جاء قرار محكمة جنايات القاهرة فى مثل هذا اليوم من الأسبوع الماضى بإعدام كل من هشام طلعت مصطفى، وضابط الشرطة محسن السكرى بتهمة قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم مع سبق الإصرار والترصد، ليثير ردود أفعال كثيرة، معظمها لم يكن يتوقع إحالة أوراقهما للمفتى. وقد وجه هذا القرار ضربة قوية لنظام خلق نوعية جديدة من رجال المال والسلطة، تركهم يصعدون دون أى قواعد ولا أى نظام للمحاسبة، فتصوروا أنهم فوق القانون وفوق البشر، وأن سلطتهم المطلقة جعلتهم يتصورون أنه يمكنهم، فى أى وقت وفى أى زمان، ارتكاب أى نوعية من الجرائم بعيدا عن المحاسبة والقانون. ولأن الجريمة لم تقع على أرض مصر، ولأن الضحية لم تكن مصرية أيضا، فصعَّب بالتالى من فرص تجهيز قاتل «مختل عقليا» «ليشيل الجريمة»، أو العبث فى مسار التحقيقات، حتى يستحيل على القاضى أن يصدر حكما مقابلا للجريمة التى جرت فى أرض الواقع لا تلك التى جاءته على الورق. إن المهنية الشديدة التى تعاملت بها شرطة ونيابة دبى مع هذه الجريمة، والأدلة القاطعة التى قدمتها للقضاء المصرى وحسمت بالثانية أماكن وجود المتهم، وسجلت له بالصوت والصورة كل ما يثبت ارتكابه هذه الجريمة، ورفعت البصمات، وعرفت أرقام تحويلات النقود، وحتى رقم بطاقته الائتمانية التى استخدمها فى شراء «المطواة» التى قتل بها الضحية، كل ذلك دل على مهنية واحترافية عالية تستحق الإشادة، هذا رغم أن الإمارات ليست دولة ديمقراطية ولا يوجد فيها أحزاب ولا تداول للسلطة ولكنها دولة قانون، وأن نخبتها عرفت مبكرا أنه لتحقيق أى نجاح مالى واقتصادى فى تلك الإمارة الصغيرة، التى جذبت بنجاح استثمارات من العالم كله، لابد أن يكون هناك قانون وأن تكون هناك مهنية وشفافية فى إدارة النظام الاقتصادى والقانونى فى البلاد. أما الخلل الحقيقى فى مصر فيرجع بالأساس إلى البيئة السياسية والقانونية التى أنتجت عالم «السلطة المطلقة» فى رأس المال والسياسة، خاصة أن حجم الدعم الحكومى لهذه النوعية من البشر كان مرعبا ولولا تواطؤها معهم لما أصبحوا رأسماليين ولا رجال أعمال، فمواهبهم وكفاءتهم الحقيقية لا تضعهم إلا فى مرتبة التجار الفشلة الذين تقف «إبداعاتهم» عند حدود القيام بسرقات صغيرة وفى «خم» الزبائن بوضع 800 جرام من السكر أو الطماطم بدلا من كيلو واحد، وهكذا. والأخطر أنه بعد صدور الحكم الصارم بدأت حملة مريبة من بعض الإعلاميين والقنوات الخاصة من أجل تبرئة المتهمين، فشاهدنا فى إحدى القنوات الخاصة، المفترض أنها محترمة مثل قناة الحياة، محامى الضابط المتهم بجريمة القتل، وتسأله بسذاجة، تصل إلى حد البلاهة، عن ماذا كان شعور المتهم عقب سماعه قرار المحكمة بإحالة أوراقه للمفتى؟ ولم يكتف بتلك النوعية من الأسئلة إنما فتح أمامه الباب على مصراعيه ليتحدث عن كيف أن موكله ارتكب أخطاء كثيرة فى حياته إلا جريمة القتل هذه! وشاهدنا قناة أخرى تعتبر الحديث المطول مع أقارب المتهمين «انفراداً»، وسمعنا عن قصص وحكايات وهمية واتهامات عشوائية لأشخاص آخرين من أجل تبرئة المتهمين الحقيقيين، وبصورة دلت على حجم الأزمة التى يعانى منها إعلامنا الخاص. إن الخلل الذى أصاب الإعلامين الحكومى والخاص يرجع إلى أن القواعد التى تحكم حركته هى فقط «القواعد الأمنية»، فالمطلوب احترام الخطوط الحمراء بعدم مس رئيس الجمهورية وأسرته أو عدم المساس بأى مسؤول أو صاحب سطوة، وإذا حدث وتجرأ أحد وانتقد أياً من هؤلاء، فيصبح هم القناة أو الصحيفة الوحيد فى مصالحة فلان وترضية خاطر علان، ولم يصل إلينا بعد أن هناك قواعد مهنية فى كل البلدان المحترمة توضح كيفية التعامل مع الخبر وقيم المجتمع والمصادر وهى كلها قواعد غير موجودة أصلا فى مصر، ولم يفكر أحد فيها. إن أى حدث يعكس تداخلاً بين السلطة والإعلام، يكشف فورا أننا مازلنا بعيدين عن قواعد الإعلام المستقل حتى لو خرج التطبيق غير مطابق تماما لتلك القواعد، فكل شىء مباح طالما لا يمس السلطة، فأعراض الناس منتهكة، وبرامج التخلف العقلى منتشرة، وخطاب الردح والشتائم هو السائد فى التعامل مع أى خلاف سياسى، وفيديوهات العرى متعايشة بصورة نادرة مع البرامج الدينية التجارية، فقد تركت الحكومة مجتمعاً كاملاً فريسة للفوضى والعشوائية والتجهيل. مخطئ من يتصور أن تبعية الإعلام هى فقط للسلطة السياسية، وينسى أو يتناسى أن هناك مشكلات أكبر تتعلق بتبعية الإعلام لسلطة رأس المال ومراكز النفوذ، بل والسلطة الأمنية، ولم تعد المشكلة فى كون هناك إعلام حكومى مطيع ينفذ إملاءات الحكومة، إنما فى وجود إعلامين حكومى وخاص بات مخترقا من أى سلطة، وبات بعضه يعالج أموراً سياسية واجتماعية شديدة الخطورة بطريقة مريبة ومقلقة. من غير المتصور وجود قاض محترم فى أى مكان فى العالم يحكم بالإعدام على شخصين، إلا لو كان هناك يقين كامل بارتكابهما جريمة قتل عقوبتها فى القانون الإعدام، وأن أى حديث إعلامى جاد ومهنى وغير مشبوه يجب أن ينطلق من تلك الحقيقة، صحيح أن من حقق الدفاع وأنصار المتهم ( وهم كثر، خاصة فى مجال الإعلام) أن ينقضوا الحكم، وأن يبحثوا فى المبررات التى قد تؤدى إلى تخفيفه، لأن كل الخبراء القانونيين أجمعوا على أن جرائم القتل مع سبق الإصرار والترصد، سيتراوح الحكم فيها ما بين المؤبد والإعدام. وأن للقاضى الحق فى أن يحدد إذا كان هناك ظرف مخفف يستلزم اتخاذ العقوبة الأدنى، أو مشدد يتطلب العقوبة الأقصى، أما نفى الجريمة من أساسها فهو تخريف وخيبة أخلاقية ومهنية. إن الحكم الذى صدر بحق المتهمين كان صارما، وهو حكم فى مواجهة نظام كامل سيحاول أن يخففه بطرق كثيرة، ولا بأس من التخفيف إذا استند للقانون وليس لأهواء السلطة وأصحاب النفوذ، لأن الانتقام أو التشفى الفردى لا يجب أن يكون هو الحاكم فى التعامل مع أى إنسان، ولا مع تلك النوعية من القضايا، فالإدانة الأولى يجب أن تكون للنظام الذى أنتج هشام طلعت مصطفى، ومحسن السكرى، وهو الذى أفرز حالة «قهر عام» كانت فى الماضى على الناس الغلابة، أما الآن فقد أصبحت على كل الناس، وانتقلت من القهر السياسى إلى الاجتماعى، ومن الإيذاء البدنى إلى القتل والتمثيل بالجثث، ومن الكبار إلى الأطفال. فهل سيكون هذا الحكم الرادع بداية النهاية لكل هذه المنظومة؟ دعونا ننتظر. [email protected]