ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة لأعلى مستوى منذ اندلاع حرب إيران    لبنان يندد بهجوم إسرائيلي على أفراد من الدفاع المدني بجنوب البلاد    بوتين يتهم أوكرانيا بتكثيف هجمات الطائرات المسيّرة على منشآت مدنية داخل روسيا    مصر تدخل أسواق الخليج لأول مرة بتصدير الدواجن المجمدة إلى قطر    ترامب: لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي والملك تشارلز يتفق معي أكثر مما أتفق أنا مع نفسي    تفاصيل حادث سير الإعلامية بسمة وهبة على محور 26 يوليو    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    أمريكا: اتهام مدير الFBI السابق جيمس كومي بنشر محتوى يُعد تهديدًا لترامب    خالد جاد الله: أزمة الأهلي هجومية وأتوقع فوزه على الزمالك في القمة    واقعة مثيرة للجدل في سويسرا.. أبرشية كاثوليكية ترفض حرمان مؤمنين قدموا القربان لكلابهم    تحذير عاجل من ظاهرة جوية تبدأ بعد ساعة وتستمر حتى الصباح    9 مصابين في حادث انفجار شعلة غاز ببني سويف    اليوم.. أولى جلسات محاكمة أحمد دومة في قضية نشر أخبار كاذبة    خروج بسمة وهبة من المستشفى بعد تعرضها لحادث سير ومصدر مقرب يكشف التفاصيل    طرح البوستر الرسمي لفيلم الكلام على إيه؟!    الخلوة الرقمية: وعي القيم وحماية الشباب في عالم الإنترنت    جامعة دمياط ترسخ القيم الدينية بوعي طلابي متجدد    ضبط 3200 عبوة شيكولاتة وحلاوة طحينية منتهية الصلاحية و4800 قطعة صابون بدون تواريخ إنتاج بالغربية    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    محافظ دمياط يتابع أعمال رصف شارع بورسعيد برأس البر وتطوير منطقة اللسان والفنار    فتح باب الانضمام إلى اتحاد العمال الوفديين    مختار جمعة: الذكاء الاصطناعي والعقل البشري وجهان للتطور المستمر    بين الأسرار والجريمة.. أحمد بهاء يفاجئ الجمهور بدور جديد في "الفرنساوي"    وزير الآثار الأسبق يكشف أسرار استرداد القطع المهربة    قافلة طب الأسنان بدمياط تخدم عشرات المواطنين وتؤكد تكامل الصحة والجامعة    ورشة تدريبية لتعزيز السلامة المهنية والإسعافات الأولية للصحفيين والإعلاميين    جراحة نادرة بطنطا لاستئصال ورم ضخم ومعقد بالوجه والرقبة لسيدة بلغ 20 سم    عادل عقل: الحكم والVAR يحرما باريس من ركلة جزاء أمام البارين    قبل 72 ساعة من انطلاق المباراة.. رسميا نفاد تذاكر مباراة القمة بين الزمالك والأهلي بالجولة الخامسة من مرحلة التتويج بلقب دوري نايل    مكتبة الإسكندرية تُطلق منهج "كتاب وشاشة" لتعليم الكبار    التعليم: الدراسة العملية لمنهج الثقافة المالية ستؤثر على قرارات الشباب الاقتصادية ونمط تفكيرهم    وفاة المحامي مختار نوح وتشييع الجنازة اليوم من مسجد مصطفى محمود بالمهندسين    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    أيمن يونس: الأهلي لا يؤتمن في القمة والزمالك لم يحسم الدوري    الحكم بإعدام شخصين قتلا جارهم لرفضه العمل معهم في البحيرة (فيديو)    جامعة العريش تستقبل وفد اتحاد الاتحادات النوعية الرياضية والشبابية لتعزيز الوعي والانتماء لدى الطلاب    جريمة منتصف الليل، الكشف عن تفصيل جديدة في سرقة محصول القمح بالشرقية    مدرب سيدات يد الأهلي: العمل الجماعي كلمة السر في التتويج بلقب الكأس    وفاة مختار نوح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة    ديمبيلي: باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ لا يترددان في تحقيق الفوز    أخبار × 24 ساعة.. الحكومة: الدولة تمتلك أرصدة مطمئنة من السلع الاستراتيجية    فصل الكهرباء 3 ساعات بقرى قلين اليوم للصيانة.. اعرف المناطق المتأثرة    ثروت الخرباوي يكشف تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة مختار نوح: نطق الشهادتين قبل وفاته    مصرع شخص إثر انهيار حفرة خلال التنقيب عن الآثار بشبين القناطر    «قرض ياباني ميسر».. رئيس الهيئة القومية للأنفاق يعرض تفاصيل مشروع الخط الرابع للمترو    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    ترامب يهاجم ميرتس ويصف موقفه من امتلاك إيران للسلاح النووي ب"الكارثة"    منتخب مصر ينعش خزينة اتحاد الكرة ب730 مليون جنيه في عهد التوأم    الملك تشارلز: النزاعات في أوروبا والشرق الأوسط تؤثر بكل أرجاء دولنا    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    استشاري تغذية: لا وجود لنظام "الطيبات" في المراجع الطبية.. ومصطلحاته بلا سند علمي    هيثم زكريا مديرا للتعليم الخاص والدولي وشعراوي لمجموعة مدارس 30 يونيو    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    اجتماع حزب الوعي لمناقشة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان 2026–2030    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوسا وزمن البهلوانات
نشر في المصري اليوم يوم 28 - 10 - 2010

بالنسبة لى كقارئ عربى، لا يستحق الروائى العظيم ماريو بارجاس يوسا جائزة نوبل للآداب منفردا، فمن العدالة أن يشاركه فيها بنسبة عادلة المترجم العربى الكبير صالح علمانى، الذى لولاه ما كان أمثالى من عديمى اللغات قد قرأوا هذا الكم المتنوع من الروايات الرائعة ليوسا، حتى لحظة فوز يوسا بالجائزة كانت دار المدى العراقية التى تتخذ من سوريا مقرا لها قد نشرت له من ترجمة صالح علمانى الروايات التالية
«امتداح الخالة من قتل بالومينو موليرو ليتوما فى جبال الانديز بانتاليون والزائرات قصة مايتا شيطنات الطفلة الخبيثة الفردوس على الناصية الأخرى حفلة التيس» بالإضافة إلى كتاب (رسائل إلى روائى شاب) ورواية (الفردوس على الناصية الأخرى) التى نشرتها دار الحوار السورية، أما دار الفارابى اللبنانية فكانت قد نشرت له من ترجمة صالح علمانى أيضا رواية (دفاتر دون ريغو دى بيرتو) التى تشكل امتدادا لرواية (امتداح الخالة)، وفى مقدمتها قرأت أن صالح علمانى كان قد ترجم له روايتين قديمتين لكننى لم أجدهما أبدا على طول ما بحثت عنهما فى القاهرة ودمشق وبيروت، وهناك دار نشر تونسية على ما أعتقد
نشرت ترجمة لكتابه (إيروس فى الرواية) وقد بحثت عنه فى مكتبات القاهرة ولم أجده، وسأكون شاكرا لمن يدلنى على كيفية الوصول إليه، أما المجلس الأعلى للثقافة فكان قد نشر له عملين هما (الجراء الرؤساء) من ترجمة الأستاذة هالة عبدالسلام ومراجعة محمد أبوالعطا. أتمنى أن يشجع فوز يوسا بنوبل دار المدى على إعادة نشر ما تمت ترجمته ليوسا، ثم تكليف صالح علمانى بترجمة كل ما لم نقرأه بعد من إنتاج يوسا الغزير سواء كان روايات مثل (حديث فى الكاتدرائية) و(حرب نهاية العالم) و(زمن البطل) وغيرها من الروايات والكتب، خاصة أننى قرأت له كثيرا فى الصحيفة المحترمة (أخبار الأدب) مقتطفات فاتنة من أعمال نقدية وكتابات صحفية عديدة له.
للأسف كان فوز يوسا بنوبل للآداب فرصة لفضح الواقع المتردى للصحافة المصرية فى تعاملها مع الأدب والثقافة، راجع من فضلك التغطيات المختلفة التى قدمتها صحفنا التى حفلت بالأخطاء ونقص المعلومات، وقارنها بالتغطيات المماثلة التى قدمتها الصحف العربية ولن أقول العالمية للحدث، (أستثنى هنا تغطية أخبار الأدب المتميزة دائما وأبدا، ثم تغطية صفحة الأدب فى الأهرام والتى يشرف عليها الشاعر الكبير بهاء جاهين)، لا أريد هنا أن أتعالم وألقن كل صحيفة درسا وأنا العبد الخطاء، لكن أعتقد أنه من العيب فى عصر الإنترنت أن تخطئ
صحف كبيرة فى معلومات من نوعية كم أديبا من أمريكا اللاتينية حصل على نوبل، فتقول صحيفة كبيرة ثقافيا إن أمريكا اللاتينية حصلت على نوبل للآداب مرتين، وفى صحيفة يرأسها مثقف كبير تقرأ أنها حصلت عليها ثلاث مرات، مع أن المسألة ليست كيميا، يمكن ببساطة أن تدخل كصحفى إلى شبكة الإنترنت وتطبع سطرا فى جوجل اسمه (قائمة الفائزين بجائزة نوبل للآداب) وعندها ستعرف أن أمريكا اللاتينية حصلت على جائزة نوبل ست مرات، والعهدة على جوجل، أول مرة كانت فى عام 1945 وكانت من نصيب الشاعرة التشيلية غبريالا مسترال، ثم فى عام 1967 حصلت عليها للمرة الثانية عندما ذهبت الجائزة إلى كاتب جواتيمالا الأشهر ميغيل أنخل استورياس صاحب رواية (السيد الرئيس) الشهيرة، ثم فى 1971 حصل الشاعر التشيلى العظيم بابلو نيرودا على الجائزة الثالثة لأمريكا اللاتينية.
وبعدها فى عام 1982 جاءت الجائزة الرابعة والأشهر التى كانت من نصيب الروائى الكولومبى العظيم غابرييل غارسيا ماركيز، وفى عام 1990 كانت الجائزة الخامسة من نصيب الروائى المكسيكى أكتافيو باث، وأخيرا فاز يوسا بالجائزة السادسة لأمريكا اللاتينية التى كانت تستحق دون شك جوائز يفوز بها جورجى أمادو وخورخى لويس بورخيس وخوليو كورتاثار وكارلوس فوينتس وإيزابيل الليندى (وإن غضب البعض)، ومن هؤلاء من قضى نحبه ومنهم من تنتظره الجائزة.
وياليت الأمر اقتصر على أخطاء المعلومات التى نشرتها الصحف حول أسماء روايات يوسا وعدد رواياته، للأسف حاول البعض إصدار أحكام سياسية على الرجل حاولت تصوير أنه فاز بالجائزة لأنه يمينى متعفن ساند الحرب الأمريكية على العراق، وأنه انتهازى باع اليسار واشترى اليمين الذى أوصله إلى نوبل، مع أن مواقف الرجل السياسية أكثر تعقيدا وتركيبا من ذلك، للأسف لم تكلف أغلب الصحف نفسها استكتاب
متخصصين حقيقيين فى أدب الرجل مثل الدكتور حامد أبوأحمد الذى كتب عنه فصولا بديعة فى كتاب له عن أدب أمريكا اللاتينية أصدرته الهيئة العامة للكتاب، تفهمت غضب الدكتور حامد فى إحدى الندوات مما قيل من تصريحات ضد يوسا من كتاب مصريين، ليس فقط لأنه عرف يوسا شخصيا عندما رافقه خلال زيارته إلى مصر قبل سنوات، وإنما لأنه يعرف بحق قيمة الرجل وعطاءه الأدبى الذى يتجاوز بكثير موقفا سياسيا اتخذه بسبب انحيازه الدائم ضد الديكتاتوريات السياسية، وإن كان ذلك لم يمنعه من الكتابة بإنصاف عن العراق ووضعها تحت الاحتلال الأمريكى عندما زارها بعد ذلك بسنوات بصحبة ابنته التى صورت تلك الزيارة.
الغريب أننى قرأت مقالات وتصريحات لأدباء ونقاد مصريين حول مواقف يوسا السياسية وصلت إلى حد الحديث عن كتابات ابنه الأكبر الذى تحتفى به الصحافة اليمينية فى أمريكا، وتعجبت من إصرار البعض على الاستمرار فى تصوير أن من يحصل على نوبل للآداب لابد أن يكون مرضيا عنه من الصهاينة والأمريكان، فقد كنت أظن أن ملفا مثل هذا كان ينبغى أن يغلق أو حتى يفتح على استحياء بعد ذهاب الجائزة لكتاب مثل ساراماجو وداريو فو وهارولد بنتر ولوكليزيو وجميعهم أصحاب مواقف رائعة ضد الصهيونية والغطرسة الأمريكية، بالطبع
ليس يوسا من بقية أهلى لكى أتعصب له وأسعى لمنع أى اجتهادات تطلق بشأنه، لكننى كنت أتمنى أن تكون اجتهادات تقف عند حدود الأدب (أقصد المعنيين هنا)، ولا تتطوع بمحاولة تشويه الرجل ووصمه باتهامات تبعد عنه القارئ المصرى والعربى خاصة أن الرجل اتخذ مواقف سياسية لم تعجب إسرائيل عندما زار الأراضى المحتلة وانحاز للحق الفلسطينى بطريقته ومن خلال مفاهيمه التى قد لا ترضى طموحاتنا، لكنها يمكن أن تشكل أرضية للحوار مع رجل مثله لديه تأثير أدبى كبير فى العالم يمكن أن نستفيد منه لخدمة القضية الفلسطينية إذا كنا راغبين أصلا فى خدمتها، أو تذكرها.
على أية حال، أعتقد أن يوسا وأدبه أعظم وأجمل بكثير من أن أحاول تلخيصهما أو اجتزاءهما حتى فى مساحة شاسعة كهذه، أعجبنى السطر الذى عللت به اللجنة قرار منح الجائزة ليوسا «لرسمه خرائط بنى السلطة ولتصويراته المتعمقة لمقاومة الفرد وثورته وانهزامه»، وهو سطر يلخص بعضا من أعمال يوسا لكنه لا يختزل تجربته كلها كما أظن، فى (حفلة التيس) ستجده يقدم تجربة بديعة فى أدب الديكتاتور من خلال روايته لقصة ديكتاتور الدومينيكان الشهير تروخيو، عندما ظهرت الطبعة العربية الأولى للرواية فى عام 2000 وقرأتها بنهم واستمتاع،
لم أكن أعلم جهلا منى أنها عن شخصية حقيقية، ثم بعد ذلك ومع تتبعى لأعمال يوسا وجدت أنه يكتب كثيرا من أعماله الروائية عن شخصيات حقيقية ولكن بعد أن يقوم بعمل خلطة روائية بديعة يختلط فيها الواقع بالخيال بشكل مدهش، ستجد ذلك فى روايته (الفردوس فى الناصية الأخرى) التى يروى فيها جانبا مجهولا من حياة الرسام العالمى بول جوجان، فى روايته (قصة مايتا) التى جلبت له سخطا من رفاقه اليساريين القدامى يلقى الضوء على تناقضات الأحزاب السياسية اليسارية مازجا الواقع بالخيال بأسلوب ساخر مدهش،
فى روايته (بانتاليون والزائرات) يحكى بشكل ممتع عن قصة تأسيس جيش بيرو إدارة سرية تقدم خدمات للدعارة فى المناطق التى يخدم فيها الجنود فى الغابات والأحراش لكى لا يقوموا باغتصاب نساء القرى المجاورة لمناطق خدمتهم ويتم تكليف أكثر الضباط حزما وصرامة بترك الخدمة العسكرية رسميا وإنشاء هذه الإدارة دون أن يعترف بارتباطها بالجيش، فى روايته (من قتل بالومينو ماليرو) يكشف من خلال تحقيق فى جريمة قتل حلقات الفساد التى تنشأ بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية، وحتى فى أعماله التى تبدو بعيدة عن الأجواء السياسية يحرص يوسا على تقديم خلفية معرفية فى كل رواية بأسلوب يبتعد عن المباشرة لكنه يقدم فائدة عظيمة لقارئه.
كل ما حققه يوسا من نجاحات أدبية لم يقنعه بالابتعاد عن الاشتباك مع الواقع، فهو حتى الآن يكتب فى الصحف مقالات منتظمة، بل ويقوم أحيانا بعمل تحقيقات صحفية بتكليف من بعض الصحف، وهو يعلن دائما أنه مدين للصحافة بأنها ألهمته نصف ما كتبه، وفى حين يحاول بعض كتابنا أن يهرب من اتخاذ مواقف سياسية محترمة يواجهون بها الواقع بزعم أن ذلك يؤثر سلبا على جودة أدبهم، نرى يوسا عندما يُسأل فى حوار صحفى حول إصراره على كتابة المقالات السياسية وما إذا كانت يمكن أن تؤثر عليه سلبا،
يرد قائلا «أعتقد أن الكاتب لا يجب أن يفكر فى الانسحاب، إن مهمة الكاتب هى أن يكتب بصرامة وأن يدين كى يدافع عما يؤمن به بكل ما لديه من موهبة، أؤمن أن هذا اعتبار أخلاقى للكاتب، لأنه لا يمكنه أن يكون فنانا مجردا، أعتقد أن على الكاتب مسؤولية من نوع ما، على الأقل فى أن يشارك فى الحوار المدنى، لأننى أعتقد أن الأدب يحسن الأحوال إذا أًصبح جزءا من برنامج الناس والمجتمع والحياة... أعتقد أن مداخلات الكتاب فى الحوار العام يمكن أن تصنع فرقا، إذا انتزعت الثقافة تماما من سياق ما يجرى فإنها تصبح مصطنعة».
لم يكتف يوسا فقط بالكتابة فى الشأن السياسى والاشتباك مع الواقع، بل قرر أن يخوض تجربة العمل السياسى بشكل مباشر، لعلك تعلم أنه رشح نفسه لانتخابات الرئاسة فى موطنه بيرو ضد رئيسها ألبرتو فوجيمورى ودخل فى جولة إعادة، وكانت تجربة مريرة قضى فيها ثلاث سنوات من عمره لكنه تعلم منها أشياء كثيرة أهمها أن «شهوة السلطة السياسية يمكن أن تدمر عقلا بشريا وتدمر مبادئ وقيما، وتحول البشر إلى وحوش صغيرة»، وأن «الطغاة ليسوا كوارث طبيعية بل تتم صناعتهم بمعاونة عديد من البشر، وأحيانا بمعاونة ضحاياهم أيضا»، بعد هزيمته قرر أن يعود ثانية إلى الأدب وهو أمر نحمد الله عليه لأنه أنتج بعدها عددا من الروايات الجميلة، لكنه لم يتوقف عن كتابة المقالات السياسية المهمة.
آخر ما قرأته له كان مقالا بعنوان (زمن البهلوانات) نشرته له (أخبار الأدب) هذه الصحيفة التى يجب أن تفتخر بها مصر وترجمه المترجم المتميز أحمد عبداللطيف، وهو مقال احتفى به العديد من المواقع الثقافية العربية بوصفه يشكل إدانة لما قام به القس الأمريكى المتعصب تيرى جونز الذى دعا إلى حرق المصحف الشريف فى كنيسته بفلوريدا، لكن المعنى الأهم فى مقال يوسا كان عن ثقافة الاستعراض التى أصبحت هى السمة الأساسية لمجتمعنا فى هذا الزمن الذى يصفه يوسا بأنه أكثر الأزمنة التباسا فى تاريخ البشرية، معتبرا أن ما فعله جونز من حماقة وبهلوانية لم يكن يستحق سوى الصمت أو التجاهل أو على أقصى تقدير كتابة سطرين فى صفحة النكات والغرائب بالصحف، لكن احتفاء وسائل الإعلام بجونز كاد يشعل العالم كله،
وجونز كان سعيدا بذلك ولم يدرك أبدا خطورة ما فعله لأن على حد تعبير يوسا «أحد ملامح التعصب المحددة هو عدم قدرة المتعصب على تملك خطة بالأولويات الرصينة والمنطقية، فالأولوية الأولى لديه هى دائما فكرة أو إله يمكن أو يجب أن يضحى بالآخرين من أجله».
لا يلقى يوسا اللوم على وسائل الإعلام وحدها بسبب تضخيمها لما حدث، فهو يرى أنها باتت مضطرة لفعل ذلك لأن هذا هو ما ينتظره منها قراؤها ومشاهدوها فى العالم أجمع «أخبارا تخرج عن الروتين اليومى، تدهش، تربك، ترعب، تفضح وفوق كل شىء تسلى وتلهى.. لا يمكن أن تكون المعلومة فى أيامنا جادة، لأنها لو كانت كذلك سيكون مصيرها القبر، فالقاعدة العريضة من تلك الأقلية التى مازالت تهتم بمعرفة ماذا يحدث يوميا فى الأوساط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى العالم، لا تريد أن تشعر بالملل وهى تقرأ أو تسمع أو تشهد تحليلات فطنة ولا معقدة مليئة بالصبغات، وإنما تريد أن تتسلى، تقضى وقتا هادئا
يخلصهم من ضيق وإخفاقات وتوترات اليوم، وليس محض صدفة أن تجد جريدة مثل لوموند الفرنسية، وهى واحدة من أكثر الجرائد جدية واحتراما فى أوروبا على أبواب الإفلاس عدة مرات فى السنوات الأخيرة، وأنقذت نفسها حديثا مرة أخرى، لكن من يدرى إلى متى، إلا إذا خضعت لإفساح مساحة للخبر التسلية، الخبر النكتة، الخبر التفاهة، الخبر الفضيحة، الذى احتل بطريقة منهجية كل وسائل الإعلام الكبرى سواء فى العالم الأول أو الثالث..
ولكى تمتلك وسائل الإعلام الآن الحق فى الوجود والازدهار لا يجب أن تعطى أخبارا، وإنما تقدم استعراضا لمعلومات تشبه فى لونها وفكاهتها وطابعها المثير وعلو نبرتها، الاستعراضات الواقعية حيث يلتبس الحق بالباطل كما يحدث فى العمل الخيالى».
ويلفت يوسا الانتباه إلى أن تحول التسلية لتكون القيمة الأهم فى عالمنا برغم تجاوزها لمبادئ أساسية مثل التعايش والأخلاق والجمال والذوق، مشكلته أنه شر لابد منه فى المجتمعات التى تتمتع بالحرية، لأن محاولة تقليل أو قمع الحرية من أجل السيطرة على هذه الجوانب السلبية للتسلية، سيكون له عواقب أوخم من هذه التفاهات، وهو ما يجعل المجتمعات للأسف تواصل افتتانها بالحاجة للتسلية كهدف أول،
وبالتالى يُحَوِّل المجتمع «خطوة خطوة ساسته ومثقفيه وفنانيه وصحفييه ورعاته أو كهنته وحتى علماءه وعسكرييه إلى بهلوانات»، وهو ما ينذر فى رأيه بدفع عدد أكبر من الناس من مختلف المدارات للتصرف بطريقة تسمح لهم بالهروب من الظلام والدخول فى محيط الشهرة التى يتمتع بها البهلوانات الذين يُصفق لهم إن أجادوا فن التسلية ويتلقون البقشيش ثم يُنسون إلى الأبد، لدرجة أنك تجد عالما كبيرا مثل ستيفن هاوكنج يجعل دعاية كتابه المقبل مبنية على حديث شديد السطحية يقول فيه إنه
سيبرهن أن خلق العالم يمكن أن يحدث دون حاجة إلى إله، وهو ما يعتبره يوسا دليلا على سيادة مناخ الاستعراض والبهلوانية الذى يفسر ما قام به العنصرى تيرى جونز والذى «ربما يكون متعصبا أو مجنونا أو مهرجا صرفا، لكنه فى كل الأحوال يجب أن يبقى واضحا أنه لم يفعل ذلك بمفرده، فكلنا شركاء له».
ياااه، فتح الله عليك يا عم يوسا.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.