الذهب يواصل نزيف الخسائر عالمياً.. والأوقية تفقد 15 دولاراً بمستهل تعاملات اليوم    التايمز" البريطانية: مجتبى خامنئي فاقد للوعي وفي حالة طبية "خطيرة" بمدينة قم    رئيس الوكالة الدولية للطاقة: العالم مقبل على "أبريل أسود" بسبب أزمة الطاقة    ريال مدريد يستضيف بايرن ميونخ في نهائي مبكر في دوري أبطال أوروبا    بعد تحذيرات الأرصاد، رئيس صرف الإسكندرية يتفقد العجمي لمتابعة جاهزية التعامل مع الأمطار    بث مباشر دوري نايل.. شاهد مجانًا دون تقطيع الأهلي يواجه سيراميكا كليوباترا في افتتاح منافسات الجولة الأولى من المرحلة النهائية للدوري المصري الممتاز    إعلام إسرائيلي: إطلاق صفارات الإنذار في الجليل الأعلى على الحدود مع لبنان بسبب تهديدات صاروخية    منظمة الصحة العالمية تعلق الإخلاءات الطبية من غزة بعد مقتل متعاقد    ارتفاع الأسهم الأمريكية وأسعار النفط قبل انتهاء مهلة ترامب لضرب محطات الطاقة في إيران    انطلاقة قوية ل«معّوز (GOAT)».. مغامرة كرتونية بطابع مصري تقتحم دور العرض قريبًا    رهان الحنين والنجاح.. مصطفى شعبان يعيد إحياء "الزوجة الرابعة" في جزء ثانٍ يقتحم سباق رمضان 2027    أكسيوس: بوادر اتفاق بين واشنطن وطهران قد تدفع ترامب لتأجيل الهجوم    تموين الإسكندرية تضبط 1،5 طن دقيق البلدي معاد تدويره داخل مخبز سياحي في العامرية    لجنة المخابرات بالشيوخ الأمريكى: لواء المدفعية 142 اتجه إلى الشرق الأوسط    CNN: تل أبيب وضعت سيناريوهات بديلة حال فشل الدبلوماسية مع طهران    درة: أرفض تكرار أدواري وأعتز بإشادة نادية الجندي بدوري في «علي كلاي»    هل أصيب عبدالرحمن أبو زهرة بورم على الرئة؟.. نجل الفنان يرد    يوسف الشريف: هناك أجيال كبرت على أعمالي ويتابعونني منذ كان عمرهم 14 عاما    إصابة شخصين إثر اصطدام سيارة واشتعال النيران بها برشيد في البحيرة    مختار جمعة: المساواة أمام القانون في عهد السيسي واقع ملموس لا مجرد شعارات    رئيس لجنة الطاقة بالشيوخ: إضافة 120 مليون قدم غاز يوميا للشبكة القومية من اكتشافات جديدة    أوقاف الجيزة: توجيهات حاسمة لترشيد الكهرباء والانضباط بالمساجد    تعرف على خطوات استخراج فيش جنائي «أون لاين»    منير مكرم: الرئيس السيسي أب لكل المصريين.. وزيارته للكنيسة نقطة تحول تاريخية    لا داعي للقلق، بيان مهم من محافظة الإسكندرية بشأن انبعاث رائحة غاز اليوم غربي المدينة    المهندسة صباح مشالي تتصدر قائمة القيادات النسائية المؤثرة في مجال الكهرباء والطاقة بأفريقيا    تفاصيل محاضرة علمية لإدارة إسطبلات الخيول بطب بيطري القاهرة    داليا عبد الرحيم تعزي الزميل طارق سيد في وفاة والدته    إحالة أوراق مدرس فيزياء تعدى على طالبة فى الدقهلية لفضيلة المفتى    حماية المستهلك يوضح تفاصيل ضبط منتجات غذائية منتهية الصلاحية بعد بلاغ مواطنة    مدير الطب البيطري ببورسعيد: واقعة اقتحام شيلتر الكلاب اعتداء على منشأة حكومية.. والأعداد بالشوارع مرعبة    الجيش الإيراني: مقتل 4 ضباط خلال قصف أمريكي لجنوب أصفهان    التعليم: وضع المدارس الدولية المخالفة لضوابط ختم الدبلومة الأمريكية تحت الإشراف المالي    محافظ الجيزة يقود جولة ليلية مفاجئة بقري أوسيم للوقوف على مواعيد غلق المحال    هل يقود موسيمانى شباب بلوزداد أمام الزمالك فى نصف نهائى الكونفدرالية؟    صفقة القرن، ليفربول يقدم عرضا خياليا للتعاقد مع فينيسيوس جونيور    حسام المندوه: الأقرب هو حصول الزمالك على أرض بديلة    "روستيليكوم" تتعرض لهجوم إلكتروني قوي بحجب الخدمة (DDoS)    مدير الصحة العالمية: علّقنا عملية إجلاء طبي كانت مقررة اليوم لمرضى من غزة إلى مصر    عميد تجارة عين شمس: اتخذنا خطوات استباقية لتحديث لوائحنا الدراسية وننتظر اعتماد الأعلى للجامعات    عبد الظاهر السقا: صفقات الشتاء أعادت التوازن إلى الاتحاد السكندرى    إبراهيم حسن: زيزو لاعب «مصنوع» وانتقاله إلى الأهلى لم يكن متوقعا    النحاس يكشف ما سيفعله إذا واجه الأهلي كمدرب ل المصري    رئيس برلمانية مستقبل وطن يشيد بتشكيل لجنة فرعية لدراسة قانون الإدارة المحلية الجديد    عصام السقا ينشر فيديو يُظهر قدرته على قيادة الخيل ببراعة    حماية المستهلك: ندعو المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تلاعب في أسعار وجودة السلع    متحدث التعليم: الوزارة بصدد لائحة متكاملة ومنظمة لعمل المدارس الخاصة والدولية وإعلانها قريبا    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 7 أبريل 2026 في القاهرة    جامعتا "عين شمس" و"بيكين" العالمية تبحثان تعزيز التعاون الأكاديمي    طرق طبيعية لعلاج رائحة الفم الكريهة    أين تقف المرأة خلف الرجل في الصلاة؟.. تجيب    هل تُنفذ وصية الأب بمنع ابنه من حضور جنازته؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة: مستشفى الهلال يستقبل 200 ألف مريض سنويا ويجري 12 ألف عملية عظام    لجنة النظام بالوفد تتخذ قرارات حاسمة بشأن أحداث اجتماع الهيئة العليا الأخير    الإفتاء: الشرع نهى عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بأحسن الوجوه    حذر منها النبي.. 6 عادات تدمر حياتك وعلاقتك بربك    لإعادة بناء عظام الوجه.. جراحة استغرقت 7 ساعات بمستشفى كفر سعد في دمياط    دعاء صلاة الفجر| اللهم اغفر لنا الذنوب التي تحبس الدعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«الفلاح الفصيح» بين فن المونولوج والأداء العالي
نشر في القاهرة يوم 28 - 02 - 2012

لقد ( شاهدنا) الفلاح مع زوجته وهو يحمّل حميره، ثم (شاهدناه) مع "الشحوتي" وهو موظف حكومي كبير سرق منه حميره وما عليها، ثم شاهدناه وهو يضربه ضربا مبرحا والفلاح المسكين يصرخ غير أننا لا نعثر في كلماته علي أثر لضعف أو استكانة. ثم (شاهدناه) و(سمعناه) يهدد باللجوء للرئيس "رنزي" رئيس المقاطعة التي تتبعها المزرعة التي سُرق فيها. كما عرفنا عن الرئيس رنزي قبل أن نراه، أنه عادل وحازم لأنه قضي علي قطاع الطرق في تلك الناحية وذلك عندما استمعنا إلي الفلاح وهو يقول: فهل أُسرق أنا في مزرعته؟ هكذا ظل المسكين يتوسل لعشرة أيام، ولكن الشحوتي ظل سادرا في غيه ورفض أن يعيد إليه حميره المحملة بكل الأشياء الغالية من منتجات وادي النطرون في ذلك الزمن البعيد. وهنا ينتقل النص إلي المشهد الثالث في تتابع درامي تحكمه الضرورة والحتم، لأنه من الضروري ومن المحتم أن يذهب لتقديم "عرضحالة" إلي الرئيس "رنزي" وهنا أعود إلي البردية : "ومضي ذلك الفلاح علي الطريق متجها جنوبا إلي "أهناس" ليرفع شكواه للرئيس رنزي ابن "ميرو" فرآه بينما كان خارجا من أبواب منزله في طريقه إلي مكتبه، فقال له الفلاح:أود أن تسمح لي أن أثير اهتمامك بموضوع معين، هذا إذا تفضلت بأن ترسل لي شخصا من رجالك تثق به لكي أخبره بالموضوع. يا لجمال المشهد وقوة تركيزه، المؤلف هنا يثبت أنه علي وعي بالأبعاد النفسية لأي مسئول كبير، كما أنه يضيف لشخصية الفلاح بعدا جديدا. الفلاح هنا علي وعي بأن وقت الرئيس "رنزي" ضيق. وهو كأي مسئول يضيق بأصحاب الحاجات والشكاوي، لذلك لا داعي لأن يصيح به:سيدي الرئيس، لقد سرقني أحد رجالك، بالتأكيد سيشعر المسئول بالغضب والضيق، وبالتالي لن يتعاطف معه بالقدر الكافي، هو فقط يريد توصيل رسالته بسرعة في إطار من الرقة والتهذيب، وهو بجملته هذه هو يقول: إنني أقدّر انشغالك، وأقدّر أن وقتك ضيق، لكن لدي أمر مهم أنا واثق أنه سيحظي باهتمامك، ارسل لي بشخص تثق به وأنا واثق أنه سينقل لك الموضوع بأمانة. مسرحي وليس أدبيا هذه الطريقة في الاقتراب من المسئول لابد أن تترك فيه أثرا طيبا وأن تثير اهتمامه. هذا المشهد يدعم تصورنا من أننا أمام نص فني مكتوب لعرض مسرحي وليس نصا أدبيا، يروي أو يقرأ. فلو كانت قصة أو حكاية تحكي أو رواية تروي لاكتفي المؤلف بالقول " وقابل الرئيس "رنزي" وأخبره بما حدث. ولكنك ( تشاهد) رنزي وهو خارج من منزله داخلا مكتبه و(نشاهد) الفلاح وهو يقترب منه في لطف ثم (نسمعه) وهو يلقي بجملته القصيرة المؤثرة. وهنا سأتوقف لحظات لأقول لك ان الأستاذ برستيد صاحب كتاب " مصر فجر الضمير" قال ان الفلاح قابل المسئول الكبير بينما كان خارجا من المعبد. وأنا أميل لتصديق ذلك، فعندما تقابل مسئولا كبيرا خارجا من جامع أو كنيسة أو معبد فأنت تضمن بذلك أن يكون في حالة صفاء عقلي وحالة سمو روحي تجعلانه أقرب إلي التعاطف والإنصاف، أو علي الأقل يحرص علي التظاهر بذلك.. أعود للنص. " عندها سمح الرئيس رنزي ابن ميرو لأحد أتباعه المخلصين بالذهاب إلي الفلاح الذي أخبره بكل ما حدث. وأمام كبار المسئولين ( المجلس المحلي أو مجلس المدينة) الذين كانوا حوله وجه الرئيس رنزي الاتهام للشحوتي نخت فقالوا له: في الغالب هذا فلاح من أتباعه، ذهب ليشكو للآخرين بدلا من أن يشكو له.. هو يتصرف علي هذا النحو، هذه هي الطريقة التي يعاقب بها الشحوتي أتباعه الذين يتخطونه ويذهبون للآخرين، هل ستعاقب الشحوتي لمجرد أنه استولي علي القليل من النطرون والملح..؟ أصدر أوامرك بأن يحصل علي قدر مساو لما أُخذ منه، عند ذلك يعطيها له الشحوتي علي الفور". لنتوقف قليلا عند هذا المشهد لنتعرف علي مصدر مهم من مصادر الضحك عند المصريين وهو الإحساس القوي بالمسئولية عند الفنان والذي نسميه الضمير. الفنان هنا يثبت أنه خبير لا يشق له غبار بالبيروقراطية، هو خبير بألاعيبها ومنطقها الذي يبدو في الظاهر صحيحا بينما هو في واقع الأمر زائف. هل تذكر البضائع التي حمّلها الفلاح علي حميره؟ لقد حرص النص علي ذكر أنواع كثيرة ومختلفة من منتجات الواحة بالإضافة إلي الأحجار الكريمة، كل ذلك تحول في منطق البيروقراطية إلي قليل من الملح والنطرون.. لا مشكلة هناك.. هذا فلاح متمرد، يذهب إلي تقديم شكواه للآخرين بدلا من تقديمها لولي أمره وهو الشحوتي، فعاقبه الأخير، وعلي العموم بسيطة.. ياخد شوية الملح بتوعه. سؤال: هل كان الفلاح موجودا في هذا المشهد؟ الإجابة: نعم.. بالرغم من أن النص لم يورد ذلك صراحة إلا أن الترجمة عند الأستاذين بريستيد وبادج تقول (وعندها لزم الرئيس رنزي الصمت، لم يتكلم مع الفلاح أو مع المسئولين) كان الفلاح إذن موجودا في المشهد ولك أن تتصور حالته وهو يستمع لهؤلاء الكبار يزورون ويزيفون الحقائق مدافعين عن زميلهم اللص، انظروا إليه وهو يفاجأ بأنه مجرد واحد من رعايا المسئول الحرامي، وأنه هو المخطئ لأنه تخطي رئيسه المباشر عند تقديم شكواه، وأنه لا داعي لهذه الضجة بسبب قليل من الملح والنطرون، انظر إلي تقاطيع وجهه وردود الفعل عليها ثم اضحك بشدة علي أعلي درجات شر البلية. العادل الحازم لكن لماذا سكت الرئيس رنزي عند هذا الحد؟ لماذا لم يأمر فورا بالتحقيق لمعرفة حقيقة ما حدث وهو المسئول العادل الحازم؟ الواقع أن هذا السؤال حيرني طويلا من الناحية الدرامية. فالاجتماعات الرسمية لا تنفض بهذه السرعة، ولماذا لم يتكلم المسئول؟ لماذا لم يتكلم الفلاح؟ ماذا حدث في هذا الاجتماع ودفع الرئيس رنزي إلي الصمت؟ أتصور أن رنزي كرجل دولة متمرس، اكتشف أنه قد وقع علي صيد فكري وسياسي ثمين، هذا الفلاح معارض رشيد للنظام، حكيم ومثقف ومهذب، كان ذلك واضحا من أول جملة قالها له في لقائهما الأول، هو إذن يصلح كمصدر مهم من مصادر قياس الرأي العام، من الأفضل أن يسكت، وأن يبقي الحال علي ما هو عليه، لكي يعرف المزيد وهو ما حدث فعلا بعد ذلك. غير أن المشهد يظل مع ذلك ليس متكاملا ولدي تصوران، الأول أن تكون هذه البردية خاصة بالممثل الذي يلعب دور الفلاح، لذلك حرص علي تسجيل حواره كاملا مكتفيا من حوار الآخرين بمجرد المفاتيح. التصور الثاني هو أن المشهد بطبيعة تركيبته يصلح للارتجال، تخيل ما سيقولونه من حوار في هذا المشهد الثري دراميا، هم بالقطع سيفتكون بالفلاح بقدر من الأكاذيب والتحامل يضحك لها طوب الأرض. أنا أقرب إلي التصور الثاني، فمن ناحية الصنعة، لابد أن يضحك المتفرجون بشدة في هذا المشهد لكي يحدث لهم "التطهير" المطلوب لاستيعاب المشهد القادم وهو مونولوج العرضحال الأول. العرض الفكاهي هنا داخل علي الجد ولابد من القضاء علي توتر المتفرج ومقاومته نهائيا في هذا المشهد لكي يتمكن من استيعاب الأفكار الثقيلة القادمة، هكذا تتسلل إلي أعماقه وروحه في نعومة وانسياب.. لنعد إلي النص العرضحال الأول من خونانبي إلي رنزي سيدي الرئيس، مولاي، يا أعظم العظماء، أيها المتصرف في كل ما هو كائن وكل ما لم يأت بعد إلي الوجود. عندما تبحر في بحر الحقيقة، وتسير فوق مياهها، ليحفظ الله شراعك من التمزق، ويجعل قاربك بعيدا عن الوحل. اللهم احفظ صاريك من أية كارثة، واحفظ دفتك سليمة فلا تنكسر أبدا. اللهم امنع تيارات النهر من أن تجرفك بعيدا عن طريقك وليحفظك الله من كوارث النهر، ويبعد عنك الخوف. السمكة الحذرة ستأتي إليك، وستمسك بالإوز الكبير لأنك أبو اليتيم، وزوج للأرملة وأخ لكل من ليس لها رجل، وأنت الغطاء الحامي لكل من لا أم له. أرجوك، اسمح لي أن أقيم من اسمك صرحا علي هذه الأرض أقوي من أي قانون، فأنت الحاكم المبرأ من شهوة السرقة، وأنت العظيم الذي لا يعرف الصغائر والذي يقضي علي الباطل ويحق الحق، وأنت من يأتي علي صيحة الشاكي. اهزم الشر، أنا أصيح من أعماقي فهل تسمعني..؟ نفذ القانون، أنت أيها الممدوح الذي يمدحه كل الممدوحين، ارفع عني غمتي التي تسحقني، قلبي يملؤه الحزن، نظرة يا سيدي، فأنا أعاني متاعب مريرة، أنصفني ففي الحقيقة، أنا عانيت خسارة كبري". هذا هو العرضحال الأول، لقد فشلت خطة الفلاح في الحصول علي حقه بالطريق الإداري، أبلغ المسئول غير أنه لم يحصل علي شيء فلم يعد أمامه غير أن يسلك طريق التوسل والعاطفة والاستعطاف والنفاق أيضا. لاشك أن أبناء جيلي من العجائز مازالوا يتذكرون هؤلاء الشحاذين المداحين الذين كانوا يستجدون عتد أبواب البيوت بإنشاد المديح الجميل علي نغمات الدفوف محولين الاستجداء إلي فن جميل يسعد أهل البيت ويملأ قلوبهم بالحنان والشفقة. هذا هو بالضبط ما فعله الفلاح، لجأ لهذه الطريقة الخالدة ( يا ابن الحلال.. إلهي ربنا يسعدك وينصرك علي مين يعاديك.. ربنا يكرمك ويوقف لك ولاد الحلال ويبعد عنك كذا وكذا) فهل ستنجح خطته الجديدة في الحصول علي حقه المسلوب؟ لنعد الآن لنص البردية. والآن قال الفلاح هذه الكلمات في عصر صاحب الجلالة ملك الجنوب والشمال " نب كارع" الذي كلماته هي الحق. فذهب الرئيس رنزي ابن ميرو إلي حضرة جلالته وقال له: مولاي.. لقد عثرت علي فلاح يعرف كيف يتكلم بحكمة وبلاغة تفوقان الوصف، لقد سرقت منه بضاعته بواسطة واحد من رجالي (؟) وجاء لكي يعرض شكواه، وهنا قال جلالته للرئيس رنزي: إذا كنت تحرص علي إرضائي فابقه هنا، ومهما يقول لك، فلا ترد عليه لكي يستدرج إلي الحديث المطول، ثم حوّل كلماته المنطوقة إلي كلمات مكتوبة وأحضرها لي لكي أتمكن من سماعها، وارسل إلي زوجته وأطفاله بما يقيم أودهم أثناء غيابه، أرسل واحدا من الفلاحين إلي أسرته ليحميها من أي احتياج وتأكد من حصول ذلك الفلاح الحكيم علي احتياجه من الطعام. دبّر هذا الأمر بحيث يصل إليه هذا الطعام كل يوم دون أن يعرف أنك أنت مصدره، هذا الطعام سيعطي لأصدقائه ويتولون هم إعطاءه له. عند ذلك أرسلوا للفلاح أربع فطائر وزلعتين من الجعة، أعطاهم الرئيس رنزي ابن ميرو لواحد من أصدقائه الذي أعطاهم بدوره للفلاح. وفي نفس الوقت أرسل الرئيس رنزي رسالة إلي محافظ وادي الملح يأمره فيها بأن يمد زوجة الفلاح باحتياجاتها من الطعام فأرسل لها ثلاثة أرادب من الحبوب. هذا المشهد يثبت أن هذه البردية هي أول نص في التاريخ يشير إلي الخدمة السرية وعلوم الأمن القومي، حيث نتعرف علي ما يسمي ب (تقارير الرأي العام) الملك هنا يريد أن يسمع بنفسه ما يقال من رعاياه. هو لا يريد الاستمتاع ببلاغة وحكمة الفلاح وإلا لأرسل في طلبه علي الفور ليستمتع بحديثه. هو يريد أن يعرف منه بلا مؤثرات خارجية رأيه في الطريقة التي تدار بها شئون المجتمع والقائمين عليه. كما نجد أيضا أول إشارة في التاريخ لما يسمي (عملية تمويل الهدف) مع بقائه جاهلا بمصدر هذا التمويل، فالهدف هنا ذو كبرياء ستمنعه حتما من قبول الطعام الذي أرسلته له السلطة بينما هي لا تقوم بحل مشكلته الحقيقية. وحتي إذا وجد أن الحصول علي هذا الطعام حق من حقوقه فقد يشعر بانكسار أمام سلطة الدولة يمنعه من ذكر الحقيقة كما يراها. الملك يريد أن يعرف ذلك لتمرسه الطويل بالسلطة وهو لا يريد أن ينشغل هذا المفكر عن الحقيقة بالبحث عن رزقه ورزق عياله، لذلك يحرص علي أن يوفر له الحد الأدني من وسائل العيش. وعندما يرسل الرئيس رنزي إلي حاكم وادي الملح، فمن المؤكد أن الأخير علي وعي بأن هذه العملية سرية وأنها من شئون الدولة العليا.. نعود الآن إلي نص البردية. العرضحال الثاني وجاء الفلاح ليعرض حاله للمرة الثانية فقال: " سيدي المحافظ، مولاي، يا أعظم العظماء وأغني الأغنياء. في الحقيقة إنك الأعظم والأغني بين الرجال، أنت دفة السموات، وأنت محور الأمن الثابت، وأنت الحبل الذي يربط ثُقالة كفتي الميزان. فيا دفة السموات، لا تتحرك في الاتجاه الخاطئ. ويا محور الأرض الثابت لا تتزحزح. ويا حبل الميزان لا ترتخ. هل ستسمح للأعيان بأن ينهبوا هذا الذي لا ظهرله.. وأن يسرقوا من لا حول له ولا قوة؟ تقول إنك تحتفظ في بيتك بتموينك وهو زلعة من الجعة وثلاث فطائر؟ بماذا أنت منشغل إذن إذا كنت لا تلبي حاجات البسطاء؟ هذا الذي يموت، تموت معه كل احتياجاته، لكن ألست أنت مخلوقا يتسم بالخلود؟ أليس أمرا بشعا أن تهتز الكفتان وأن يعطي مؤشر الميزان قراءة خاطئة؟ وأن يتحول حماة القانون إلي منتهكيه؟ انتبه.. الحق يتخذ مسارا سيئا بين يديك و ينتزع بعيدا عن مكانه الصحيح. كبار المسئولين يرتكبون
المظالم، وثمرة القرار تذهب إلي الجانب الخطأ، والمسئول عن كشف الزيف، يمارس هو نفسه الاحتيال. وهذا الذي يضخ هواء الحياة في الأنابيب، يربطها بالحبال فيسدها، والمسئول عن راحتنا يكتم أنفاسنا، والمسئول عن عدالة التوزيع يتحول هو نفسه إلي لص، والمكلف بإبعاد القمع عنا يعطي الأوامر ويضع المدينة كلها في المجرور، والمكلف بالقضاء علي الجريمة يرتكب الشرور. وهنا قال المحافظ رنزي ابن ميرو: ماذا تفضل.. أن تنجو بنفسك أو يلقي بك خادمي بعيدا؟ فقال الفلاح : والمحاسب الذي يحسب أكوام القمح يهتم بصالحه الخاص، وهذا الذي يقوم بالكيل للآخرين، يقوم بغشهم، والمسئول عن تنفيذ القانون، هو نفسه من يعطي الأوامر بالسرقة. من سيضع حدا لهذه الأفعال الشريرة إذا كان المكلف بالقضاء علي الغش هو نفسه من يمارس عمليات النصب؟ والشخص المفترض فيه أن يتعامل مع الآخرين بأمانة يمارس الاحتيال، والمسئول عن مساعدة الآخرين يعاملهم بطريقة شريرة، هل تجد لك مصلحة في كل ذلك؟ العلاج غير ناجح، فالمظالم هائلة الحجم.. قدّم الخير لكي يقدموه لك وذلك بتقديم الشكر لهم علي ما قدموه، واصدر أوامرك برد الفعل قبل أن يحدث الفعل نفسه، قبل أن تأتي اللحظة المدمرة فتقضي علي تكعيبة العنب وتفتك بالدواجن والإوز. لكن هل يستوي الأعمي والبصير؟ وهل القادر علي السمع يتساوي مع الأصم؟ وهل يستوي الدليل الماهر مع ذلك الذي يقود إلي التهلكة؟ إنك حقا قوي وجليل، ذراعك متينة وقلبك مبني علي اللصوصية. الرحمة مرّت بعيدا عنك ولم تعرف الطريق إلي قلبك. ما أغرب أن يتعاطف معك الرجل الذي أجهزت عليه، أنت تشبه رسول الإلهة التمساح.. احترس، أنت تتجاوز " سيدة الطواعين" إذا لم يكن هناك ما تقدمه لها، فلن يكون لديها ما تقدمه لك. الفرد الذي يملك شيئا، قادر علي إظهار الرحمة، أما الخارج علي القانون فهو الوحيد القادر علي ارتكاب العنف والسرقة. وهذا أمر واضح من عمل اللصوص الذين لا يملكون شيئا. وبالتالي لا يمكن أن نلومه عندما يخطئ. ولكن الخبز يملأ بيتك ولديك من الجعة الكثير، وأنت أغني من أي عامل. إن الرجل المكلف بالإمساك بالدفة إذا غفل عن مهمته، ضلت السفينة وسارت في الاتجاه الذي يحلو لها. فإذا كان الملك يجلس في قصره ويترك لك دفة الأمور، فهذا معناه أن كارثة ستحل بك. إن صاحب المظلمة يقف طويلا كالشحاذ والقاضي يتأخر كثيرا فيتساءل الناس: من هذا المسكين الواقف هناك؟ كف عن الأكاذيب.. احترم هؤلاء الكبار الذين يقفون حولك، الذين يتلقون العرضحالات منا.. والذين تعودوا أن يكذبوا علينا.. هذا أمر سهل جدا علي قلوبهم وضمائرهم.. آه يا أكثر الناس معرفة، هل تعرف الآن مشكلتي؟ أنت يا من تغني البشر عن كل الاحتياجات، نظرة يا سيدي.. لقد وصلت إلي طريق مسدود، أنت يامن نزحت كل المياه، هأنذا بغير قارب. أنت يا من ينقذ كل غريق وكل من تحطمت بهم السفن.. خلصني من ظروفي البائسة". الأداء العالي انتهي العرضحال الثاني وأسألك، هل صادفت من قبل مثل هذا الوصف الرائع للفساد؟ وإذا كنت أنت مسرحيا، أريدك أن تلاحظ الإيقاعات القوية والجمل القصيرة في هذا المونولوج الممتلئ بالصدق والعاطفة . أريدك أن تتخيل نفسك ممثلا علي المسرح وأنت تلقي بهذا المونولوج، تخيل مدي ما ستفعله في المتفرج من تأثير، تخيل ما يعطيه لك النص من مساحة للأداء العالي.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.