التيه والضياع. وعلى لسانه، لا يطلب تصفيقًا، فقط يطلب أن تُروى القصة، لعلها تُنقذ روحًا أخرى كانت مثله.. تائهة، لكنها قابلة للنجاة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.