الصحة توضح ضوابط سحب تراخيص الأطباء لحماية المرضى    ننشر أبرز أنشطة وفعاليات جامعة أسيوط خلال أسبوع    آخر تطورات سعر جرام الذهب، عيار 21 وصل لهذا المستوى    نشرة الشروق الاقتصادية 2 مايو 2026: اكتشاف جديد للغاز في دلتا النيل وتوقعات بتراجع سعر الذهب عالميا    نائب محافظ الفيوم يتفقد الأعمال النهائية لتطوير مواقف "دمو" و"سنهور" و"اطسا"    زميلك القادم خوارزمية والذكاء الاصطناعى يرسم حدود البقاء المهنى    محافظ القاهرة يوجه بسرعة تنفيذ "الموجة 29" لإزالة التعديات وحسم ملفات التصالح والتقنين    فوز طالب بهندسة القاهرة بالميدالية الذهبية والمركز الأول عالميا فى جائزة تشارلز ماين    ترامب يصف البحرية الأمريكية ب"القراصنة" فى حصارها لإيران.. ماذا قال؟    مسئول إسرائيلى: الوضع فى جنوب لبنان معقد بسبب المواجهات مع حزب الله    وزير الخارجية يستقبل نظيره السوري غدًا    وزيرا خارجية الكويت وباكستان يبحثان التطورات الإقليمية    الإمارات تعلن رفع الإجراءات الاحترازية على حركة الطيران    الزمالك يوفر حافلات لنقل جماهيره إلى برج العرب لدعم الفريق أمام سموحة    وزير والرياضة يفاجئ مراكز شباب السويس بجولة ميدانية لمتابعة سير العمل    سلوت يوضح دور إيزاك في خطة ليفربول لتعويض رحيل صلاح    كورتوا يقترب من حراسة مرمى ريال مدريد بالكلاسيكو    طريق مصر للنجمة الثامنة.. كاف يعلن إقامة أمم أفريقيا 2027 في الصيف    المشدد 7 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه لتاجر مخدرات بأبو زنيمة فى جنوب سيناء    محافظ بني سويف يوجه بحصر الخسائر بعد السيطرة على حريق مصنع الورق    تعليم دمياط تطلق غدا برنامج المراجعات النهائية لصفوف النقل    المهن التمثيلية تتابع حريق لوكيشن "بيت بابا 2" وتطمئن على فريق العمل    في دورته الأربعين.. معرض تونس الدولي للكتاب يتوج المبدعين و"إندونيسيا" ضيف شرف    وما زال الجدل مستمرًّا!    مستشفيات سوهاج الجامعية تستقبل أكثر من 45 ألف مريض وتجري 17 ألف جراحة    زيارة مفاجئة لوكيل صحة أسيوط لمستشفى البداري المركزي    مشاجرة بسبب تصادم في موكب زفاف بالشيخ زايد.. وإصابة سائق وضبط 3 متهمين    تعاون استراتيجي بين أكاديمية الفنون والمهرجان القومي للمسرح في الدورة ال19    كيف قادت القوة والترف قوم ثمود إلى الهلاك؟ عالم أزهري يوضح    عالم بالأوقاف يوضح سر الصحابي الذي بشره الرسول بالجنة 3 مرات    وزارة السياحة تُهيب بالمواطنين عدم الانسياق وراء الإعلانات المضللة أو الكيانات غير الشرعية التي تروج لبرامج حج خارج الإطار الرسمي    سقوط تشكيل عصابي بالشيخ زايد سرق 250 ألف جنيه من داخل سيارة    الأمن يكشف تفاصيل مشاجرة شاب في الشيخ زايد بعد فيديو متداول    إسبانيا تطالب إسرائيل بالإفراج الفوري عن إسباني كان على متن أسطول الصمود    أجواء حارة على أغلب الأنحاء وبداية ظهور الرمال بالصعيد    اليوم.. ختام الدورة 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    كشف أثري في الإسكندرية يلقي الضوء على تطور الحياة الحضرية عبر العصور    10 مايو.. تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    إرشادات مهمة من «الداخلية» للحجاج أثناء أداء المناسك    الدكتور خالد عبدالغفار: الصحة النفسية حق أساسي لكل مواطن    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    الأوقاف تُحيي ذكرى وفاة الشيخ محمد عبد العزيز حصّان.. من أعلام التلاوة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    ذكريات الهضبة في ليلة "الحكاية"، 15 صورة من حفل عمرو دياب بالجامعة الأمريكية    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    تشكيل آرسنال المتوقع لمواجهة فولهام في البريميرليج    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    بعد وقف إطلاق النار| ترامب يعلن انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. يوسف زيدان يكتب: الرؤية الصوفية للعالم (1-7) القولُ الأولُ: فى عموميةِ النزعةِ التصوفية


حُبُّكِ يا عميقة العينين
تطرفٌ
تصوفٌ
عبادةْ..
حبُّك مثلُ الموتِ والولادةْ
صعبٌ أن يعانى مرتين!
بهذه السطور الشعرية، تحدَّث نزار قبانى إلى محبوبته، واصفاً حبَّه لها بالتصوف -وما علينا الآن من وصفه بالتطرف- فبأىِّ معنى، يمكن للحبِّ أن يكون تصوُّفاً؟ وما التصوفُ أصلاً، حتى يصحَّ وصف المحبة به ؟ وهل يُشترط فى المحبِّ أن يتصوف؟
لن نخوض فيما يلى، فى التعريفات (المعجمية) و(الاصطلاحية) لكلمة التصوف، حتى لا نغرق فى هذه اللجة الدلالية الهادرة التى تمتلئ بها كتب اللغة، وكتب القوم (الصوفية) التى من مثل: الرسالة للقشيرى، التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذى، اصطلاحات الصوفية للقاشانى..
ولن نستعيد هنا ما ذكرته المراجع والمصادر من بدايات التصوف الإسلامى، وبواكيره، سواء فى السيرة النبوية -كالخلوة بغار حراء- أو فى حياة الصحابة من أمثال أبى ذر الغفارى، أو فى طبيعة الجماعة التى عُرفت باسم «أهل الصُّفَّة» وهم الصحابة الذين انقطعوا للعبادة فى المسجد النبوى بالمدينة، ولم يُنكر عليهم النبى أحوالهم.
أو فى حياة التابعين وتابعى التابعين (أى الأجيال اللاحقة بجيل الصحابة) وكيف أدى بهم الترفُ الدمشقى، والبذخ البغدادى من بعد؛ إلى إظهار نوعٍ من الزهد والاستغناء والخشية من غلبة الدنيا، مما كان له أكبر الأثر فى انبثاق اتجاهات الروحانية الرحبة. وهى الاتجاهات، والتوجُّهات، التى تدفَّقتْ منها ينابيع التصوف المبكر، وانبجستْ عيونُ المعرفة القلبية، من بين أصابع المشايخ المبكرين والشيخات المبكرات، أمثال: عبد الواحد بن زيد، ذى النون المصرى، رابعة العدوية.
إذن، لن ننظر إلى طبيعة التصوف من هذه الزوايا السابقة، التى تحصر المسألة فى التراث العربى الإسلامى تحديداً.
وذلك لأننى أعتقد –وقد أكون مخطئاً- بأن التصوف نزعةٌ إنسانيةٌ عامة، كان «التصوف الإسلامى» هو أحد أشكالها وتجلياتها الكثيرة، التى لا تكاد تخلو منها ثقافةٌ إنسانية، دينيةً كانت أو غير دينية.. نعم «أو غير دينية» لأن هناك أنماطاً صوفية وحرارةً روحانية، تظهر أحياناً فى أكثر الاتجاهات ماديةً وابتعاداً عن الدين، حتى لو كانت (الفلسفة الماركسية) التى اشتهرت بنزعتها المغرقة فى المادية واللادينية!
وإلا، فإننى أرى فى (إيمان) كارل ماركس بالأفق البروليتارى، وفى عقيدته بحتمية مجىء الزمان الذى تستولى فيه الطبقة العاملة (البروليتاريا) على وسائل الإنتاج، وبالتالى على مقدَّرات المجتمعات – وهو الأمر الذى لم يحدث قطُّ، ولن يحدث أبداً فيما أظن- أراه فى حقيقة الحال نوعاً من «الإيمان» والوله الصوفى بفكرةٍ خيالية، لا تؤدى إليها بالضرورة التحليلات الماركسية المسماة بالمادية الجدلية والمادية التاريخية.
أو بعبارة أخرى، فإن «اعتقاد» كارل ماركس بضرورة شروق «شمس العمال» هو فى واقع الأمر اعتقادٌ غير فلسفى، أو هو بالأحرى: تصوفى.
وهناك نقطتان أساسيتان تجب الإشارة إليهما، مادمنا فى مبتدأ الكلام عن ذلك النزوع الإنسانى العام، المسمَّى عندنا: تصوف. النقطة الأولى منهما، أن (التصوف) يختلف عن تلك الاحتفالات الشعبية المسماة «الموالد» وإن كان كلاهما قد ارتبط بالآخر فى أذهان معاصرينا، فصرنا نقول عن هذه المظاهر الشعبية (الفلكلورية) إنها احتفالات صوفية! وذلك بطريق الخلط والتخليط بين التراث الصوفى المتمثل، مثلاً، فى التجارب الروحية العميقة التى تردَّد صداها فى حياة الحلاج (الحسين بن منصور، المقتول ببغداد سنة 309 هجرية) أو فى كتابات ابن عربى (الشيخ الأكبر، محيى الدين، المتوفى بدمشق سنة 638 هجرية) أو فى مؤلفات عبد الكريم الجيلى المغرقة فى الرمزية..
وبين التراث الاحتفالى الشعبى الموروث من الأزمنة القديمة، الذى اتَّخذ فى الزمن الإسلامى سبباً له من «مواليد» مشايخ الصوفية الكبار، ثم أتبع سبباً فصارت «الموالد» مرآة للحياة الاجتماعية المشوبة بأقل القليل من رحيق التصوف الحقيقى. وقد سُميت –وياللعجب- بالموالد، مع أننا فى حقيقة الأمر لا نعرف بدقة، تاريخ «ميلاد» أى شيخ صوفى، من أولئك الذين يحتفل الناس اليوم بمولدهم .
والنقطةُ الأخرى الواجب ذكرها هنا، هى أن لفظ (التصوف) ذاته، هو من الألفاظ المربكة، مترهلة الدلالة. حتى إن بعض المؤرِّخين اعتبر الكلمة كأنها غير عربية أصلاً، وإنما يونانية مشتقة من كلمة «صوفيا» التى تعنى الحكمة، ومنها أيضاً جاءت كلمة «الفلسفة» بمعنى حب الحكمة: فيلوسوفيا. وبعض المؤرِّخين أرجع دلالة الكلمة إلى «لبس الصوف» الذى تميَّز به أوائلُ الصوفية، كعلامة على التقشف، لأن الصوف آنذاك – بسبب وفرة الغنم- لم يكن غالى الثمن مثلما هو الآن .
والبعض من المؤرخين، المفكرين، قال إن التصوف اسمٌ غير مشتقٍ من شىء، إلا من الصفاء الذى يقترن بالمسيرة الروحية لهؤلاء الذين عرفوا أن «الدين» له أسرارٌ عميقةُ المعانى، تتجاوز العبادات الظاهرة والتكاليف الشرعية المعروفة التى تمثل ظاهر (الشريعة) بينما يمثل التصوف باطن (الحقيقة).
وبالطبع، فالمجال هنا لا يسمح بمناقشة هذه الآراء، وغيرها كثير؛ التى حاولت تفسير دلالة كلمة (تصوف) فانهمكت فى السعى لإدراك أو فهم «حقيقة التصوف» من خلال الألفاظ ومفردات اللغة. ولسوف نتوقف فى مقالة قادمة، عند علاقة الصوفية باللغة، وكيف تفجَّرت على أيديهم مفرداتٌ ودلالاتٌ «ثورية» من خلال الرمزية الصوفية، ومفردات (القوم) المغرقة أحياناً فى الإشارية، حتى تصل أحياناً إلى حدِّ الاستغلاق التام.. فلا يبقى أمامنا فى مجال (تعريف التصوف) إلا القول، إجمالاً، إن التصوف هو «تذوُّق الشريعة» وهو «توغُّل» فى رؤية العالم، بحيث لا يقف الصوفى عند ظاهر الأمور، وإنما يسعى لاستشعار حقيقتها الباطنة!
والتصوفُ أيضاً «عكوفٌ» على الذات، بمعنى مراقبة النفس والإبحار فيما يتجلى بقلب الصوفى من رؤى ومشاهدات، على اعتبار أن النفس، أو بالأحرى: الروح، هى المرآةُ التى يتجلَّى على صفحتها الكونُ كله. وبحسب جلاء هذه المرآة، يكون نصوعُ الصورة فى قلب الصوفى، أو الإعتام التام فى قلوب العوامّ.. وللتوضيح، لا يقصد الصوفيةُ بالعوامِّ جمهورَ الجهلاء، فالعامّىُّ عندهم قد يكون عالماً كبيراً فى تخصُّصه، لكنه غافل عن ثراء باطنه وتجليات الكون على مرآة روحه، لأن المرآة معتمةٌ!
إذن، التصوفُ هو التذوُّق والتوغُّل والعكوف العميق على الذات العارفة باعتبارها مرآةً للكون. وبهذا المعنى الأوسع والأعمق للتصوف، يكون العشاق صوفية، والثوار صوفية، والفنانون صوفية. أعنى بذلك الحقيقيين من أولئك وهؤلاء! فالعاشق إذا تولَّه بمحبوبه صار لا يبصره بالعين، وإنما يراه متجلياً على مرآة ذاته العاشقة.
ولذلك، قد ينتحر العاشق أسفاً على فوات محبوبٍ يراه الآخرون شخصاً لا يستحق الموت من أجله، بل لا يستحق الالتفات إليه أصلاً، لأنه شخص (عادى) إذا نظرنا إليه بغير عين العاشق.. غير أن العاشق يرى محبوبه استثنائياً، وغير عادىٍّ بالمرة، والحياة بدونه لا يمكن أن تعاش. وهذه الحالة العشقية العميقة، هى نوعٌ من التصوف.
وكذلك الحال مع العارفين من الثوار، الذين يتوغَّلون فى الفكرة التى ثاروا من أجلها، حتى تملك عليهم قلوبهم والأفئدة، وتغدو الحياة هينةً فى سبيل «الوطن» أو «الجماعة» أو «النظرية» أو «الفضيلة» التى ثاروا، بل ربما ماتوا وأماتوا غيرهم، من أجلها..
وكذلك الحال أيضاً، مع كل فنانٍ حقيقىٍّ يهيمُ فى مفاوز فنه، ويتوغَّل فى أعماق تفنُّنه، حتى يستهين بما عداه، ويستغنى بما يشغله عن سواه. فنراه وقد غلبت عليه الأحوالُ الشداد، التى نعرفها فى سيرة الصوفية: أهل الله.
 وقد يُوصف الرسَّامون النابغون بالبوهيمية، ويُوسم السينمائيون الكبار باللَّسعان (أى بالتوهج الزائد، الخارج بصاحبه عن المألوف) ويُتَّهم كبار المفكرين والفلاسفة بالغرابة والانزوائية.. وما البوهيمية واللسعان والاغتراب والانزوائية، إلا نتاجٌ لتلك الحالة الصوفية التى تنتاب هؤلاء، باعتبار «التصوف» هو التذوق الخاص والتوغل العميق والعكوف على مرآة الذات. ولذلك، يمكن مقارنة (تقلُّبات) هؤلاء المذكورين، بما يُعرف عند دارسى التصوف بالأحوال والمقامات.
وتختلف تسميات «التصوف» باختلاف اللغات والثقافات. فما يسمى عندنا تصوف، قد يسمى فى غير ثقافتنا بغير ذلك من الأسماء. فهو، مثلاً، عند الهنود يسمى (النرفانا) وهى حالُ الفناء التام، التى يحاول الناسكُ الهندىُّ الوصول إليها، كثمرةٍ روحانية للمسيرة التقشُّفية التى يختارها هذا الناسك، ويغوص فيها، أملاً فى الوصول إلى تلك الحالة الروحية، التى يسميها الصوفية المسلمون: الفناء فى الحضرة الإلهية. ولذلك، لا يخلو أىُّ (دين) من نزوع روحى، لا يلبث أن يصير نمطاً صوفياً يلبى حاجة «الأفراد» من المؤمنين، إلى التعمق والتذوق والعكوف العميق.. وإلى التأويل!
إن شرط الدين عموماً، فيما أرى –وقد أكون مخطئاً- هو قابلية التأويل! فإذا كان شرط (العلم) عند الفيلسوف المعاصر «كارل بوبر» هو قابلية التكذيب. بمعنى أن القضية العلمية تكون علميةً إذا كانت تقبل اختبار صدقها، وبالتالى إمكان تكذيبها، فتظل المسألة العلمية أو القانون العلمى أو «الحقيقة العلمية» قائمةً، ما دامت صامدة أمام عمليات التحقق المستمرة.. وفى الجهة المقابلة، فإن (التأويل) أمرٌ لازمٌ لكل نصٍّ دينىٍّ، بل هو الذى يجعله أصلاً، نصاً دينياً! فإذا كان النص لا يقبل التأويل، فهو نظريةٌ ما أو قاعدةٌ أخلاقيةٌ ما أو فلسفةٌ ما، لكنه ليس ديناً.. فتدبَّر وتأمَّلْ!
والدياناتُ الثلاثُ الموسومة بالسماوية، هى فيما أرى –وقد أكون مخطئاً- دينٌ واحدٌ له تجلياتٌ كبرى تسمَّى (اليهودية، المسيحية، الإسلام) ومن هذه التجليات، تفرعت بسبب مداومة التأويل، تجلياتٌ أخرى عديدة لا حصر لها، تسمَّى: المذاهب، العقائد، الكنائس، الاتجاهات الأصولية.. إلخ. والقرآنُ الكريم أو الأناجيلُ الأربعة (وغير الأربعة) أو التوراة ومُلحقاتها من كتب الأنبياء الكبار والصغار (العهد القديم) لو كانت جميعها لا تقبل التأويل، لما صارت باقيةً إلى اليوم، ولما اعتبرت يوماً فى النفوس، كنصوص مقدسة.
وإنما صارت إذا غابت عنها حرارة التأويل، نصوصاً تاريخية أو نصائح أخلاقية أو حركات إصلاحية أو غير ذلك من أشكال الجهود الإنسانية، لا الإلهية. ومع هذا (التأويل) الضرورى لمفردات الدين ونصوصه المقدسة، يتشكَّل التصوف ويشقُّ مجراه. ولذلك قال الصوفية المسلمون، الحلاج تحديداً: «اقرأ القرآن كأنه نزل فى شأنك أنت».. وهو ما يفتح باب التأويل على مصراعيه .
وعلى الرغم من أن اليهودية بطبعها العام ونصِّها المقدس، ديانةٌ عنيفةٌ ذات طابعٍ رعوىٍّ لم يتورع عن تصوُّر الربِّ، أو الله (سبحانه وتعالى) منحازاً لجماعة معينة، بل محارباً لها وغالباً من أجلها ومغلوباً منها).. يعقوب فى التوراه، تصارع مع الله فغلبه فأسماه الله إسرائيل، أى الذى غالب الله فغلب !)
ومع ذلك، لم تنعدم النزعات التصوفية عند اليهود، نظراً لمداومة البعض منهم، لذلك التأويل الذوقى (الروحى) لنصوص التوراة والتلمود. ولذلك، ففى تاريخ اليهود اشتهرت جماعات روحية ذات نزوعٍ صوفىٍّ أصيلٍ، منها الجماعة التى تعرف باسم (القبَّالاه).
وهى اتجاهٌ تطهُّرىٌّ، يقوم على أساس أن التخلُّص من المطالب الحسية، وتأمل أسرار الحروف والأرقام؛ يعطى معرفةً روحية تتجاوز ظاهر العلوم.
وقد لعب هذا الاتجاه الروحى دوراً كبيراً فى استيعاب اليهود لحملات الاضطهاد المسيحية التى بلغت ذروتها فى أوروبا خلال العصور الوسطى (المظلمة) فكانت الآفاق الروحية للقبالا، كأنها «مأوى» تهرب إليه أرواح المضطهدين - وبالطبع فلا توجد اليوم دواعٍ لانتشار هذا المذهب عند اليهود المعاصرين- وقد ظهرت فى القرن الثالث عشر الميلادى مدونةٌ كبرى للقبالا، تسمى كتاب (زُهَر) أو (الزوهار) وهى موسوعة روحانية بعضها مكتوب بالآرامية وبعضها الآخر بالعبرية، وهى تسير بالتجربة الصوفية فى اتجاهين: تأملى فلسفى، وعملى سلوكى.
ومن اللافت للنظر، أنه مثلما نقم السلفيون المسلمون (أهل الظاهر) على صوفية المسلمين (أهل الباطن) فكذلك، نقم الرِّبيُّون اليهود (علماء الشريعة) على كتاب الزوهار وطريقة القبالا.. وهذا حديثٌ ذو شجون، قد نعود إليه فى مناسبة أخرى.
وفى التاريخ المسيحى المبكر، كان الناس فى مصر والشام– وفى مصر أكثر- يهربون من زراعة الحقول، لأن الرومان كانوا يسلبونهم نتاج الأرض بعد الحصاد، ويأخذون القمح إلى روما بحيث لا يبقى لمن فاتهم (الميرى) إلا التمرغ فى ترابه.. للتوضيح: الميرة (والميرى) كلمة قديمة تعنى: القمح!
ولذلك كان المزارعون البائسون يفرون من العمل هرباً من اللاجدوى، فلما انتشرت الديانة اتخذ هذا الهروب صبغة دينية، وراح الهاربون يحلمون بمجتمع تشاركى لا ظلم فيه، ومن هنا جاءت حياة «الشركة» و«الديرية» التى تطوَّرت من بعد، فظهر الاتجاه الروحى المسيحى المسمى: الرهبنة.
ولما استقرت الديانة المسيحية، كان الرهبان جيلاً من بعد جيل، قد توغَّلوا فى النصوص واستخرجوا منها معانى روحية تناسب النزوع الإنسانى العام، لهذا الولع العلوى والهيمان السماوى الذى اتخذ فى المسيحية اسم (الرهبنة) وماهو فى حقيقة حاله، إلا ذلك النزوع الإنسانى الأصيل، الذى يحدو بالفرد إلى دروب السماء، عبر عمليات تذوق خاص، ومن خلال توغلٍ عميقٍ فى النص، وعكوف على مرآة الذات.
 ولذلك، أعطت الرهبنة عبر تاريخها الطويل، نماذج إنسانية بديعة، ونمطاً فريداً فى المسيرة الروحية للإنسان.. وقد انتبه صوفية المسلمين إلى ذلك التشابه بين الرهبنة والتصوف، ولذلك أفاض الشاعر الصوفى المسلم (أبو الحسن الششترى) فى مدح الأديرة والرهبان بقصائد مليحة.
وأفاض شيخ الصوفية الأكبر (محيى الدين بن عربى) فى الكلام على أولياء الصوفية – المسلمين- الذين كانوا حسبما قال: مشربهم عيسوى! بل انتبه لذلك الدارسون المحدثون، فقارنوا فى بحوثهم بين الراهب الشهير فرنشسكو الأسيزى، والشيخ البديع أبى مدين الغوث. وبين ابن عربى والرهبان عموماً، وبين الحلاج والمسيح!
وفى دراسة المستشرق المعروف، لويس ماسينيون نرى انبهاره بعبارة الحلاج: على دين الصليب يكون موتى (وهو مالم يفهمه ماسينيون بشكل صحيح) حتى إن ماسينيون تحمس –وقد كان مشوباً بنزعة صوفية- فقال إن الحلاج هو الذى حقَّق فى الإسلام معجزة جبل الجلجثة.. آه، ليس هنا موضع هذا الكلام.
نعود إلى ماكنا بصدده من تبيان أن النزوع الإنسانى الأصيل للتصوف، يتَّخذُ بحسب اختلاف الديانات والثقافات أشكالاً مختلفة، مثلما رأينا عند الهنود (النرفانا) واليهود (القبَّالا) والمسيحيين (الرهبنة).
وفى الإسلام المبكر، ظهرت مثيلات لهذه الاتجاهات، كانت تعرف فى البداية بجماعات الزهد وهجر الملذات والمرابطة فى الثغور (الجهاد البدنى والروحى) والرحلة فى طلب العلم ومراقبة أصول النفس.. إلخ.
فلما استدام الأمرُ فى الثقافة العربية الإسلامية، تحدَّدت ملامح الاتجاه الروحى الذى نعرفه الآن باسم (التصوف) عبر أجيال من السالكين دروبَ الروح والمحدقين إلى مرآة النفس، والمتأولين بواطن الآيات القرآنية.
وهؤلاء هم صوفية المسلمين. وقد عاش التصوف فى قلوب المسلمين قروناً طوالاً، قدَّم خلالها كبار الصوفية رؤى عميقة للكون وللإنسان وللدين وللإله وللجمال.. ومع هذه «الرؤى» سوف تكون لنا فى مقالاتنا القادمة، وقفات تستشرف المعانى الإنسانية العميقة التى أشار إليها الصوفية. فمن ذلك رؤيتهم لحقيقة الديانات، وقولهم إن كل إنسان هو عابد لله بالضرورة، حتى وإن غفل عن ذلك.. وهذا موضوع مقالتنا القادمة.
ومن ذلك قولهم إن الوجود جمالٌ محضٌ، لا قبح فيه. وهو موضوع المقالة التى بعدها.. وهكذا سوف يسير بنا الحال، حتى تنتهى هذه السباعية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.