ماذا دار في لقاء البرقي الأسبوعي؟.. ملفات متنوعة على طاولة محافظ البحر الأحمر    البترول: الاكتشاف الجديد في البحر المتوسط قد يغطي من 10 إلى 15% من الاستهلاك المحلي    متحدث اليونيفيل: 3 قتلى و17 جريحا بالقوات الأممية جراء العمليات العسكرية    هيئة العمل الوطني بالقدس: إسرائيل تحاول السيطرة على المقدسات الإسلامية والمسيحية    بايرن ميونخ يحرج ريال مدريد وسط جماهيره في ذهاب ربع نهائي دوري الأبطال    قائمة منتخب مصر لبطولة كأس العالم للخماسي الحديث في القاهرة 2026    أمينة عرفي تواصل التألق وتتأهل لنصف نهائي الجونة للاسكواش 2026 بثلاثية.. ومواجهة مصرية نارية أمام هانيا الحمامي    إصابة 5 أشخاص إثر تصادم سيارتين على طريق إسكندرية – مطروح الدولي    إصابة 4 أشخاص في تصادم 3 سيارات أعلى دائري الهرم    السجن 10 سنوات.. سقوط تاجر الهيروين في شبرا الخيمة    حمادة هلال يعتذر ل تامر حسني: «شيطان دخل بينا»    نشأت الديهي: تصريحات ترامب تثير قلقًا عالميًا وسط تصاعد التوتر مع إيران    في حفل تأبين فهمي عمر .. المستكاوي: أردت اسمي الصحفي حسن محمد وفهمي عمر رفض    جمال شعبان يوجه تحذيرا للمواطنين في شم النسيم    الأهلي يكشف عن تفاصيل إصابة بلال عطية    قفزة قوية في أسعار الذهب.. وعيار 21 يسجل 7200 جنيه    رياح مثيرة للرمال والأتربة على هذه المناطق غدا    محافظ الإسماعيلية يكرم الأمهات المثاليات لعام 2026    درة تكشف أسرارًا مؤثرة: رحيل والدي ترك فراغًا كبيرًا.. وأتمنى تحقيق حلم الأمومة    ضبط لحوم منتهية الصلاحية في حملات تموينية بالإسكندرية    سبورتنج لشبونة ضد أرسنال.. شوط أول سلبي في ربع نهائي دوري الأبطال    تخفيف حكم مخدرات في المنيا من 10 سنوات إلى 3 سنوات بقرار قضائي    أبرزها وضع إطار وطني للحوكمة النووية، توصيات هامة ل مؤتمر "علوم" الأزهر    وزيرة الثقافة تبحث مع المخرجين يسري نصر الله ومجدي أحمد علي مشروع أرشيف السينما    استراتيجية لزيادة انتاجية المحاصيل.. تفاصيل اجتماع لجنة الزراعة والري مع علاء فاروق    9 رافعات عملاقة لدعم ميناء سفاجا    تعرف على تفاصيل حجز تذاكر مباريات مصر في كأس العالم 2026    الزمالك يفوز على سبورتنج في دوري المحترفين لليد    وزيرة التضامن توفر شقة لوالد ندى المفقودة لمدة 12 عاما    الداخلية تفند شائعة التستر في حادث المنيا    توافد أهالى البحيرة على عزاء والد السيناريست محمود حمدان.. فيديو    بابا الفاتيكان: التهديدات الموجهة للشعب الإيراني «غير مقبولة»    لويس إنريكي: سأقبل بنفس الأداء ضد ليفربول الموسم الماضي رغم الخسارة    وزير الصحة يبحث مع شركة سانوفي تعزيز التعاون في توطين صناعة اللقاحات ودعم الأمن الصحي    رئيس«صحة القاهرة» يعقد اجتماعآ لمديري المستشفيات لمتابعة جودة الخدمات    مدبولي: تسريع تنفيذ "حياة كريمة" رغم التحديات.. والانتهاء من آلاف المشروعات لخدمة قرى الريف المصري    متحدث البترول يكشف تفاصيل الاكتشافات الجديدة بخليج السويس والمتوسط    التحالف الوطنى فى اليوم العالمى للصحة: الحق فى الصحة أحد ركائز التنمية المستدامة    إنقاذ رضيع ابتلع 6 قطع مغناطيس دون جراحة بمستشفى الأطفال بالمنصورة    «الأزهر» يواصل رسالته في إعداد الكفاءات العلمية    الحرس الوطني الكويتي: إسقاط مسيرة و3 طائرات درون خلال ال24 ساعة الماضية    مصر والعرب.. دعوة إلى العقل والحكمة !    مصر تتحرك لمواجهة الفقر المائي، سويلم يكشف محاور الجيل الثاني لإدارة منظومة المياه 2.0، والإحصاءات تكشف أرقاما صادمة عن نصيب الفرد    رحيل زينب السجيني.. رائدة الفن التشكيلي التي وثّقت الأمومة والإنسان في لوحاتها    استجابة ل الأهالي، تحرك عاجل لإزالة القمامة واحتواء أزمة الصرف في ميت غزال بالغربية    نظافة المدارس وانتظام حضور الطلاب.. توجيهات جديدة لمدارس الجيزة    وفد "التنسيقية" يشارك بمناقشات إعداد قانون ضوابط استخدام الأطفال لتطبيقات التواصل الاجتماعي    وزير خارجية الأردن يبحث مع بولندا وفنلندا تداعيات التصعيد الإقليمي    اقتصادي: حرب إيران أكبر خطأ استراتيجي في القرن الحادي والعشرين    البيت الأبيض ينفي دراسة توجيه ضربات نووية لإيران    خالد الجندي يحذر: التنكر للزوجة ونسيان العشرة سبب رئيسي لتفكك الأسرة    أمين البحوث الإسلامية يحذر: العلم الذي يزيد المرء كبرًا وبال على صاحبه    وفاة والد المؤلف محمود حمدان.. وهذا هو موعد ومكان العزاء    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال مارس الماضي.. أولوية قصوى للتعامل العاجل والفعال مع شكاوى واستغاثات وطلبات المواطنين المرتبطة بقطاع الصحة    دمياط تحتضن التصفيات الأولية للنسخة ال33 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    الأكاديمية العربية تحصد المركز الأول على مستوى الجامعات المصرية في تصنيف سيماجو 2026    أيقونة العفة وسيدة نساء العالمين، ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يستعرض سيرة السيدة "مريم"    قائمة منتخب كرة اليد 2008 استعدادًا للبحر المتوسط..والبعثة تغادر 12أبريل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محاكمة ابن تيمية في تركيا
نشر في القاهرة يوم 01 - 06 - 2010

قدم حزب الرفاه التركي الذي تم حظره عام 1998، ومن بعده حزب العدالة والتنمية الحاكم، تجربة في غاية الثراء والإبداع، شديدة التأثير علي المستويات الداخلية والإقليمية والدولية . تجربة اتخذت من المواءمة بين الحداثة والإسلام شعاراً لها، نجحت في اكساب تركيا المزيد من الحضور والتأثير والنفوذ اقليميا ودوليا .
والملفت في النموذج الذي تقدمه تركيا حاليا أنه تتضافر فيه جملة من السياسات والمواقف والأفكار النظرية، كلها تعزز من بعضها البعض، وتصب في اتجاه واحد، نحو تحقيق أهداف محددة، تنهض بالمجتمع التركي، وتدفع بالدولة التركية إلي تصدر المشهد الاقليمي بدور نافذ ومؤثر في الدوائر الأوربية والعربية والإسلامية .
فتوي ماردين
في القرن الثامن الهجري - الرابع عشر الميلادي - سُئل ابن تيمية الملقب بشيخ الإسلام عما إذا كانت ماردين - تلك المدينة الواقعة بجنوب شرق تركيا - التي احتلها المغول آنذاك دار حرب أم دار سلام؟ و هل يجب علي المسلم المقيم بها الهجرة إلي بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو بماله هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟.. فأفتي ابن تيمية بفتواه التي اشتهرت ب " فتوي ماردين "، وجاء نصها علي النحو التالي :
"الحمد لله . دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في " ماردين " أوغيرها . وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة، سواء كانوا أهل " ماردين" ، أوغيرهم . والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه، وجبت الهجرة عليه ، وإلا استحبت ولم تجب .
ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك، بأي طريق أمكنهم، من تغيب، أو تعريض، أو مصانعة . فإذا لم يمكن إلا بالهجرة، تعينت .
ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع علي الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل " ماردين " وغيرهم .
وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة : فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين . ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه " .
أهمية الفتوي والمفتي
للمرة الأولي في تاريخ الفقه الإسلامي، يتم إضافة قسم جديد لأقاليم العالم، فإلي جانب ما يعرف بدار الحرب ودار إسلام، أضافت فتوي ابن تيمية داراً ثالثة مُركبة، لا هي دار حرب ولا هي دار إسلام، بناء علي واقع مدينة "ماردين".
وتم توظيف فتوي ماردين لابن تيمية من قبل الجماعات الإرهابية، وجري استخدامها كدليل شرعي يبيح ارتكاب أعمال العنف الدموية . واعتمد أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة علي هذه الفتوي لتبرير هجماته ضد الغرب وضد الحكومات في البلدان الإسلامية بدعوي موالاتها للكفار .
والحق أنها ليست الفتوي الوحيدة لابن تيمية التي تحض علي العنف والتطرف، وتعد ذخيرة فقهية للجماعات الإسلامية ذات الطابع الإرهابي .. يقول ابن تيمية في احدي فتاويه :
" إن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدي عليك . والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك . إن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه " !!
ولابن تيمية مكانة كبيرة لدي كل جماعات الإسلام السياسي المتطرفة، وهو واجهة رئيسية للتيار السلفي بمختلف فرقه، ومرجع معتمد لكل الحركات الجهادية . وهو صاحب تاريخ مرير مع الشيعة والمتصوفة والأشاعرة وغيرهم ممن كان يعدهم من غير أهل السنة والجماعة . وتحفل كتابات قياديي الحركات الإسلامية المتطرفة ومُنظّريها بكثيرمن الاستشهادات بفتاوي ابن تيمية وأقواله .
وتكفي نظرة سريعة علي أرصفة المساجد، وأرفف دور النشر الإسلامية للتعرف علي المكانة العالية التي تحتلها مؤلفات ابن تيمية، والتي يجري الترويج لها بطبعات متعددة زهيدة الثمن، وتوزع أحيانا مجانا !
مؤتمر ماردين
في أواخر مارس الماضي وفي مدينة ماردين التي أصدر عنها ابن تيمية فتواه الشهيرة، اجتمع فقهاء مسلمون من خمس عشرة دولة من بينها السعودية والكويت والمغرب وموريتانيا وإيران والسنغال واندونيسيا والهند وتركيا والبوسنة والولايات المتحدة الأمريكية، للنظر في تلك الفتوي، وإعادة تفسيرها . . كان من بينهم بعض المختصين في فكر ابن تيمية من أربع جامعات سعودية : جامعة أم القري، وجامعة الملك سعود، وجامعة الإمام محمد بن سعود، وجامعة الملك عبد العزيز . بالإضافة إلي مفتي البوسنة مصطفي سيريش، والداعية اليمني الحبيب علي الجفري، والقاضي عبد الله ولد أعلي رئيس المجلس الدستوري الأعلي بموريتانيا .
وجه الدعوة للمؤتمر كل من " المركز العالمي للتجديد والترشيد " ومقره ببريطانيا، و" جامعة أرتكلو " التركية، ومنظمة " كانوبيس " غير الحكومية .. ووفقا لما أعلنه منظمو المؤتمر فإنه لم يسعوا إلي الرد علي فتوي ابن تيمية، وإنما تجريدها من التوظيف السلبي لها من قبل الجماعات الإرهابية، علي غرار آيات قرآنية وأحاديث نبوية أولها الإرهابيون في غير المقصود منها، خدمة لمنهجهم الفكري .
هدف المؤتمر إلي إمكان إيجاد توصيف جديد للدول، يتوافق مع المستجدات العالمية، ومنها إنشاء المؤسسات والمنظمات الدولية، وإعلان المواثيق الدولية التي تعطي للدول توصيفات جديدة، غير حصرها في دور حرب أو سلام .
وتضمن المؤتمر أربعة محاور، أولها : فتوي ماردين - الزمان والمكان والظروف والملابسات . المحور الثاني : مفهوم الموطن والمقر في الفقه التقليدي وفي ضوء العولمة والاتصالات الحديثة . المحور الثالث : أهمية الفتوي في سياق التاريخ الإسلامي . وتناول المحور الرابع : مفهوم الجهاد - ظروف القتال المسلح وقواعد الاشتباك كما تم تعريفها من قبل ابن تيمية وميثاق الأمم المتحدة .
إعلان ماردين دار السلام
صدر عن المؤتمر بيان سمي " إعلان ماردين دار السلام " شدد علي أن فتوي ابن تيمية في ماردين " لايمكن بحال من الأحوال أن تكون متمسكا ومستندا لتكفير المسلمين، واستباحة الدماء والأموال، وترويع الآمنين، والغدر بمن يعيشون مع المسلمين أو يعيش المسلمون معهم بموجب علاقة مواطنة " .. وأكد البيان علي أن " كل من استند إلي هذه الفتوي لقتال المسلمين وغير المسلمين فقد أخطأ في التأويل، وما أصاب في النزيل " .
ولقد أطلق العلماء المجتمعون في ماردين علي العالم تسمية " فضاء " بدلا من كلمة " دار " لأن تعبير الدار، وتقسيم العالم إلي دارين إنما هو وليد اجتهاد فقهي وليس أمرا توقيفيا يتعين اتباعه .. وتوصلوا في بيانهم إلي أن العالم أصبح " فضاء تسامح " تحكمه مواثيق ومعاهدات دولية، علي الرغم من الإخلالات التي تقوم بها بعض الدول فيما يتعلق بميثاق الأمم المتحدة وبحقوق الإنسان، فذلك ليس من شأنه التأثير جوهريا في وصف العالم، فالعالم كله يجب أن تُصان فيه الدماء والأموال .
وأكد إعلان ماردين أن " وجود المعاهدات الدولية المعترف بها، وتجريم الحروب غير الناشئة عن رد العدوان ومقاومة الاحتلال، وظهور دولة المواطنة التي تضمن في الجملة حقوق الأديان والأعراق والأوطان، التزم جعل العالم كله فضاء للتسامح والتعايش السلمي بين الأديان والطوائف جميعها، في إطار تحقيق المصالح المشتركة والعدالة بين الناس " .
ولأن المؤتمر يستهدف رفع الشرعية عن الحركات الإسلامية الجهادية، فقد تضمن الإعلان الصادر عن المؤتمر : " إن علماء الإسلام ما فتئوا يؤكدون، عبر العصور، أن الجهاد الذي يعتبر ذروة سنام هذا الدين ليس نوعا واحدا، بل هو أنواع متعددة، منها القتال في سبيل الله، وهذا النوع أناط الشرع صلاحية تدبيره وتنفيذه بأولي الأمر ( الدولة )، باعتباره قرارا سياسيا تترتب عليه تبعات عظيمة، ومن ثم فلا يجوز للفرد المسلم ولا لجماعة من المسلمين إعلان الحرب، أو الدخول في جهاد قتالي من تلقاء أنفسهم، درءا للمفاسد واتباعا للنصوص الواردة في هذا الشأن " .
تركيا تتقدم علي طريق الاسلام السني
جاء " مؤتمر ماردين " كخطوة في سياق الخطوات التي تقطعها تركيا الرسمية والشعبية علي طريق إعادة تعريف نفسها وتجديد موقعها واحتلال مكانة متقدمة علي خريطة العالم، وبالأخص في المحيط العربي والاسلامي، والسني منه تحديداً .
عبر المؤتمر أكدت تركيا تقديم نموذجها الإسلامي، إسلام حديث يقوم علي الاعتدال والتسامح، ولا يتعارض مع المعطيات الدولية الراهنة .. الأمر الذي ينطوي علي تطمينات داخلية للقوي العلمانية التركية، ورسالة مباشرة للاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية .. غير أنها تكشف - في ذات الوقت - مدي تهافت تيارات الاسلام السياسي في الدول العربية وتحجرها، واحتياجها الضروري للتحديث وإعادة صياغة مواقفها ورؤاها لذاتها وللعالم من حولها .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.