محافظ بنى سويف يشهد احتفال الأوقاف ب "ليلة النصف من شعبان"    محافظ القليوبية يشهد احتفالية ذكرى ليلة النصف من شعبان    الهاتف يهدد الأطفال «9 - 10».. هل يحمي القانون الصغار من سطوة السوشيال؟    ارتفاع جماعي للمؤشرات الأوروبية مع انحسار عمليات بيع المعادن الثمينة    رويترز: ترامب دعا الإيرانيين لإبرام اتفاق قبل الاجتماع المرتقب في تركيا    أردوغان: نأمل في تنفيذ الاتفاق بين دمشق وقسد دون تأخير أو مماطلة    147 شاحنة مساعدات تعبر رفح في طريقها إلى غزة عبر كرم أبو سالم    معركة المالكى    أجندة مباريات الأهلي في فبراير – قمتين ضد الجيش الملكي والشبيبة.. و3 سهرات رمضانية    جهاد جريشة مراقبا لحكام مباراة أسفى المغربى وجوليبا المالى بالكونفدرالية    سرقة دراجة نارية من أمام مستشفى شهيرة بالساحل والأمن يضبط اللص    المخرج أحمد خالد موسى يعلق على اعتزال عمرو سعد الدراما التليفزيونية    رمضان 2026| هاني عادل يروج ل«توابع» بطولة ريهام حجاج    ليلة تُفتح فيها أبواب المغفرة.. النبي يتحدث عن فضل ليلة النصف من شعبان    محافظ كفر الشيخ يشهد الاحتفال بليلة النصف من شعبان| صور    وكيل صحة الإسماعيلية تفاجئ وحدة طب الأسرة بكفر الشيخ عطية بالتل الكبير    الكشف على 1563 مواطناً ضمن قوافل صحية بالغربية    كل من عليها بان ندوة للشاعر علاء عيسى بمعرض القاهرة الدولي للكتاب    تأجيل محاكمة 62 متهما بقضية خلية التجمع لجلسة 2 مايو    سالم الدوسري يقود هجوم الهلال أمام الأهلي في الديربي    تكريم صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    هيئة دعم الشعب الفلسطيني: كيف أفشلت القاهرة مخططات تعطيل معبر رفح؟    الداخلية تكشف حقيقة فيديو مزيف يتهم ضابطًا بتقاضي أموال بالسويس    رمضان عبدالمعز: ليلة النصف من شعبان نفحة ربانية وفرصة للعفو    وزير الرياضة يهنئ اتحاد السلاح ببرونزية كأس العالم لسيف المبارزة للناشئين    وزراء وخبراء بمؤتمر الأزهر للمرأة يدعون لتضافر الجهود لمنع تطبيب ختان الإناث    خطر إهمال الجيوب الأنفية وحساسية الصدر وتأثيرهما على التنفس    استشهاد 3 فلسطينيين وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي على وسط وشمال غزة    رئيس الوزراء يتابع موقف تنفيذ المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة السويس    متسابقو بورسعيد الدولية يروّجون لمعالم المدينة خلال جولة سياحية برفقة شباب المسابقة    محافظ كفر الشيخ يتقدم الجنازة العسكرية لمعاون مباحث مركز شرطة الحامول في بيلا    ملتقى الإبداع يناقش «حلم في حقيبة» بمعرض الكتاب    رئيس جامعة بنها يفتتح مؤتمر "التمكين المهني والتقدّم الوظيفي استعدادًا لمستقبل العمل"    قطع المياه 4 ساعات غدا بمنطقة 15 مايو بجمصة لتركيب أجهزة قياس التصرف    المركب هيغرق.. وائل القباني يحذر مسؤولي الزمالك من بيع عناصر الفريق الأساسية    محكمة استئناف الجنايات تؤيد إعدام قاتلة أطفال دلجا ووالدهم بالمنيا    متحدث الصحة: دليل إرشادي موحد لتنظيم العلاج على نفقة الدولة بأكثر من 600 مستشفى    جوناثان الكاميروني ثاني صفقات كهرباء الإسماعيلية الشتوية    الطب البيطري بجنوب سيناء: توفير ملاجئ آمنة للكلاب الضالة    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات حماية الشواطئ    اسكواش - إنجاز بعمر 18 عاما.. أمينة عرفي تصعد لثاني الترتيب العالمي    مفوضة الاتحاد الأوروبي: أوكرانيا مستعدة لتقديم تنازلات صعبة    شريف مصطفى يفتتح معسكر التضامن الأوليمبي الدولي للكونغ فو استعداداً لأولمبياد الشباب    مديرية التضامن الاجتماعي بالقليوبية تعقد اجتماعا لاختيار الأم المثالية    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    الرقابة المالية ترفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر إلى 292 ألف جنيه    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    4397 مستوطنا يقتحمون باحات الأقصى خلال يناير 2026    وزير التعليم العالي يتابع انتظام تنفيذ البرنامج التدريبي المتخصص للطلاب ذوي الإعاقة بجامعة الأقصر    وزير الثقافة ينعى الفنان التشكيلي حسام صقر    صوم يونان.. دعوة للقلب    غارة إسرائيلية تستهدف سيارة على طريق بلدة الزهراني بجنوب لبنان    رئيس جامعة أسيوط يشهد الحفل الختامي للمبادرة الرئاسية «تمكين» بمعبد الأقصر    أسعار الخضروات والفاكهة اليوم الاثنين 2 فبراير 2026    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    محافظ الأقصر يحضر احتفال العائلة الحجاجية بالليلة الختامية لمولد أبو الحجاج    جرامي ال68.. «لوثر» أفضل أداء راب ميلودي    دار الإفتاء: صيام يوم النصف من شعبان من جملة الأيام البِيض من كل شهر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مِنْ وُجُوهِ الإعْجَازِ اللُّغَوِيِّ فِي القُرْآنِ الكَرِيم
نشر في المشهد يوم 23 - 02 - 2015

القرآن الكريم كنص لغوي معجز وفريد اتسم بالدلائل اللغوية الشاهدة على إعجازه ، فمثلاً نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى :  وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (آل عمران : 42)، فكلمة (اصطفاك ) الأولى بمعنى اختارك ، والثانية بمعنى فضلك ، وهذا النوع من التكرير للكلمات والأصوات يثير في النفس إحساساً بجمال التعبير ، من خلال تجاوب الأصوات وتناغم الأصوات.
ومن أسباب جمال الجناس في التعبير القرآني ، تلاؤم الحروف وتناسب الألفاظ ، فيحدث التجاوب الموسيقي الصادر من تماثل الكلمات تماثلاً كاملاً أو ناقصاً ، ويلخص الفيروز أبادي هذه الفائدة بقوله : " وأما تلاؤم الكلمات والحروف ففيه جمال المقال، وكمال الكلام" ، نحو قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (البقرة: 24).
وفي السطور الآتية نورد عدداً من الأمثلة بغير إخلال أو تفريط إن استطعنا ذلك و التي توضح وتشير إلى اختلاف دلالة اللفظ الواحد باختلاف وروده وذكره في سياق لغوي معين .
1 البَغْتَةُ والفَجْأةُ :
اكتسبت لفظة البغتة من السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها ، فهي في أصل اللغة: مشتقة من باغَتَه مباغتةً: أي فاجأه بَغْتَةً . والبغت : مُفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب. إذن (البغتة) في اللغة تعني (المفاجأة) ،فهما لدى غير المدقق في المعنى اللغوي بمعنى واحد. أما في الاستعمال القرآني فهما متباينان ؛ إذ احتملت (البغتة) عنصراً دلالياً إضافياً على الفجأة؛ لأن هذه اللفظة لم يستعملها السياق القرآني نهائياً ، ولو تتبعنا سياق البغتة في القرآن كله ، بورودها ثلاث عشرة مرة ، لوجدنا فيها عنصراً دلالياً إضافياً ، وهو (التخويف بالعذاب) .
واستقراء الآيات يؤدينا إلى أنها لا تستعمل إلا في سياقين لا ثالث لهما ، أحدهما: الوعيد بوقوع القيامة . والآخر: الوعيد بوقوع عذاب في الدنيا وشيك، كما في قوله تعالى يؤكد فيه وقوع العذاب على الكافرين ، بموعد ثابت قادم هو يوم القيامة ، إذ قال تعالى:  وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ  (العنكبوت : 53) ، وفي قوله تعالى يبين فيها طريقة مجيء العذاب للكافرين يوم القيامة ، حين يأتي مفاجئاً:  قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا (الأنعام : 31) .
وقد اكتسبت البغتة في السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها ، هو العذاب ، فضلاً عن المعنى اللغوي الذي تحمله وهو (الفجأة) ، وعند مجيء الساعة والعذاب للكافرين دون توقع لوقته مع الايذاء لمن لم يُعدّ لتلك الساعة العدّة ، من الهداية والإيمان. ولا يعلم أحد متى مجيء هذه الساعة.
وقد تنبه بعض المحدثين إلى أن السر في استعمال السياق القرآني لفظة (البغتة) فقط دون لفظة ( الفجأة) ، مع أن لهما المعنى اللغوي نفسه ، وهوأن في البغتة عنصراً دلالياً إضافياً غير موجود في الفجأة ، بل هو زائد عليها، وهو (التلبس بالعقاب) دنيوياً كان أو آخروياً ؛ وبذلك فإن لفظة (الفجأة) لا تمنح السياق الإيحاء الكامل المعبّر عن الحدث القرآني بشكل دقيق وكامل كما تمنحه لفظة ( البغتة) ؛ لأن الثانية اكتسبت من السياق القرآني معنىً إضافياً ، هو الإشعار بالأذى والعقوبة.
2 القَدَرُ :
من الألفاظ التي تباينت دلالتها أيضاً في القرآن الكريم باختلاف ورودها داخل سياق النص القرآني المطهر لفظة ( القدر ) ومشتقات حروفها الأصلية الثلاثة وهي : ق د ر، فغالباً ما نجد معنى القضاء مرادفاً مماثلاً لكلمة القدر كما في قوله تعالى : مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (الأحزاب : 38) أي وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة وواقعاً لا محيد عنه ولا معدل ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ، وأيضاً قوله تعالى : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( الواقعة :60) أي صرفناه بينكم ، وقال الضحاك :ساوى فيه بين أهل السماء وأهل الأرض.
ولكن تعددت دلالات كلمة (القدر ) في القرآن الكريم في أكثر من موضع ، فمن تلك الدلالات ورودها بمعنى (التمكن) كما في قوله تعالى : لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (إبراهيم:18) أي فلم يقدروا على شئ من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا ، وقوله تعالى : حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (يونس:24) وفي هذه الآية الكريمة ضرب الله تبارك وتعالى مثلاً لزهرة الحياة وزينتها ، وسرعة انقضائها وزوالها ، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام ، ومعنى قادرون عليها أي على جذاذها وحصادها فبينما هم كذلك إذا جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها .
وجاءت لفظة( القدر) بمعنى ( التدبير ) في القرآن الكريم ، مثل قوله تعالى في سورة طه :  فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (طه:40) يقول الله تعالى مخاطباً لموسى (عليه السلام) : إنه لبث مقيماً في أهل مدين فاراً من فرعون وملأه يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل ،ثم جاء موافقاً لقدر الله وإرادته من غير ميعاد ، والأمر كله لله تبارك وتعالى، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء ولهذا قال تعالى :  ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ، أي على موعد وهذا رأي مجاهد ، وقال قتادة : على قدر الرسالة والنبوة. وقوله تعالى :  إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (المدثر:1820) أي إنما أرهقناه صعوداً لبعده عن الإيمان لأنه فكَّر، و قَدَّرَ أي تروَّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا يختلق من المقال .
وجاءت لفظة ( القدر ) بمعنى التوقير والتعظيم مثل قوله تعالى :  وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ(الأنعام:91) أي وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم ، قال ابن عباس ومجاهد : نزلت في قريش ، واختاره ابن جرير ، وقيل نزلت في طائفة من اليهود، وقيل في فنحاص وهو رجل منهم ، وقيل في مالك بن الصيف ، والأول أصح ؛ لأن الأية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء ، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد (صلى الله عليه وسلم) لأنه من البشر، ومثل قوله تعالى :  وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( الزمر:67).
وأتت مُشتقات كلمة (القَدَر ) في القرآن الكريم بدَلالاتٍ مختلفةٍ ، فمنها ما أشارت إلى معنى (التحديد) كقوله تعالى :  وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ( المؤمنون:18) ، وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء بقدر ، أي بحسب الحاجة لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران ، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار ، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به ، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيراً لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها يسوق إليها الماء من بلاد أخرى كما في أرض مصر ، ويقال لها الأرض الجرزيسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها ، فيأتي الماء يحمل طيناً أحمر ، فيسقي أرض مصر ، ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه ؛ لأن أرضهم سباخ يغلب عليهم الرمال .
وقوله تعالى في سورة الزخرف :  وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ(سورة الزخرف:11) .أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم، وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم.
وجاءت لفظة القدر بمعنى (التضييق والابتلاء) مثل قوله تعالى :  اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ(سورة الرعد:26) ، يذكر الله تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر على من يشاء ، لما في ذلك من الحكمة والعدل ، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجاً لهم وإمهالاً .
وقوله تعالى :  وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ(سورة القصص:82) أي ليس المال دليلاً على رضا الله عن صاحبه ، فإن الله يعطي ويمنع ، ويضيق ويوسع ، ويخفض ويرفع ، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود : " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم ، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب"، وقوله تعالى في سورة القلم :  وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ(سورة القلم:25) ، أي قوة وشدة ، وقال مجاهد : على جد ، وقال عكرمة : على غيظ ، و قَادِرِينَ أي عليها فيما يزعمون ويرومون.
3 السَّغب والجُوعُ:
جاءت لفظتا ( السغب ) و ( الجوع) بإيحاء خاصٍ بهما في التعبير القرآني . فالسغب لغة: مشتق من سَغَبَ يَسْغب سُغُوباً ومسغبةً . والساغِب : الجائع ، والسَغبُ : الجوع من التعب . وقد قيل هو في العطش مع التعب . وهي مرادفة للجوع . و(السغب) و(الجوع) لفظتان ، أكسبهما التعبير القرآني ، إيحاء خاصاً بهما، فضلاً عن معناهما الأساس ( المعجمي) . فإذا ذكر الجوع في النص القرآني، فلا يكون إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع ، والعجز الظاهر ، بقرينة السياق .
وقد وردت لفظة (الجوع) في التعبير القرآني خمس مرات ، كانت في ثلاثة مواضع منها مقترنة بلفظة (الخوف) ، فيكون السياق بهذه القرينة ، سياق ابتلاء وامتحان ، أو عقوبة لأصحاب النار ، كما في قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  (البقرة 155) ، أخبرنا الله عز وجل أنه يبتلي عباده أي يختبرهم ويمتحنهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع كما قال تعالى :  فأذاقها الله لباس الجوع والخوف فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه ، فقد ذكر الجوع في موضعين منفرداً، ولكن قرينة السياق كانت واضحة في أنه عقاب وبلاء ، وذلك في قوله تعالى يخاطب فيها نبي الله آدم  بأنه محفوظ في الجنة من بلاء الجوع والعُري ،وذلك قبل نزوله إلى الأرض:إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (طه: 118) . فيكون عدم الجوع فيها نعمة من نعم الله تعالى عليه وعلى زوجه.
أما لفظة (السغب) فتذكر مع الرحمة و (( في حالة القدرة والسلامة)) ، نحو قوله تعالى يحث المؤمنين على إطعام الناس في يوم الجوع :  أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (البلد : 14) ، بقرينة السياق المتأخرة في قوله تعالى : يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ  (البلد : 15-16) . فبذلك تكون لفظة (الجوع) ، قد اكتسبت من التعبير القرآني هنا معنى العقوبة والبلاء من السياق القرآني ، أما لفظة (السغب) ، فقد اكتسبت معنى الرحمة، والضعف .
4 المَطَرُ والغَيْثُ :
تُعد لفظة المطر من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني أيضاً ، فالمطر لغةً يعني : الماء المنسكب من السحاب ، أما في التعبير القرآني ،فقد اكتسبت لفظته إلى جانب معناها المعجمي معنىً آخر، هو العقاب ، بقرينة السياق اللفظي. فالمطر لم يرد في التعبير القرآني كما يقول الجاحظ في كتابه " البيان والتبين " : " إلا في موضع الانتقام ، والعامة واكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث " .
وقد وهِمَ الراغب الأصفهاني حين عدّ لفظ (المطر) من ألفاظ الخير، وأن هناك صيغة مشتقة منها هي التي وردت للتعبير عن العذاب ، وهي (أمطر) ،فقد ذكر أن مطر : " يُقال في الخير ، و(أمطر) في العذاب " ، وإذا رجعنا إلى النص القرآني نجده يعبّر بهذه اللفظة عن الشر والعقاب ، بكل اشتقاقاتها ، وبقرينة السياق، ومنه قوله تعالى:  وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطرُ الْمُنْذَرِينَ  (الشعراء : 173) أي أنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود .
والمطر يوحي بالتدفق القوي والغزارة ، أكثر من أية لفظة أخرى تعبّر عن نزول الماء من السماء . والذي ساعد على هذا الايحاء ، صوت (الطاء) المطبق كما أشار الدكتور كمال بشر في كتابه " علم اللغة العام" ، الذي يصور نزول العذاب من السماء فنشعر بإطباقه عليهم . فبذلك تكون هذه اللفظة قد ناسبت غضب الله  وشدة انتقامه بنزول ذلك العقاب الشديد عليهم من حجارة وغيرها . كالذي في قوله تعالى يتحدث عن قوم لوط  : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقبَةُ الْمُجْرِمِينَ (الأعراف: 84) . فنلحظ أن لفظتي (مطر) و( أمطرنا) في النص القرآني قد دلّتا معاً على نزول العذاب الشديد ، لا نزول الغيث الذي هو نعمة ورحمة للعباد .
ويشمل نزول المطر في التعبير القرآني ، فضلاً عن الماء ، الحجارة ، نحو قوله تعالى ، في إمطار الحجارة:  وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ  (هود: 82) ، أي أنه مطر يوحي بالعقم والخراب . والسجيل في اللغة: حجارة كالمدر ، وهو حجر وطين مختلط ، ويفسر أنه فارسي مُعرب دخيل . ويقال: هذا الشيء مسجل للعامة ، أي مرسل من شاء أخذه أو أخذ منه.
أما الغيث فهو الماء النافع النازل من السماء ، المنبت للكلأ ، نحو قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ  (الشورى : 28) ، وهذا يعني أنه الماء المثمر الذي يحمل الخير معه، وذلك بقرينة السياق اللفظي المتأخر . والذي قوى هذا الإيحاء هو صوتا (الغين والثاء) فرخاوتهما كما يذكر الدكتور بسام بركة في كتابه " أصوات اللغة العربية " ، قد ناسبت نزول الماء الخفيف الذي أنعش ما نزل عليه، فأنبت به .
5 الفتح :
أيضاً من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني لفظة الفتح ، من الفعل الثلاثي فَتَحَ) ومشتقاته ، فلقد اختلفت دلالة الكلمة باختلاف السياق الي وردت فيه ، ودلت على عدة معاني منها الصد، والضد ، والعطاء ، والنصر ، والقضاء ، والحكم .
فمن معنى الصد والضد قوله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ( الأنعام :44) ، أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ففتح الله عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم .
وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( الأعراف :40) ، وقيل في تفسير هذه الآية الكريمة أن المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء وقال بهذا مجاهد وسعيد بن جبير ، وقيل لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ورى ذلك الضحاك عن ابن عباس وبه قال السدي . ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال : " خرجنا مع رسول الله r في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد ، فجلس رسول الله r ،وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير ، وفي يده عود ينكت به في الأرض ، فرفع رأسه فقال : " استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً ثم قال : إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة ، وحنوط من حنوط الجنة ، حتى يجلسوا منه مد البصر ، ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ، فيقول : أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال : فتخرج تسيل كما يسيل القطر في السقاء ، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ، فيجعلوها في ذلك الكفن ، وفي ذلك الحنوط ، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ، هذا بخلاف العبد الكافر .
وجاءت لفظة (الفتح) بمعنى ( القضاء ) أو ( الحكم) كما في قوله تعالى :  رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ( الأعراف :89) ، أي احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم وأنت يا الله خير الحاكمين فإنك العادل الذي لا يجور أبداً. وقوله تعالى :  فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (الشعراء:118) .
ومن أمثلة ورود كلمة (الفتح) بمعنى أعطى قوله تعالى :  قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( البقرة :76) ، أي تقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه ، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا ، اجحدوه ولا تقروا به.
وأيضاً ما أفادت الكلمة معنى أعطى قول الله تعالى :  وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( الأعراف :96) ، ويخبر الله تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل ، كقوله تعالى : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس آي آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا ، وذلك بعد ما عاينوا العذاب ، وقوله تعالى : لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ  أي قطر السماء ونبات الأرض .
وجاءت لفظة ( الفتح ) بمعنى ( النصر ) كما في قوله تعالى :  فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ( المائدة:52) ، يعني فتح مكة ، وقيل : يعني القضاء والفصل ، وقوله تعالى :  إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( الأنفال:19) ، يقول الله للكفار إن تستفحوا أي تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم؛ كما قال أبو جهل ، حين التقى القوم : اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة؛ فكان المستفتح ، وقال السدي : كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا : اللهم أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين ، فقال تعالى :  إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ  يقول: لقد نصرت ما قلتم وهو محمد r.
المشهد.. لاسقف للحرية
المشهد.. لاسقف للحرية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.