الديهي يحسم الجدل حول "حل مجلس النواب": شائعات مغرضة والطعون رُفضت نهائيًا    الفقي يكشف "أسرار الدائرة المقربة" في عهد مبارك: عزمي كان "الرجل الحديدي داخل القصر"    نقابة الأطباء تكشف تفاصيل شطب ضياء العوضي .. «فشل في إثبات كلامه»    من التمثيل إلى الاشتباك.. ماذا وراء تغيير قيادات 17 محافظة في "مستقبل وطن"؟    ضريبة الدمغة على البورصة تستهدف 845 مليون جنيه في 2026–2027    شعبة الدواجن: هياكل الفراخ صالحة للأكل بهذه الشروط    محافظ جنوب سيناء يبحث مع ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تعزيز الاستدامة    "صفر خلال شهرين".. أحمد موسى يكشف بشرى سارة بشأن مستحقات شركات البترول(فيديو)    خبير طاقة: العالم لا يستطيع الاستغناء عن الوقود الأحفوري رغم التحول للطاقة النظيفة    السعودية: 20 ألف ريال غرامة للحج بدون تصريح والمنع 10 سنوات من دخول المملكة    الجيش الإيراني: أي اعتداء جديد يرتكبه العدو سنواجهه بأدوات ووسائل جديدة    إعلام عبرى: تل أبيب ترفع مستوى الاستعداد لمختلف السيناريوهات المتعلقة بإيران    فالنسيا ضد أتلتيكو مدريد ..سيميوني يصل ل1000 مباراة مع الروخيبلانكوس    أخبار الرياضة اليوم: كاف يعلن موعد انطلاق وختام كأس الأمم الأفريقية 2027.. أرسنال يفوز على فولهام بثلاثية ويواصل تصدر الدوري الإنجليزي.. وزيزو يشكو من آلام العضلة الخلفية عقب قمة الدوري    بسمة رمضان تحصد أول برونزية لمصر في بطولة العالم لرفع الأثقال    «الأرجل لم تعد كما كانت»، روني يكشف أسباب تراجع مستوى محمد صلاح    جيوكيريس يرد على الانتقادات بقيادة أرسنال للفوز على فولام    مباشر الدوري الإسباني - أوساسونا (0)-(0) برشلونة.. فرصة خطيرة لأصحاب الأرض    منتخب الناشئين يبدأ المرحلة الأخيرة من استعداداته قبل السفر إلى المغرب    صدمة ل بايرن ميونخ وباريس سان جيرمان قبل موقعة دوري أبطال أوروبا    مصرع سيدة وإصابة شخصين آخرين إثر انقلاب سيارة ربع نقل ف الرياح الناصري بالمنوفية    انخفاض حاد في الحرارة وأمطار تصل لحد السيول.. تحذير من تقلبات جوية تضرب البلاد غداً    "الزراعة" تحبط محاولة تهريب كائنات برية نادرة وتوجه بنقلها لحيوان الإسكندرية    من السفر حتى العودة، خدمات شاملة لحجاج الجمعيات الأهلية    الجائزة الذهبية لفيلم "آخر المعجزات" بمسابقة الفيلم المصري بمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    أحمد حلمي يقدم واجب العزاء في والد حمدي الميرغني    قنديل» ل "الفجر": نستهدف تغطية 100% للصرف الصحي بالإسكندرية بحلول 2030    طوارئ بغرف عمليات المرور بسبب تقلبات الطقس وظهور رياح بالطرق    محمد صلاح.. 9 سنوات من السحر تنتهي بإشادات تاريخية    محافظ السويس يتدخل لحل شكوى سيدة بمركز طب أسرة الهويس    أبرز المسلسلات التركية في الوطن العربي 2026 أعمال جديدة تسيطر على نسب المشاهدة    صحة أسيوط تنظم قافلة طبية شاملة بقرية دير ريفا    رئيس جامعة بنها يتفقد الأعمال الإنشائية بكليتي الفنون التطبيقية والتربية النوعية    بتكلفة 8.5 مليار جنيه| مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    ستارمر: الوضع الاقتصادي في بريطانيا لن يعود إلى طبيعته بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز    «حمام» من العصر البطلمى وأرضيات من الفسيفساء    تعليم دمياط تطلق مبادرة "المراجعات النهائية الشاملة" لصفوف النقل    صلاح حسب الله: تحرك مصر تجاه حرب إيران يتسم بدبلوماسية فك الألغام    فرنسا تطالب بعقوبة رادعة للمعتدي على راهبة في القدس    الإعدام شنقا لقاتل جاره بالشرقية    وزير باكستاني: التوتر الإقليمي يعرقل الاستثمارات ويهدد الاقتصاد العالمي    "الإفتاء": الحصول على عوائد شهادات الاستثمار والودائع البنكية حلال شرعًا    الفصائل الفلسطينية: التعامل مع قضية سلاح غزة سيتم في إطار الإجماع الوطني    عمرو دياب يتألق في حفل الحكاية.. رحلة موسيقية بين الماضي والحاضر    رحيل أسطورة الرقص الشرقي في مصر.. وفاة سهير زكي بعد مسيرة حافلة    وزير الصحة يستقبل بابا الروم الأرثوذكس لبحث إنشاء مستشفى بالإسكندرية    في دورته الأربعين.. معرض تونس الدولي للكتاب يتوج المبدعين و"إندونيسيا" ضيف شرف    مستشفيات سوهاج الجامعية تستقبل أكثر من 45 ألف مريض وتجري 17 ألف جراحة    كيف قادت القوة والترف قوم ثمود إلى الهلاك؟ عالم أزهري يوضح    الأمن يكشف تفاصيل مشاجرة شاب في الشيخ زايد بعد فيديو متداول    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    محافظ المنوفية يتفقد المركز التكنولوجي والصحة بسرس الليان    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«الكيلو 4.5».. وادى المنسيين الشهير ب «عزبة الهجانة»

لوحة فسيفساء، يُكوّن تفاصيلها مليون و200 ألف روح بشرية. يجمعهم وهم القادمون من شتى بقاع أرض مصر، الحلم فى السكن، والعيش فى كرامة رغم ضيق ذات اليد، ورغم وجود منطقتهم الواقعة فى منتصف الطريق بين أرقى أحياء مصر الجديدة فى منطقة الجولف من جانب، ومدن المال والسلطة والنفوذ فى «الرحاب» و«مدينتى» من جانب آخر.
الحديث عن منطقة الكيلو 4.5 التى لا تصدق مدى فقرها وعشوائيتها ومعاناة أهلها، عند التوغل فى شوارعها التى يجمعها والناس هناك وصف واحد هو «البؤس»، بينما الطريق لها عبر شارع الثورة أحد أرقى وأغنى شوارع مصر الجديدة- يحدثك عما صار بين المصريين من فروق شاسعة فى الثروة والمعاناة، ففى الداخل لا وجود للدولة، ليكون لسان حال سكان تلك المنطقة وهم يمرون فى صباحهم وغُدوهم على شوارع «المحروسة» المبتهجة، ويشاهدون إعلانات المدن الجديدة بملامحها الفتيّة التى تنفى عنهم الفقر، لمن لا يعرفهم: «حسبنا الله ونعم الوكيل».
على مساحة ما يقرب من 750 فدانا، تقع منطقة الكيلو 4.5 على طريق القاهرة - السويس، أما سبب تسميتها فيعود إلى أن المسافة بينها وبين منطقة هليوبوليس آخر حدود مدينة القاهرة قبل عام 1963، كانت تقدر ب4.5 كم. اسم آخر يُطلق على تلك المنطقة التى يعود تاريخها إلى عام 1898، هو «عزبة الهجانة» وهم نفر من العساكر الذين كانوا يستعملون الجمال، ويقصّون الأثر وكانوا يقومون بحراسة الحدود فى ذلك الوقت، وكانوا أول من سكن تلك المنطقة، مع أسرهم وبنوا فيها بيوتاً أشبه بمنازل الفلاحين المبنية من الطوب اللبن.
أما حدودها الحالية فتتحدد بأربعة مداخل هى: شارع الورشة، وطريق السويس، والحى العاشر فى مدينة نصر، ومدينة الشروق. وكما تتعدد مداخل تلك المنطقة، تتنوع هموم ناسها، كندرة المياه، والكهرباء، ومحطات الضغط العالى، وهناك البطالة، والجريمة، وبشر باتوا يحملون عشوائية المكان وبؤسه، فانطبعت عليهم عشوائية الطرق ووعورتها، وانتشار القمامة بها، رغم أن غالبيتهم يعملون فى جمع القمامة من شتى مناطق القاهرة!
وفوق كل هذا، تتناثر بين الحين والآخر شائعات عن وجود نشاط تنصيرى للكنيسة الكبيرة فى المنطقة، بشكل يهدد أحياناً بكارثة طائفية، يعززها وجود عشرة آلاف لاجئ أفريقى معظمهم من السودانيين، الذين يلقى بهم مكتب اللاجئين التابع للأمم المتحدة فى القاهرة، فى ذلك المكان لحين توفير فرصة إعادة توطين لهم فى الخارج، وهى فترة قد تطول لسنوات.
«المنطقة كلها وضع يد، جئنا هنا منذ الستينيات واشترينا الأرض من البدو، وكان البيع بخطوة القدم، فاشتريت الأرض التى بنيت عليها منزلى بخمسة وعشرين جنيها».. هكذا تحدث عم محمد، صاحب ورشة لإصلاح إطارات السيارات فى مدخل المنطقة من طريق السويس،
وأضاف: «المدخل الرئيسى للمنطقة هو الموجود على طريق السويس، فى منتصف السبعينيات تغير الحال، وبدأت سكينة السادات شقيقة الرئيس الراحل وزوجها فى تفويض سماسرة لبيع الأرض فى تلك المنطقة، فغلت الأسعار وباتت تباع بالفدان، فوصل سعره ل400 جنيه.
زاد السكان وبات كل واحد يبنى كما يحلو له، فى الوقت الذى لم يكن يوجد فيه بالمنطقة كهرباء ومياه شرب وصرف صحى، وحتى مطلع عام 2000 كنا نحيا على مولدات الديزل، والخطوط المسروقة، وبراميل المياه التى نشتريها بستة جنيهات للبرميل، وخزانات الصرف الصحى».
وتتوزع دماء أهل المنطقة وذنوبهم فيما بين حى مصر الجديدة الذى تتبع له منطقة الكيلو 4.5 إدارياً، بينما يتحمل حى مدينة نصر وزر المياه والكهرباء والصرف الصحى، ولا يعلم أهالى الكيلو 4.5 هل كان من حسن طالعهم أن يصدر قرار جمهورى بتطوير المنطقة وتزويدها بجميع الخدمات فى عام 2000،
وهو ما جعلهم يخرجون من قائمة العشوائيات؟ أم أنه كان من سوء حظهم حيث لم ينته المشروع حتى يومنا هذا رغم مرور تسع سنوات على صدوره، ليصبحوا كمن رقص على السلم، لا هم من العشوائيات ولا هم من سكان المناطق الآدمية!
«سمير نوار» مواطن من سكان المنطقة، يتعامل معه سكان الكيلو 4.5 من منطلق أنه الكبير والمتحدث الرسمى باسمهم، يطلقون عليه «مسؤول المجلس المحلى»، وهو لم ينل هذا الشرف بعد، يترأس جمعية خيرية أقيمت بالجهود الذاتية يطلق عليها اسم «المعز»، يمسك العصا من المنتصف، فهو المسؤول الذى تربطه علاقة بالمسؤولين وأعضاء مجلس الشعب الذين تتبعهم المنطقة، وعلى رأسهم مصطفى السلاب من ناحية،
كما تربطه علاقة وطيدة بالأهالى من ناحية أخرى، يجتمع الأهالى فى مكتبه يبثونه همومهم، التى تأتى فى مقدمتها مشكلة المياه، لا تعرف بأى لسان يتحدث، بلغة الموظفين التابعين للدولة، أم بلسان حال المكتوين بنار التجاهل؟
بدأ حديثه معنا مقاطعاً كل من جاء للشكوى بالقول: «مع صدور قرار تطوير المنطقة فى عام 2000 تم الانتهاء من 90% من مشروع الصرف الصحى، وبات لدينا محطتان، أما المياه فقد تم التخطيط لها على خمس مراحل، لم ننته حتى الآن إلا من المرحلة الأولى ونصف المرحلة الثانية فقط! المياه ضعيفة ولكنها موجودة».. تقاطعه الحاجة فاطمة غاضبة وهى تقسم أن المياه لم تدخل بيتها منذ ثلاثة أيام،
وأضافت: «نحن فقراء ولكن شرفاء لا نطلب سوى مياه شرب نظيفة تأتى ولو لساعة واحدة فى اليوم، بدلاً من شرائها ب 15 أو 20 جنيها فى اليوم الواحد، وهو ما يعنى أن نظل أنا وأسرتى بلا غذاء فى هذا اليوم، فإما ماء وإما طعام، هناك خط عشوائى مددناه من مدينة نصر، ولكنه كثيرا ما يتعرض لشروخ أو كسور فتختلط المياه بالصرف الصحى».
يلفت نظرك أثناء سيرك فى طرقات الكيلو 4.5، منظر عبوات المياه البلاستيكية التى تحملها رؤوس تختلف مراحلها العمرية، دون أن تفرق بين طفل أو صبية، وامرأة عجوز أو شابة، حتى الرجال لم ترحمهم الحاجة للمياه من الذهاب إلى حنفيات الشارع العمومى وانتظار وصول المياه، ليملأوا عبواتهم حتى لو اضطروا للتغيب عن أعمالهم.. كما تلمح تكرار اسم «السلاب» مقرونا بأرقام مسلسلة على بعض المنازل، وهو ما فسره لنا الأهالى بأنها أرقام المحابس التى نفذتها شبكة المياه بعدما تم تركيب عدد من العدادات لنحو 800 مشترك منذ عام 1996 مقابل 1070 جنيها لكل عداد، ولكن من دون أن تأتى المياه حتى يومنا هذا.
«أم مجدى» جاءت من المنيا مع زوجها منذ 12 سنة، لتقطن فى منزل ملك لهما فى مواجهة جمعية المعز الخيرية، لديها عداد مياه، وحوش فى مدخل منزلها تفتحه لجيرانها حينما تستشعر وصول الماء فى الحنفيات، ليملأوا عبواتهم لحين ميسرة، قالت لنا: «فى شهر أكتوبر الماضى جاء المهندس السلاب عضو مجلس الشعب هنا فى جمعية المعز، ومعه مسؤول المياه فى الحى، الذى قال لنا إنه فى 15 أكتوبر سيفتح كل منا الحنفية ليجد المياه فى أى وقت من ليل أو نهار، ولكن لم يحدث شىء».. وتضيف ساخرة: «ولكنه لم يحدد فى أى عام سيحدث هذا!».
المياه ليست المشكلة الوحيدة فى «عزبة الهجانة» أو «الكيلو 4.5»، التعليم أيضاً مشكلة، فمن يصدق أن منطقة بتلك المساحة لا يوجد بها سوى مدرستين ابتدائيتين هما «صلاح الدين»، و«المعتز» بهما 6000 تلميذ. عندما ذهبنا للقاء المسؤولين بهما لم نجد أحدًا رغم أن الوقت كان مبكراً على الانصراف، إلا أن شكوى الأهالى من سوء الوضع بهما تتلخص فى عبارة «جيهان» والدة أحد التلاميذ التى قالت لنا: «أى مدرس يحلم بالثراء، يمكنه المجىء إلى أى من هاتين المدرستين، فالإدارة تجبر الأولاد على أخذ مجموعات تقوية، وكل مجموعة تتكلف 25 جنيها فى الشهر،
وذات يوم سألت المدرسة لماذا تجبر ابنى على أخذ المجموعة، فقالت لى إنها شرط النجاح، ورغم ذلك فنسبة النجاح فى الشهادة الابتدائية فى المدرستين 21%، وعندما يذهب أبناؤنا الناجحون لمدارس إعدادية فى مناطق أخرى يعانون بشدة لعدم مقدرتهم على متابعة الدروس».
ويحكى الأستاذ سمير، رئيس جمعية المعز الخيرية، عن سوء وضع التعليم فى المنطقة بالقول: «يتخرج الأولاد وهم يعانون من الأمية لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، والفصول التى تصل كثافتها إلى 85 طالبا فى كل فصل، ليس بها مقاعد وإن وجدت فهى مكسورة غير صالحة للجلوس عليها، لقد صورنا أحد فصول مدرسة صلاح الدين العام الماضى وقد ربى المسؤولون فيها دواجن بدلاً من التلاميذ! وحينما نشكو لا أحد يهتم، حتى الوحدة الصحية لا تجد فيها أحدا، هل تصدقون أن أقرب نقطة شرطة لنا فى الحى العاشر بمدينة نصر، رغم ارتفاع معدل الجريمة».
حاولنا فهم سر عدم الاهتمام بسكان تلك المنطقة من موظفى الحى فى مدينة نصر، إلا أن الرد الذى تجده هناك فى انتظارك: «المنطقة كلها مخالفة، تحتاج لإبادة جماعية». تحتار فى أمرك مثل حيرة سكان الكيلو 4.5 بعد سماعك تلك العبارة، وتتساءل: هل هم ينتمون لمنطقة عشوائية مهملة، عليهم التكيف معها؟ أم من المفترض أنهم باتوا منطقة صدر لها قرار تطوير لم ينفذ منه شىء حتى الآن؟ وإذا كان غياب الخدمات بوجه عام، والمياه بوجه خاص، يحصد الصبر فى النفوس فى الكيلو 4.5، فإن الأسلاك الكهربائية للضغط العالى بالقرب من منازل الأهالى،
وفى الشوارع الضيقة غير الممهدة فى شكل هابط وصاعد بلا مبرر، تحصد أرواح البشر وبخاصة من الأطفال هناك، صعقاً بالكهرباء، سواء فى شارع «الورشة»، أو منطقة «مسجد شحاتة» التى تمثل أشد مناطق الخطر بالمنطقة كلها، حيث تتجمع فيها، وفى مساحة لا تتعدى الأمتار الثلاثة، أسلاك الضغط العالى.
«أكثر من حادثة مات فيها صبية وأطفال من المنطقة، طالبنا بإزالة تلك الأسلاك، أو منع البناء فى المنطقة المحيطة بها، ولكن شركة الكهرباء لا تهتم ولا يعنيها سوى كسب القضايا التى يرفعها السكان طلبًا للتعويض».. كما يعكس كلام عم محمد لا مبالاة المسؤولين، فإنه يطرح عدم الإحساس بالمسؤولية لدى المواطنين هناك، الذين يصرون على البناء فى منطقة يعلمون خطورة البناء فيها،
وهو ما يؤكده حديث المسؤولين عن خطوط الضغط العالى بالشركة المصرية لنقل الكهرباء، من أن الشركة ليست مسؤولة عما يحدث بمنطقة الكيلو 4.5، حيث تحصل قبل إنشاء أى خطوط، على جميع التصاريح اللازمة، وأنها غير مسؤولة عمن يقومون بالبناء فى محيط تلك الأسلاك.
ضيق الشوارع، والخوف من السرقة، سببان رئيسيان وراء عدم وجود صناديق للقمامة فى طرقات الكيلو 4.5 وعلى امتداد المنطقة بأكملها، لتزاحم القمامة الناس فى الشوارع، ولا يبقى أمامهم سوى حرقها وسط البيوت، وهى الوسيلة الوحيدة للتخلص منها، فى منطقة يعمل نسبة كبيرة من أهلها جامعى زبالة ينتشرون فى أحياء القاهرة المختلفة.
«مؤسسة الشهاب».. اسم يتردد فى منطقة الكيلو 4.5، ببعض الحذر كمنظمة مدنية تحصل على معونات دولية تقوم من خلالها بالمساهمة فى تنمية المنطقة، حيث يذكر السكان هناك فضل المؤسسة فى مد شبكة الصرف الصحى لنحو 720 منزلا عام 2004 من خلال منحة يابانية، وبناء أسقف جديدة مغطاة بطبقة مصنعة بطريقة خاصة وسميكة، لحماية السكان من طنين كابلات أعمدة الضغط الكهربائى المرتفع لنحو 50 منزلا، إلا أن الإنجازات لم تمنع تشكك الناس فى المؤسسة التى أثيرت حولها شائعات عن قيامها بنشاط تنصيرى بين سكان المنطقة.
«اتهمونا بالعمالة لأمريكا، وإسرائيل، ثم قالوا إننا نعمل على تنصير المسلمين، ولكننى لم أهتم سوى بتنفيذ ما بدأناه»..
هكذا تحدثت رضا شكرى، المدير التنفيذى لمؤسسة الشهاب، أمين الصندوق بها، وأضافت: «الجهل والفقر منبت جيد للشائعات، وفى منطقة تقدر فيها البطالة بنسبة 62%، والأمية بنسبة 77%، ونسبة الأسر التى تقطن غرفة واحدة 46%، لابد أن يحدث أسوأ من هذا،
وأؤكد أنه إن لم تتدخل الحكومة لحل الفوضى فى تلك المنطقة، فإن الكارثة واقعة لا محالة، فجهودنا غير مجدية فى منطقة يعيش كل سكانها تحت خط الفقر بمراحل، ولا أحد يتعاون معنا من المسؤولين، على سبيل المثال حصلت على منحة من السفارة اليابانية لتوصيل المياه لنحو 300 منزل، هل تتخيلون أن المسؤولين فى شبكة المياه يفضلون التعامل فى المناطق التى يعيش بها الأغنياء أكثر من تلك المنطقة، رغم أننى سأدفع تكلفة توصيل المياه والمواسير!
ولكنهم يماطلون فى التسليم وكأنه ليس من حق الفقير أن يحيا فى أدنى مستويات الخدمة، من يصدق أن منطقة تقع فى امتداد شارع الثورة، هنا فى الكيلو 4.5، تخرج النساء فيها لقضاء حاجتهن فى الشارع؟ المسؤولون لا يهتمون، ونواب مجلس الشعب لا يظهرون إلا فى وقت الانتخابات فقط، ثم يتلاشون تماماً».
اللاجئون الأفارقة جزء من نسيج منطقة الكيلو 4.5، التى يقطن بها نحو عشرة آلاف لاجئ أفريقى معظمهم من السودان، وتحديداً من الجنوب ودارفور، جميعهم هربوا من أوجاع الفقر والحرب والعنف واستحالة الحياة إلى مصر طمعاً فى عيشة أفضل رغم صعوبة الحصول على عمل مناسب،
وانتظاراً لفرصة سفر وتوطين فى إحدى دول أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو أستراليا عبر مكتب اللاجئين التابع للأمم المتحدة، غالبيتهم يحمل البطاقة الصفراء، يأتى للإقامة فى الكيلو 4.5 لرخص سعر الإيجارات بها، ولكن حالهم لا يختلف عن المصريين المقيمين هناك فى شىء، يعيشون ذات الفقر، ويتنفسون نفس البؤس.
ورغم هذا يتحملون، بمنطق «مجبر أخاك لا بطل»، مشاحنات المصريين القاطنين فى تلك المنطقة، الذين يتهمونهم بأنهم السبب فى غلاء كل الأسعار بدءاً من السكر والشاى، انتهاءً بأسعار الإيجارات.
جميل حسن، سودانى مسلم من الجنوب، جاء مصر منذ عدة سنوات لم يعد يتذكرها، ولكنه هنا صاحب مقهى السودانيين فى المنطقة، لا ينطبق وصف المقهى على ما يمتلكه جميل، ولكنه يقدم من خلاله الشاى والقهوة وبعض الأكلات السودانية الشهيرة مثل «الجاجاجيك» وهى عبارة عن وصفة تطهى فيها الكرشة،
كما يقدم «الكسرى» وهو نوع من الفطائر.. «اشتريت هذا المحل بكل ما جئت به من السودان، لابد من وسيلة أنفق بها على أهلى، لا أكسب الكثير ولكنه يكفينا، وأتمنى أن تأتى فرصة التوطين فى بلد ثالث، نسيت أن أعد سنوات عمرى هنا، قد تكون من نهاية التسعينيات».
مقاعد ومناضد مقهى السودانيين تكفل لروادها الجلوس مع بعضهم البعض ولعب الدومينو والكوتشينة فى انتظار أى فرصة عمل، تماماً كعمال التراحيل، إلا أن جميعهم ينتظمون فى الدراسة فى المعاهد الليلية لتعليم اللغة الإنجليزية، ومنها معهد «سانت بخيتة» التابع للكنيسة الكاثوليكية، ومدرسة «كوكا كاكا» التى تشرف عليها إحدى المؤسسات البريطانية.. والسبب هو أن يكونوا على علم باللغة فى حال ما جاءت أحدهم فرصة الهجرة التى ينتظرونها بفارغ الصبر.
مثل إسماعيل عبدالله المسلم الذى جاء من جبال النوبة السودانية فى عام 2005، ويحيا فى شقة بالكيلو 4.5 مع والدته وزوجته وطفليه، ويدفع إيجارا 400 جنيه فى الشهر، بينما دخله لا يتعدى 30 جنيها فى اليوم، أى ما يعادل 900 جنيه فى الشهر، إلا أن للكنيسة دورا مهما فى أن يكمل الشهر هو وأسرته، وهو ما يوضحه بالقول: «أنا مسلم ولكن الكنيسة هنا تساعد الجميع، دون أن تطلب منهم ترك دينهم، لا أحد يفعل ذلك، ولكن البعض يظن من تكرار ترددنا على الكنيسة أننا قد تركنا ديننا..
حينما كانت زوجتى حاملا فى طفلنا الثانى كانت تحصل على مساعدة شهرية من الكنيسة قيمتها 40 جنيها، وبعد الولادة استمرت فى الحصول على المعونة، هذا غير وجبات الطعام التى نحصل عليها عندما لا يكون فى البيت أى طعام، كما نلجأ لها فى حالات المرض دون أن يطلب منى أحد أن أتنصر».
سمها ما شئت، الكيلو 4.5 أو عزبة الهجانة، فالأسماء هنا لا محل لها من الاهتمام، ولكن التذكير بهم يبقى مهمة قومية، وقضية أمنية من الدرجة الأولى لا جدال فيها، الخوف من استمرار تجاهلهم لا يخلق سوى حالة من الرعب من الغد الذى يفقدون فيه الأمل فى الحياة كبشر، فيكون الحكم لقانون الانتقام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.