ملحمة الشرطة في أرض الفيروز من «مواجهة الإرهاب» إلى مرحلة «الاستقرار والتنمية»    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الخميس 30 أبريل    وول ستريت جورنال: أمريكا تضغط على حكومات أجنبية للانضمام إلى تحالف دولي جديد لفتح مضيق هرمز    ترامب لنتنياهو: ضربات إسرائيل على لبنان يجب أن تكون «محدودة الاستهداف»    بوتين وترامب يبحثان هدنة مؤقتة في أوكرانيا خلال اتصال هاتفي    إلهام شاهين: أدواري الجريئة محدش يقدر عليها| حوار    ربة منزل تستغيث.. ومباحث شبرا الخيمة تضبط اللصوص خلال ساعات| صور    "الجيش الصهيونى "يبدأ السيطرة على سفن أسطول الصمود المتجه لغزة    داليا عبدالرحيم تعزي الزميلة همت سلامة في وفاة والدها    الانسحاب من "الجامعة العربية" و"التعاون الإسلامي"خطوة مرتقبة .. بلومبرج: مغادرة الامارات (أوبك) انفجار لخلافات مكتومة مع السعودية    إنشاء ساحات انتظار وكافتيريات ضمن تطوير الكورنيش الشرقي بمطروح    وزير الخارجية الألماني: ألمانيا تعتزم تعزيز التعاون مع المغرب في مصادر الطاقة المتجددة    أخبار × 24 ساعة.. التخطيط: تراجع معدل البطالة خلال عام 2025 ليسجل 6.3%    عبدالرحيم علي: ترامب ينتظر نضج لحظة انفجار الأوضاع من الداخل الإيراني    تقرير تركي: فنربخشة في مفاوضات لضم محمد صلاح    أرتيتا: لا أفهم سبب إلغاء ركلة الجزاء.. وفي الدوري الإنجليزي لا تحتسب    فييرا: الزمالك يثبت أن لا شيء مستحيل وأتمنى حصوله على الدوري    إيناسيو: مواجهة الأهلي والزمالك لا تخضع للتوقعات وقد تحمل مفاجآت    بشأن قضايا الطفل والذكاء الاصطناعي وتغطية الجنازات.. قرارات هامة من «الصحفيين»    محافظ الغربية يتفقد مشروعات "حياة كريمة" في قرية نهطاي    إصابة 3 أشخاص فى حادث تصادم دراجتين ناريتين بطريق البصراط- المنزلة بالدقهلية    إحالة أوراق شقيقين متهمين بقتل سائق بسبب مشاجرة في الإسكندرية إلى المفتي    فيديو| ضبط المتهم بالتعدي على طفل وإصابته بسوهاج    مشاجرة نسائية تتحول لتهديد بالسلاح الأبيض في القليوبية.. والمباحث تكشف الحقيقة    أرباح ألفابت 2026، جوجل تكسر حاجز 350 مليون مشترك وتتجاوز التوقعات    حمدي الميرغني يعلن تفاصيل عزاء والده الراحل في السويس والشيخ زايد    نقابة الصحفيين تختار الزميلة «زينب السنوسي» أمًا مثالية لعام 2026    عبد الرحيم علي: ترامب يحوّل الوقت إلى أداة ضغط استراتيجية داخل إيران    أخطر 10 أمراض معدية تهدد البشرية: عندما يتحول المرض إلى سباق مع الزمن    جدول امتحانات الصف السادس الابتدائي 2026 محافظة الإسكندرية الترم الثاني    السكة الحديد: 696.9 مليون جنيه تعويضات للمتضررين من مشروع قطار «بنى سلامة – 6 أكتوبر»    "البوابة نيوز" تنشر غيابات الأهلي أمام الزمالك في القمة    أول هاتف كتابي قابل للطي، سعر ومواصفات 2026 Motorola Razr Fold (صور)    كيف تُطيل عمر بطارية هاتفك؟ دليل عملي لتقليل الاستهلاك اليومي    ضياء السيد: القمة لا تعترف بالمعطيات والأهلي لديه حظوظ في الفوز بالدوري    موتسيبي وألكسندر تشيفرين يوقعان مذكرة تفاهم بين الاتحادين الأفريقي والأوروبي    السفير ماجد عبد الفتاح: إنشاء قوة عربية مشتركة يحتاج إلى إطار مؤسسي ودعم هيكلي واضح    لماذا ترتفع الأسعار الآن؟ أبو صدام يكشف كواليس "الفترة الانتقالية" وموعد الانفراجة الكبرى    عرض "كتاب الموتى" يبهر الجمهور في أولى ليالي مهرجان الرقص المعاصر    علي الحجار يتألق في ساقية الصاوي ويتجاوز أزمة تصريحاته العائلية (فيديو)    ديو جديد بعد 21 عاما، " CBC" تطرح أغنية "الغلاوة" لشيرين بعد الوهاب وبهاء سلطان    صناع مسلسل الفرنساوي: دراما قانونية برؤية سينمائية تراهن على المنافسة عربيا ودوليا    "البوابة نيوز" تنشر قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    مديرية الصحة بالإسماعيلية تحتفل بالأسبوع العالمي للتطعيمات وتكرم الفرق المتميزة (صور)    حمى "لصاقات الأوزمبيك" تجتاح الإنترنت.. وعود سريعة لإنقاص الوزن بلا دليل حاسم    محمد الشيخ: أمتلك لاعبين رجالا في وادي دجلة    هل يجوز تفضيل الأضحية على العمرة لمساعدة الناس؟.. أمين الفتوى يجيب    هل يجوز رد السلفة بزيادة بسبب ارتفاع الأسعار؟.. "الإفتاء" تُجيب    أمين الفتوى: النقوط ليس دينًا ولا يجوز الاستدانة بسببه (فيديو)    ننشر أبرز ملامح قانون الأسرة    تجميد عضوية عمرو النعماني من حزب الوفد وتحويله للتحقيق    «تمريض الجلالة» تنظم المُؤْتَمَرَيْن العلمي الدولي الثالث والطلابي الدولي الثاني    جولة مفاجئة لنائب وزير الصحة بالقليوبية تحاسب المقصرين وتدعم الجادين    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : الثقة بالنفس !?    وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي "بدر 2026" بالذخيرة الحية    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "مدبولي" يهنئ الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة عيد العمال    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوسا وزمن البهلوانات
نشر في المصري اليوم يوم 28 - 10 - 2010

بالنسبة لى كقارئ عربى، لا يستحق الروائى العظيم ماريو بارجاس يوسا جائزة نوبل للآداب منفردا، فمن العدالة أن يشاركه فيها بنسبة عادلة المترجم العربى الكبير صالح علمانى، الذى لولاه ما كان أمثالى من عديمى اللغات قد قرأوا هذا الكم المتنوع من الروايات الرائعة ليوسا، حتى لحظة فوز يوسا بالجائزة كانت دار المدى العراقية التى تتخذ من سوريا مقرا لها قد نشرت له من ترجمة صالح علمانى الروايات التالية
«امتداح الخالة من قتل بالومينو موليرو ليتوما فى جبال الانديز بانتاليون والزائرات قصة مايتا شيطنات الطفلة الخبيثة الفردوس على الناصية الأخرى حفلة التيس» بالإضافة إلى كتاب (رسائل إلى روائى شاب) ورواية (الفردوس على الناصية الأخرى) التى نشرتها دار الحوار السورية، أما دار الفارابى اللبنانية فكانت قد نشرت له من ترجمة صالح علمانى أيضا رواية (دفاتر دون ريغو دى بيرتو) التى تشكل امتدادا لرواية (امتداح الخالة)، وفى مقدمتها قرأت أن صالح علمانى كان قد ترجم له روايتين قديمتين لكننى لم أجدهما أبدا على طول ما بحثت عنهما فى القاهرة ودمشق وبيروت، وهناك دار نشر تونسية على ما أعتقد
نشرت ترجمة لكتابه (إيروس فى الرواية) وقد بحثت عنه فى مكتبات القاهرة ولم أجده، وسأكون شاكرا لمن يدلنى على كيفية الوصول إليه، أما المجلس الأعلى للثقافة فكان قد نشر له عملين هما (الجراء الرؤساء) من ترجمة الأستاذة هالة عبدالسلام ومراجعة محمد أبوالعطا. أتمنى أن يشجع فوز يوسا بنوبل دار المدى على إعادة نشر ما تمت ترجمته ليوسا، ثم تكليف صالح علمانى بترجمة كل ما لم نقرأه بعد من إنتاج يوسا الغزير سواء كان روايات مثل (حديث فى الكاتدرائية) و(حرب نهاية العالم) و(زمن البطل) وغيرها من الروايات والكتب، خاصة أننى قرأت له كثيرا فى الصحيفة المحترمة (أخبار الأدب) مقتطفات فاتنة من أعمال نقدية وكتابات صحفية عديدة له.
للأسف كان فوز يوسا بنوبل للآداب فرصة لفضح الواقع المتردى للصحافة المصرية فى تعاملها مع الأدب والثقافة، راجع من فضلك التغطيات المختلفة التى قدمتها صحفنا التى حفلت بالأخطاء ونقص المعلومات، وقارنها بالتغطيات المماثلة التى قدمتها الصحف العربية ولن أقول العالمية للحدث، (أستثنى هنا تغطية أخبار الأدب المتميزة دائما وأبدا، ثم تغطية صفحة الأدب فى الأهرام والتى يشرف عليها الشاعر الكبير بهاء جاهين)، لا أريد هنا أن أتعالم وألقن كل صحيفة درسا وأنا العبد الخطاء، لكن أعتقد أنه من العيب فى عصر الإنترنت أن تخطئ
صحف كبيرة فى معلومات من نوعية كم أديبا من أمريكا اللاتينية حصل على نوبل، فتقول صحيفة كبيرة ثقافيا إن أمريكا اللاتينية حصلت على نوبل للآداب مرتين، وفى صحيفة يرأسها مثقف كبير تقرأ أنها حصلت عليها ثلاث مرات، مع أن المسألة ليست كيميا، يمكن ببساطة أن تدخل كصحفى إلى شبكة الإنترنت وتطبع سطرا فى جوجل اسمه (قائمة الفائزين بجائزة نوبل للآداب) وعندها ستعرف أن أمريكا اللاتينية حصلت على جائزة نوبل ست مرات، والعهدة على جوجل، أول مرة كانت فى عام 1945 وكانت من نصيب الشاعرة التشيلية غبريالا مسترال، ثم فى عام 1967 حصلت عليها للمرة الثانية عندما ذهبت الجائزة إلى كاتب جواتيمالا الأشهر ميغيل أنخل استورياس صاحب رواية (السيد الرئيس) الشهيرة، ثم فى 1971 حصل الشاعر التشيلى العظيم بابلو نيرودا على الجائزة الثالثة لأمريكا اللاتينية.
وبعدها فى عام 1982 جاءت الجائزة الرابعة والأشهر التى كانت من نصيب الروائى الكولومبى العظيم غابرييل غارسيا ماركيز، وفى عام 1990 كانت الجائزة الخامسة من نصيب الروائى المكسيكى أكتافيو باث، وأخيرا فاز يوسا بالجائزة السادسة لأمريكا اللاتينية التى كانت تستحق دون شك جوائز يفوز بها جورجى أمادو وخورخى لويس بورخيس وخوليو كورتاثار وكارلوس فوينتس وإيزابيل الليندى (وإن غضب البعض)، ومن هؤلاء من قضى نحبه ومنهم من تنتظره الجائزة.
وياليت الأمر اقتصر على أخطاء المعلومات التى نشرتها الصحف حول أسماء روايات يوسا وعدد رواياته، للأسف حاول البعض إصدار أحكام سياسية على الرجل حاولت تصوير أنه فاز بالجائزة لأنه يمينى متعفن ساند الحرب الأمريكية على العراق، وأنه انتهازى باع اليسار واشترى اليمين الذى أوصله إلى نوبل، مع أن مواقف الرجل السياسية أكثر تعقيدا وتركيبا من ذلك، للأسف لم تكلف أغلب الصحف نفسها استكتاب
متخصصين حقيقيين فى أدب الرجل مثل الدكتور حامد أبوأحمد الذى كتب عنه فصولا بديعة فى كتاب له عن أدب أمريكا اللاتينية أصدرته الهيئة العامة للكتاب، تفهمت غضب الدكتور حامد فى إحدى الندوات مما قيل من تصريحات ضد يوسا من كتاب مصريين، ليس فقط لأنه عرف يوسا شخصيا عندما رافقه خلال زيارته إلى مصر قبل سنوات، وإنما لأنه يعرف بحق قيمة الرجل وعطاءه الأدبى الذى يتجاوز بكثير موقفا سياسيا اتخذه بسبب انحيازه الدائم ضد الديكتاتوريات السياسية، وإن كان ذلك لم يمنعه من الكتابة بإنصاف عن العراق ووضعها تحت الاحتلال الأمريكى عندما زارها بعد ذلك بسنوات بصحبة ابنته التى صورت تلك الزيارة.
الغريب أننى قرأت مقالات وتصريحات لأدباء ونقاد مصريين حول مواقف يوسا السياسية وصلت إلى حد الحديث عن كتابات ابنه الأكبر الذى تحتفى به الصحافة اليمينية فى أمريكا، وتعجبت من إصرار البعض على الاستمرار فى تصوير أن من يحصل على نوبل للآداب لابد أن يكون مرضيا عنه من الصهاينة والأمريكان، فقد كنت أظن أن ملفا مثل هذا كان ينبغى أن يغلق أو حتى يفتح على استحياء بعد ذهاب الجائزة لكتاب مثل ساراماجو وداريو فو وهارولد بنتر ولوكليزيو وجميعهم أصحاب مواقف رائعة ضد الصهيونية والغطرسة الأمريكية، بالطبع
ليس يوسا من بقية أهلى لكى أتعصب له وأسعى لمنع أى اجتهادات تطلق بشأنه، لكننى كنت أتمنى أن تكون اجتهادات تقف عند حدود الأدب (أقصد المعنيين هنا)، ولا تتطوع بمحاولة تشويه الرجل ووصمه باتهامات تبعد عنه القارئ المصرى والعربى خاصة أن الرجل اتخذ مواقف سياسية لم تعجب إسرائيل عندما زار الأراضى المحتلة وانحاز للحق الفلسطينى بطريقته ومن خلال مفاهيمه التى قد لا ترضى طموحاتنا، لكنها يمكن أن تشكل أرضية للحوار مع رجل مثله لديه تأثير أدبى كبير فى العالم يمكن أن نستفيد منه لخدمة القضية الفلسطينية إذا كنا راغبين أصلا فى خدمتها، أو تذكرها.
على أية حال، أعتقد أن يوسا وأدبه أعظم وأجمل بكثير من أن أحاول تلخيصهما أو اجتزاءهما حتى فى مساحة شاسعة كهذه، أعجبنى السطر الذى عللت به اللجنة قرار منح الجائزة ليوسا «لرسمه خرائط بنى السلطة ولتصويراته المتعمقة لمقاومة الفرد وثورته وانهزامه»، وهو سطر يلخص بعضا من أعمال يوسا لكنه لا يختزل تجربته كلها كما أظن، فى (حفلة التيس) ستجده يقدم تجربة بديعة فى أدب الديكتاتور من خلال روايته لقصة ديكتاتور الدومينيكان الشهير تروخيو، عندما ظهرت الطبعة العربية الأولى للرواية فى عام 2000 وقرأتها بنهم واستمتاع،
لم أكن أعلم جهلا منى أنها عن شخصية حقيقية، ثم بعد ذلك ومع تتبعى لأعمال يوسا وجدت أنه يكتب كثيرا من أعماله الروائية عن شخصيات حقيقية ولكن بعد أن يقوم بعمل خلطة روائية بديعة يختلط فيها الواقع بالخيال بشكل مدهش، ستجد ذلك فى روايته (الفردوس فى الناصية الأخرى) التى يروى فيها جانبا مجهولا من حياة الرسام العالمى بول جوجان، فى روايته (قصة مايتا) التى جلبت له سخطا من رفاقه اليساريين القدامى يلقى الضوء على تناقضات الأحزاب السياسية اليسارية مازجا الواقع بالخيال بأسلوب ساخر مدهش،
فى روايته (بانتاليون والزائرات) يحكى بشكل ممتع عن قصة تأسيس جيش بيرو إدارة سرية تقدم خدمات للدعارة فى المناطق التى يخدم فيها الجنود فى الغابات والأحراش لكى لا يقوموا باغتصاب نساء القرى المجاورة لمناطق خدمتهم ويتم تكليف أكثر الضباط حزما وصرامة بترك الخدمة العسكرية رسميا وإنشاء هذه الإدارة دون أن يعترف بارتباطها بالجيش، فى روايته (من قتل بالومينو ماليرو) يكشف من خلال تحقيق فى جريمة قتل حلقات الفساد التى تنشأ بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية، وحتى فى أعماله التى تبدو بعيدة عن الأجواء السياسية يحرص يوسا على تقديم خلفية معرفية فى كل رواية بأسلوب يبتعد عن المباشرة لكنه يقدم فائدة عظيمة لقارئه.
كل ما حققه يوسا من نجاحات أدبية لم يقنعه بالابتعاد عن الاشتباك مع الواقع، فهو حتى الآن يكتب فى الصحف مقالات منتظمة، بل ويقوم أحيانا بعمل تحقيقات صحفية بتكليف من بعض الصحف، وهو يعلن دائما أنه مدين للصحافة بأنها ألهمته نصف ما كتبه، وفى حين يحاول بعض كتابنا أن يهرب من اتخاذ مواقف سياسية محترمة يواجهون بها الواقع بزعم أن ذلك يؤثر سلبا على جودة أدبهم، نرى يوسا عندما يُسأل فى حوار صحفى حول إصراره على كتابة المقالات السياسية وما إذا كانت يمكن أن تؤثر عليه سلبا،
يرد قائلا «أعتقد أن الكاتب لا يجب أن يفكر فى الانسحاب، إن مهمة الكاتب هى أن يكتب بصرامة وأن يدين كى يدافع عما يؤمن به بكل ما لديه من موهبة، أؤمن أن هذا اعتبار أخلاقى للكاتب، لأنه لا يمكنه أن يكون فنانا مجردا، أعتقد أن على الكاتب مسؤولية من نوع ما، على الأقل فى أن يشارك فى الحوار المدنى، لأننى أعتقد أن الأدب يحسن الأحوال إذا أًصبح جزءا من برنامج الناس والمجتمع والحياة... أعتقد أن مداخلات الكتاب فى الحوار العام يمكن أن تصنع فرقا، إذا انتزعت الثقافة تماما من سياق ما يجرى فإنها تصبح مصطنعة».
لم يكتف يوسا فقط بالكتابة فى الشأن السياسى والاشتباك مع الواقع، بل قرر أن يخوض تجربة العمل السياسى بشكل مباشر، لعلك تعلم أنه رشح نفسه لانتخابات الرئاسة فى موطنه بيرو ضد رئيسها ألبرتو فوجيمورى ودخل فى جولة إعادة، وكانت تجربة مريرة قضى فيها ثلاث سنوات من عمره لكنه تعلم منها أشياء كثيرة أهمها أن «شهوة السلطة السياسية يمكن أن تدمر عقلا بشريا وتدمر مبادئ وقيما، وتحول البشر إلى وحوش صغيرة»، وأن «الطغاة ليسوا كوارث طبيعية بل تتم صناعتهم بمعاونة عديد من البشر، وأحيانا بمعاونة ضحاياهم أيضا»، بعد هزيمته قرر أن يعود ثانية إلى الأدب وهو أمر نحمد الله عليه لأنه أنتج بعدها عددا من الروايات الجميلة، لكنه لم يتوقف عن كتابة المقالات السياسية المهمة.
آخر ما قرأته له كان مقالا بعنوان (زمن البهلوانات) نشرته له (أخبار الأدب) هذه الصحيفة التى يجب أن تفتخر بها مصر وترجمه المترجم المتميز أحمد عبداللطيف، وهو مقال احتفى به العديد من المواقع الثقافية العربية بوصفه يشكل إدانة لما قام به القس الأمريكى المتعصب تيرى جونز الذى دعا إلى حرق المصحف الشريف فى كنيسته بفلوريدا، لكن المعنى الأهم فى مقال يوسا كان عن ثقافة الاستعراض التى أصبحت هى السمة الأساسية لمجتمعنا فى هذا الزمن الذى يصفه يوسا بأنه أكثر الأزمنة التباسا فى تاريخ البشرية، معتبرا أن ما فعله جونز من حماقة وبهلوانية لم يكن يستحق سوى الصمت أو التجاهل أو على أقصى تقدير كتابة سطرين فى صفحة النكات والغرائب بالصحف، لكن احتفاء وسائل الإعلام بجونز كاد يشعل العالم كله،
وجونز كان سعيدا بذلك ولم يدرك أبدا خطورة ما فعله لأن على حد تعبير يوسا «أحد ملامح التعصب المحددة هو عدم قدرة المتعصب على تملك خطة بالأولويات الرصينة والمنطقية، فالأولوية الأولى لديه هى دائما فكرة أو إله يمكن أو يجب أن يضحى بالآخرين من أجله».
لا يلقى يوسا اللوم على وسائل الإعلام وحدها بسبب تضخيمها لما حدث، فهو يرى أنها باتت مضطرة لفعل ذلك لأن هذا هو ما ينتظره منها قراؤها ومشاهدوها فى العالم أجمع «أخبارا تخرج عن الروتين اليومى، تدهش، تربك، ترعب، تفضح وفوق كل شىء تسلى وتلهى.. لا يمكن أن تكون المعلومة فى أيامنا جادة، لأنها لو كانت كذلك سيكون مصيرها القبر، فالقاعدة العريضة من تلك الأقلية التى مازالت تهتم بمعرفة ماذا يحدث يوميا فى الأوساط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى العالم، لا تريد أن تشعر بالملل وهى تقرأ أو تسمع أو تشهد تحليلات فطنة ولا معقدة مليئة بالصبغات، وإنما تريد أن تتسلى، تقضى وقتا هادئا
يخلصهم من ضيق وإخفاقات وتوترات اليوم، وليس محض صدفة أن تجد جريدة مثل لوموند الفرنسية، وهى واحدة من أكثر الجرائد جدية واحتراما فى أوروبا على أبواب الإفلاس عدة مرات فى السنوات الأخيرة، وأنقذت نفسها حديثا مرة أخرى، لكن من يدرى إلى متى، إلا إذا خضعت لإفساح مساحة للخبر التسلية، الخبر النكتة، الخبر التفاهة، الخبر الفضيحة، الذى احتل بطريقة منهجية كل وسائل الإعلام الكبرى سواء فى العالم الأول أو الثالث..
ولكى تمتلك وسائل الإعلام الآن الحق فى الوجود والازدهار لا يجب أن تعطى أخبارا، وإنما تقدم استعراضا لمعلومات تشبه فى لونها وفكاهتها وطابعها المثير وعلو نبرتها، الاستعراضات الواقعية حيث يلتبس الحق بالباطل كما يحدث فى العمل الخيالى».
ويلفت يوسا الانتباه إلى أن تحول التسلية لتكون القيمة الأهم فى عالمنا برغم تجاوزها لمبادئ أساسية مثل التعايش والأخلاق والجمال والذوق، مشكلته أنه شر لابد منه فى المجتمعات التى تتمتع بالحرية، لأن محاولة تقليل أو قمع الحرية من أجل السيطرة على هذه الجوانب السلبية للتسلية، سيكون له عواقب أوخم من هذه التفاهات، وهو ما يجعل المجتمعات للأسف تواصل افتتانها بالحاجة للتسلية كهدف أول،
وبالتالى يُحَوِّل المجتمع «خطوة خطوة ساسته ومثقفيه وفنانيه وصحفييه ورعاته أو كهنته وحتى علماءه وعسكرييه إلى بهلوانات»، وهو ما ينذر فى رأيه بدفع عدد أكبر من الناس من مختلف المدارات للتصرف بطريقة تسمح لهم بالهروب من الظلام والدخول فى محيط الشهرة التى يتمتع بها البهلوانات الذين يُصفق لهم إن أجادوا فن التسلية ويتلقون البقشيش ثم يُنسون إلى الأبد، لدرجة أنك تجد عالما كبيرا مثل ستيفن هاوكنج يجعل دعاية كتابه المقبل مبنية على حديث شديد السطحية يقول فيه إنه
سيبرهن أن خلق العالم يمكن أن يحدث دون حاجة إلى إله، وهو ما يعتبره يوسا دليلا على سيادة مناخ الاستعراض والبهلوانية الذى يفسر ما قام به العنصرى تيرى جونز والذى «ربما يكون متعصبا أو مجنونا أو مهرجا صرفا، لكنه فى كل الأحوال يجب أن يبقى واضحا أنه لم يفعل ذلك بمفرده، فكلنا شركاء له».
ياااه، فتح الله عليك يا عم يوسا.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.