عمرو أديب: مش مصدق إن محمد صلاح رايح نادي تركي!    ضبط 2 طن مواد مخدرة بقيمة 116 مليون جنيه في السويس    السبت.. فيلم كولونيا في نادي السينما الأفريقية بالهناجر    وزير الأوقاف مهنئا عمال مصر بعيدهم: العمران ثلث الدين    تعديلات جديدة على قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات| تفاصيل    إصدار حزمة تيسيرات لدعم المشروعات الصناعية المتعثرة وتنظيم التصرف في الأراضي    «توتال إنرجيز» تعتزم التوسع وزيادة الاستثمارات بأنشطة استكشاف الغاز في مصر    الرئيس الإيراني: الحصار البحري على إيران يتعارض مع القوانين الدولية ومصيره الفشل    جيش الاحتلال يهاجم سفن "أسطول الصمود" لمنعها من كسر الحصار على غزة    يديعوت أحرونوت: إصابة مباشرة من طائرة درون لمركبة إسرائيلية على الحدود الشمالية    قائد القوات البحرية الإيرانية: سنكشف قريبا عن سلاح يرعب العدو    رغم تراجع الإقبال.. أسعار الفراخ ترتفع بقوة اليوم    أرتيتا غاضب بعد حرمان أرسنال من ركلة جزاء أمام أتلتيكو    الأهلي يكشف تفاصيل إصابة عسران ببطولة إفريقيا للطائرة    اليوم.. انطلاق الجولة ال32 ببطولة دوري المحترفين    مدرب وادي دجلة: أمتلك لاعبين رجالًا    تراجع أرباح فولكس فاجن بأكثر من الربع في الربع الأول من 2026    مفاجأة عن طقس الأيام المقبلة.. تقلبات حادة تضرب البلاد مع بداية الشهر    لماذا يشهد شارع الهرم كثافات مرورية في الاتجاهين؟.. خبير مروري يوضح    عاطل ينهي حياة زوجته طعنا داخل منزل أسرتها بالمنوفية    نظر استئناف المتهم في قضية التعدي على طلاب مدرسة بالإسكندرية بعد قليل    سعر الدولار اليوم الخميس 30 ابريل 2026 في البنوك المصرية    أميرة النشوقاتي: النساء العاديات مصدر الإلهام الحقيقي في «المقادير»    20 مايو.. حفل ل علي الحجار بساقية عبدالمنعم الصاوي    المركز القومي للمسرح ينعى الموسيقار الراحل علي سعد    وزير «التخطيط» يبحث مع البنك الدولي تطورات إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر    القانون يقر عقوبات للتدخين داخل المرافق الحكومية| فما هي؟    الرعاية الصحية: تشغيل وحدة سلام مصر بفرع بورسعيد.. وإنشاء وحدات متخصصة للفيروسات الكبدية بفروع الهيئة    طريقة عمل أجنحة الدجاج المشوية في خطوات بسيطة    حكم طواف من يحمل طفلًا يرتدي حفاضة في الحج 2026.. الإفتاء توضح    التضامن تنفذ النسخة الثانية لسلسلة التدريبات التفاعلية لتنمية مهارات الاتصال    ترتيب الدوري المصري قبل قمة الأهلي والزمالك    تأجيل إعادة إجراءات محاكمة عامل بتهمة الشروع في قتل زميله بالمعصرة ل 6 مايو    بالأسماء.. رئيس الوزراء يسقط الجنسية المصرية عن 3 مواطنين    يسري نصر الله وعمرو موسى في ماستر كلاس عن الكاستينج بمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. وصبري فواز يدير الجلسة    لأول مرة بجامعة عين شمس.. توزيع 50 "لاب توب ناطق" للطلاب ذوي الإعاقة البصرية    ترامب يلوح بخفض القوات الأمريكية في ألمانيا، وروسيا: "علامة سوداء" على ميرتس    محمد صلاح يكتب: سواعد تبني الوطن    ترامب عبر "تروث سوشيال": العاصفة قادمة ولا يمكن لأحد إيقاف ما هو قادم    جدول امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي 2026 محافظة الإسكندرية الترم الثاني    إلهام شاهين: أدواري الجريئة محدش يقدر عليها| حوار    ملحمة الشرطة في أرض الفيروز من «مواجهة الإرهاب» إلى مرحلة «الاستقرار والتنمية»    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الخميس 30 أبريل    ربة منزل تستغيث.. ومباحث شبرا الخيمة تضبط اللصوص خلال ساعات| صور    يسرا ودينا الشربيني في العرض الخاص لفيلم The Devil Wears Prada 2.. صور    إنشاء ساحات انتظار وكافتيريات ضمن تطوير الكورنيش الشرقي بمطروح    عبد الرحيم علي: ترامب يحوّل الوقت إلى أداة ضغط استراتيجية داخل إيران    ضبط 3.5 طن دقيق مدعم قبل تهريبه بالسوق السوداء في القليوبية    عبدالرحيم علي: ترامب ينتظر نضج لحظة انفجار الأوضاع من الداخل الإيراني    أخطر 10 أمراض معدية تهدد البشرية: عندما يتحول المرض إلى سباق مع الزمن    "البوابة نيوز" تنشر غيابات الأهلي أمام الزمالك في القمة    طارق يحيى: الزمالك يخطط لحسم الدوري أمام الأهلي    "البوابة نيوز" تنشر قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    السفير ماجد عبد الفتاح: إنشاء قوة عربية مشتركة يحتاج إلى إطار مؤسسي ودعم هيكلي واضح    مديرية الصحة بالإسماعيلية تحتفل بالأسبوع العالمي للتطعيمات وتكرم الفرق المتميزة (صور)    هل يجوز تفضيل الأضحية على العمرة لمساعدة الناس؟.. أمين الفتوى يجيب    هل يجوز رد السلفة بزيادة بسبب ارتفاع الأسعار؟.. "الإفتاء" تُجيب    أمين الفتوى: النقوط ليس دينًا ولا يجوز الاستدانة بسببه (فيديو)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوسا وزمن البهلوانات
نشر في المصري اليوم يوم 28 - 10 - 2010

بالنسبة لى كقارئ عربى، لا يستحق الروائى العظيم ماريو بارجاس يوسا جائزة نوبل للآداب منفردا، فمن العدالة أن يشاركه فيها بنسبة عادلة المترجم العربى الكبير صالح علمانى، الذى لولاه ما كان أمثالى من عديمى اللغات قد قرأوا هذا الكم المتنوع من الروايات الرائعة ليوسا، حتى لحظة فوز يوسا بالجائزة كانت دار المدى العراقية التى تتخذ من سوريا مقرا لها قد نشرت له من ترجمة صالح علمانى الروايات التالية
«امتداح الخالة من قتل بالومينو موليرو ليتوما فى جبال الانديز بانتاليون والزائرات قصة مايتا شيطنات الطفلة الخبيثة الفردوس على الناصية الأخرى حفلة التيس» بالإضافة إلى كتاب (رسائل إلى روائى شاب) ورواية (الفردوس على الناصية الأخرى) التى نشرتها دار الحوار السورية، أما دار الفارابى اللبنانية فكانت قد نشرت له من ترجمة صالح علمانى أيضا رواية (دفاتر دون ريغو دى بيرتو) التى تشكل امتدادا لرواية (امتداح الخالة)، وفى مقدمتها قرأت أن صالح علمانى كان قد ترجم له روايتين قديمتين لكننى لم أجدهما أبدا على طول ما بحثت عنهما فى القاهرة ودمشق وبيروت، وهناك دار نشر تونسية على ما أعتقد
نشرت ترجمة لكتابه (إيروس فى الرواية) وقد بحثت عنه فى مكتبات القاهرة ولم أجده، وسأكون شاكرا لمن يدلنى على كيفية الوصول إليه، أما المجلس الأعلى للثقافة فكان قد نشر له عملين هما (الجراء الرؤساء) من ترجمة الأستاذة هالة عبدالسلام ومراجعة محمد أبوالعطا. أتمنى أن يشجع فوز يوسا بنوبل دار المدى على إعادة نشر ما تمت ترجمته ليوسا، ثم تكليف صالح علمانى بترجمة كل ما لم نقرأه بعد من إنتاج يوسا الغزير سواء كان روايات مثل (حديث فى الكاتدرائية) و(حرب نهاية العالم) و(زمن البطل) وغيرها من الروايات والكتب، خاصة أننى قرأت له كثيرا فى الصحيفة المحترمة (أخبار الأدب) مقتطفات فاتنة من أعمال نقدية وكتابات صحفية عديدة له.
للأسف كان فوز يوسا بنوبل للآداب فرصة لفضح الواقع المتردى للصحافة المصرية فى تعاملها مع الأدب والثقافة، راجع من فضلك التغطيات المختلفة التى قدمتها صحفنا التى حفلت بالأخطاء ونقص المعلومات، وقارنها بالتغطيات المماثلة التى قدمتها الصحف العربية ولن أقول العالمية للحدث، (أستثنى هنا تغطية أخبار الأدب المتميزة دائما وأبدا، ثم تغطية صفحة الأدب فى الأهرام والتى يشرف عليها الشاعر الكبير بهاء جاهين)، لا أريد هنا أن أتعالم وألقن كل صحيفة درسا وأنا العبد الخطاء، لكن أعتقد أنه من العيب فى عصر الإنترنت أن تخطئ
صحف كبيرة فى معلومات من نوعية كم أديبا من أمريكا اللاتينية حصل على نوبل، فتقول صحيفة كبيرة ثقافيا إن أمريكا اللاتينية حصلت على نوبل للآداب مرتين، وفى صحيفة يرأسها مثقف كبير تقرأ أنها حصلت عليها ثلاث مرات، مع أن المسألة ليست كيميا، يمكن ببساطة أن تدخل كصحفى إلى شبكة الإنترنت وتطبع سطرا فى جوجل اسمه (قائمة الفائزين بجائزة نوبل للآداب) وعندها ستعرف أن أمريكا اللاتينية حصلت على جائزة نوبل ست مرات، والعهدة على جوجل، أول مرة كانت فى عام 1945 وكانت من نصيب الشاعرة التشيلية غبريالا مسترال، ثم فى عام 1967 حصلت عليها للمرة الثانية عندما ذهبت الجائزة إلى كاتب جواتيمالا الأشهر ميغيل أنخل استورياس صاحب رواية (السيد الرئيس) الشهيرة، ثم فى 1971 حصل الشاعر التشيلى العظيم بابلو نيرودا على الجائزة الثالثة لأمريكا اللاتينية.
وبعدها فى عام 1982 جاءت الجائزة الرابعة والأشهر التى كانت من نصيب الروائى الكولومبى العظيم غابرييل غارسيا ماركيز، وفى عام 1990 كانت الجائزة الخامسة من نصيب الروائى المكسيكى أكتافيو باث، وأخيرا فاز يوسا بالجائزة السادسة لأمريكا اللاتينية التى كانت تستحق دون شك جوائز يفوز بها جورجى أمادو وخورخى لويس بورخيس وخوليو كورتاثار وكارلوس فوينتس وإيزابيل الليندى (وإن غضب البعض)، ومن هؤلاء من قضى نحبه ومنهم من تنتظره الجائزة.
وياليت الأمر اقتصر على أخطاء المعلومات التى نشرتها الصحف حول أسماء روايات يوسا وعدد رواياته، للأسف حاول البعض إصدار أحكام سياسية على الرجل حاولت تصوير أنه فاز بالجائزة لأنه يمينى متعفن ساند الحرب الأمريكية على العراق، وأنه انتهازى باع اليسار واشترى اليمين الذى أوصله إلى نوبل، مع أن مواقف الرجل السياسية أكثر تعقيدا وتركيبا من ذلك، للأسف لم تكلف أغلب الصحف نفسها استكتاب
متخصصين حقيقيين فى أدب الرجل مثل الدكتور حامد أبوأحمد الذى كتب عنه فصولا بديعة فى كتاب له عن أدب أمريكا اللاتينية أصدرته الهيئة العامة للكتاب، تفهمت غضب الدكتور حامد فى إحدى الندوات مما قيل من تصريحات ضد يوسا من كتاب مصريين، ليس فقط لأنه عرف يوسا شخصيا عندما رافقه خلال زيارته إلى مصر قبل سنوات، وإنما لأنه يعرف بحق قيمة الرجل وعطاءه الأدبى الذى يتجاوز بكثير موقفا سياسيا اتخذه بسبب انحيازه الدائم ضد الديكتاتوريات السياسية، وإن كان ذلك لم يمنعه من الكتابة بإنصاف عن العراق ووضعها تحت الاحتلال الأمريكى عندما زارها بعد ذلك بسنوات بصحبة ابنته التى صورت تلك الزيارة.
الغريب أننى قرأت مقالات وتصريحات لأدباء ونقاد مصريين حول مواقف يوسا السياسية وصلت إلى حد الحديث عن كتابات ابنه الأكبر الذى تحتفى به الصحافة اليمينية فى أمريكا، وتعجبت من إصرار البعض على الاستمرار فى تصوير أن من يحصل على نوبل للآداب لابد أن يكون مرضيا عنه من الصهاينة والأمريكان، فقد كنت أظن أن ملفا مثل هذا كان ينبغى أن يغلق أو حتى يفتح على استحياء بعد ذهاب الجائزة لكتاب مثل ساراماجو وداريو فو وهارولد بنتر ولوكليزيو وجميعهم أصحاب مواقف رائعة ضد الصهيونية والغطرسة الأمريكية، بالطبع
ليس يوسا من بقية أهلى لكى أتعصب له وأسعى لمنع أى اجتهادات تطلق بشأنه، لكننى كنت أتمنى أن تكون اجتهادات تقف عند حدود الأدب (أقصد المعنيين هنا)، ولا تتطوع بمحاولة تشويه الرجل ووصمه باتهامات تبعد عنه القارئ المصرى والعربى خاصة أن الرجل اتخذ مواقف سياسية لم تعجب إسرائيل عندما زار الأراضى المحتلة وانحاز للحق الفلسطينى بطريقته ومن خلال مفاهيمه التى قد لا ترضى طموحاتنا، لكنها يمكن أن تشكل أرضية للحوار مع رجل مثله لديه تأثير أدبى كبير فى العالم يمكن أن نستفيد منه لخدمة القضية الفلسطينية إذا كنا راغبين أصلا فى خدمتها، أو تذكرها.
على أية حال، أعتقد أن يوسا وأدبه أعظم وأجمل بكثير من أن أحاول تلخيصهما أو اجتزاءهما حتى فى مساحة شاسعة كهذه، أعجبنى السطر الذى عللت به اللجنة قرار منح الجائزة ليوسا «لرسمه خرائط بنى السلطة ولتصويراته المتعمقة لمقاومة الفرد وثورته وانهزامه»، وهو سطر يلخص بعضا من أعمال يوسا لكنه لا يختزل تجربته كلها كما أظن، فى (حفلة التيس) ستجده يقدم تجربة بديعة فى أدب الديكتاتور من خلال روايته لقصة ديكتاتور الدومينيكان الشهير تروخيو، عندما ظهرت الطبعة العربية الأولى للرواية فى عام 2000 وقرأتها بنهم واستمتاع،
لم أكن أعلم جهلا منى أنها عن شخصية حقيقية، ثم بعد ذلك ومع تتبعى لأعمال يوسا وجدت أنه يكتب كثيرا من أعماله الروائية عن شخصيات حقيقية ولكن بعد أن يقوم بعمل خلطة روائية بديعة يختلط فيها الواقع بالخيال بشكل مدهش، ستجد ذلك فى روايته (الفردوس فى الناصية الأخرى) التى يروى فيها جانبا مجهولا من حياة الرسام العالمى بول جوجان، فى روايته (قصة مايتا) التى جلبت له سخطا من رفاقه اليساريين القدامى يلقى الضوء على تناقضات الأحزاب السياسية اليسارية مازجا الواقع بالخيال بأسلوب ساخر مدهش،
فى روايته (بانتاليون والزائرات) يحكى بشكل ممتع عن قصة تأسيس جيش بيرو إدارة سرية تقدم خدمات للدعارة فى المناطق التى يخدم فيها الجنود فى الغابات والأحراش لكى لا يقوموا باغتصاب نساء القرى المجاورة لمناطق خدمتهم ويتم تكليف أكثر الضباط حزما وصرامة بترك الخدمة العسكرية رسميا وإنشاء هذه الإدارة دون أن يعترف بارتباطها بالجيش، فى روايته (من قتل بالومينو ماليرو) يكشف من خلال تحقيق فى جريمة قتل حلقات الفساد التى تنشأ بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية، وحتى فى أعماله التى تبدو بعيدة عن الأجواء السياسية يحرص يوسا على تقديم خلفية معرفية فى كل رواية بأسلوب يبتعد عن المباشرة لكنه يقدم فائدة عظيمة لقارئه.
كل ما حققه يوسا من نجاحات أدبية لم يقنعه بالابتعاد عن الاشتباك مع الواقع، فهو حتى الآن يكتب فى الصحف مقالات منتظمة، بل ويقوم أحيانا بعمل تحقيقات صحفية بتكليف من بعض الصحف، وهو يعلن دائما أنه مدين للصحافة بأنها ألهمته نصف ما كتبه، وفى حين يحاول بعض كتابنا أن يهرب من اتخاذ مواقف سياسية محترمة يواجهون بها الواقع بزعم أن ذلك يؤثر سلبا على جودة أدبهم، نرى يوسا عندما يُسأل فى حوار صحفى حول إصراره على كتابة المقالات السياسية وما إذا كانت يمكن أن تؤثر عليه سلبا،
يرد قائلا «أعتقد أن الكاتب لا يجب أن يفكر فى الانسحاب، إن مهمة الكاتب هى أن يكتب بصرامة وأن يدين كى يدافع عما يؤمن به بكل ما لديه من موهبة، أؤمن أن هذا اعتبار أخلاقى للكاتب، لأنه لا يمكنه أن يكون فنانا مجردا، أعتقد أن على الكاتب مسؤولية من نوع ما، على الأقل فى أن يشارك فى الحوار المدنى، لأننى أعتقد أن الأدب يحسن الأحوال إذا أًصبح جزءا من برنامج الناس والمجتمع والحياة... أعتقد أن مداخلات الكتاب فى الحوار العام يمكن أن تصنع فرقا، إذا انتزعت الثقافة تماما من سياق ما يجرى فإنها تصبح مصطنعة».
لم يكتف يوسا فقط بالكتابة فى الشأن السياسى والاشتباك مع الواقع، بل قرر أن يخوض تجربة العمل السياسى بشكل مباشر، لعلك تعلم أنه رشح نفسه لانتخابات الرئاسة فى موطنه بيرو ضد رئيسها ألبرتو فوجيمورى ودخل فى جولة إعادة، وكانت تجربة مريرة قضى فيها ثلاث سنوات من عمره لكنه تعلم منها أشياء كثيرة أهمها أن «شهوة السلطة السياسية يمكن أن تدمر عقلا بشريا وتدمر مبادئ وقيما، وتحول البشر إلى وحوش صغيرة»، وأن «الطغاة ليسوا كوارث طبيعية بل تتم صناعتهم بمعاونة عديد من البشر، وأحيانا بمعاونة ضحاياهم أيضا»، بعد هزيمته قرر أن يعود ثانية إلى الأدب وهو أمر نحمد الله عليه لأنه أنتج بعدها عددا من الروايات الجميلة، لكنه لم يتوقف عن كتابة المقالات السياسية المهمة.
آخر ما قرأته له كان مقالا بعنوان (زمن البهلوانات) نشرته له (أخبار الأدب) هذه الصحيفة التى يجب أن تفتخر بها مصر وترجمه المترجم المتميز أحمد عبداللطيف، وهو مقال احتفى به العديد من المواقع الثقافية العربية بوصفه يشكل إدانة لما قام به القس الأمريكى المتعصب تيرى جونز الذى دعا إلى حرق المصحف الشريف فى كنيسته بفلوريدا، لكن المعنى الأهم فى مقال يوسا كان عن ثقافة الاستعراض التى أصبحت هى السمة الأساسية لمجتمعنا فى هذا الزمن الذى يصفه يوسا بأنه أكثر الأزمنة التباسا فى تاريخ البشرية، معتبرا أن ما فعله جونز من حماقة وبهلوانية لم يكن يستحق سوى الصمت أو التجاهل أو على أقصى تقدير كتابة سطرين فى صفحة النكات والغرائب بالصحف، لكن احتفاء وسائل الإعلام بجونز كاد يشعل العالم كله،
وجونز كان سعيدا بذلك ولم يدرك أبدا خطورة ما فعله لأن على حد تعبير يوسا «أحد ملامح التعصب المحددة هو عدم قدرة المتعصب على تملك خطة بالأولويات الرصينة والمنطقية، فالأولوية الأولى لديه هى دائما فكرة أو إله يمكن أو يجب أن يضحى بالآخرين من أجله».
لا يلقى يوسا اللوم على وسائل الإعلام وحدها بسبب تضخيمها لما حدث، فهو يرى أنها باتت مضطرة لفعل ذلك لأن هذا هو ما ينتظره منها قراؤها ومشاهدوها فى العالم أجمع «أخبارا تخرج عن الروتين اليومى، تدهش، تربك، ترعب، تفضح وفوق كل شىء تسلى وتلهى.. لا يمكن أن تكون المعلومة فى أيامنا جادة، لأنها لو كانت كذلك سيكون مصيرها القبر، فالقاعدة العريضة من تلك الأقلية التى مازالت تهتم بمعرفة ماذا يحدث يوميا فى الأوساط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى العالم، لا تريد أن تشعر بالملل وهى تقرأ أو تسمع أو تشهد تحليلات فطنة ولا معقدة مليئة بالصبغات، وإنما تريد أن تتسلى، تقضى وقتا هادئا
يخلصهم من ضيق وإخفاقات وتوترات اليوم، وليس محض صدفة أن تجد جريدة مثل لوموند الفرنسية، وهى واحدة من أكثر الجرائد جدية واحتراما فى أوروبا على أبواب الإفلاس عدة مرات فى السنوات الأخيرة، وأنقذت نفسها حديثا مرة أخرى، لكن من يدرى إلى متى، إلا إذا خضعت لإفساح مساحة للخبر التسلية، الخبر النكتة، الخبر التفاهة، الخبر الفضيحة، الذى احتل بطريقة منهجية كل وسائل الإعلام الكبرى سواء فى العالم الأول أو الثالث..
ولكى تمتلك وسائل الإعلام الآن الحق فى الوجود والازدهار لا يجب أن تعطى أخبارا، وإنما تقدم استعراضا لمعلومات تشبه فى لونها وفكاهتها وطابعها المثير وعلو نبرتها، الاستعراضات الواقعية حيث يلتبس الحق بالباطل كما يحدث فى العمل الخيالى».
ويلفت يوسا الانتباه إلى أن تحول التسلية لتكون القيمة الأهم فى عالمنا برغم تجاوزها لمبادئ أساسية مثل التعايش والأخلاق والجمال والذوق، مشكلته أنه شر لابد منه فى المجتمعات التى تتمتع بالحرية، لأن محاولة تقليل أو قمع الحرية من أجل السيطرة على هذه الجوانب السلبية للتسلية، سيكون له عواقب أوخم من هذه التفاهات، وهو ما يجعل المجتمعات للأسف تواصل افتتانها بالحاجة للتسلية كهدف أول،
وبالتالى يُحَوِّل المجتمع «خطوة خطوة ساسته ومثقفيه وفنانيه وصحفييه ورعاته أو كهنته وحتى علماءه وعسكرييه إلى بهلوانات»، وهو ما ينذر فى رأيه بدفع عدد أكبر من الناس من مختلف المدارات للتصرف بطريقة تسمح لهم بالهروب من الظلام والدخول فى محيط الشهرة التى يتمتع بها البهلوانات الذين يُصفق لهم إن أجادوا فن التسلية ويتلقون البقشيش ثم يُنسون إلى الأبد، لدرجة أنك تجد عالما كبيرا مثل ستيفن هاوكنج يجعل دعاية كتابه المقبل مبنية على حديث شديد السطحية يقول فيه إنه
سيبرهن أن خلق العالم يمكن أن يحدث دون حاجة إلى إله، وهو ما يعتبره يوسا دليلا على سيادة مناخ الاستعراض والبهلوانية الذى يفسر ما قام به العنصرى تيرى جونز والذى «ربما يكون متعصبا أو مجنونا أو مهرجا صرفا، لكنه فى كل الأحوال يجب أن يبقى واضحا أنه لم يفعل ذلك بمفرده، فكلنا شركاء له».
ياااه، فتح الله عليك يا عم يوسا.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.