محافظ أسوان يشيد بجهود الطب البيطرى لحماية الثروة الحيوانية خلال 2025    محافظة بورسعيد: أعمال تطهير وتكريك وراء انخفاض ضغط مياه الشرب    نائب رئيس فلسطين يبحث مع المبعوث الأممي تطورات خطة ترامب بشأن غزة    إيران تنقطع عن العالم الخارجي.. وخامنئي يتهم المتظاهرين بإرضاء ترامب    مدرب كوت ديفوار: منتخب مصر متكامل.. ونصف نهائي أمم أفريقيا هدفنا    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    رئيسة وزراء إيطاليا تعارض أي محاولة أمريكية للسيطرة على جرينلاند    صافرة جزائرية تدير مباراة مصر وكوت ديفوار غدا    جوارديولا: الجميع يعرف قدرات سيمينيو    تفاصيل سقوط شبكة للمراهنات والعملات المشفرة عبر السوشيال ميديا    جوائز ساويرس والفريضة الغائبة    شهادات عسكرية ودبلوماسية.. كيف شاركت مصر في تجربة الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا من الصعود إلى حماية أسرته بعد الاغتيال؟    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    «الصحة»: فحص 4 ملايين طالب ضمن أعمال الفحص الطبي الدوري الشامل بالمدارس    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزير الخارجية يشدد على رفض مصر أي ممارسات من شأنها تقسيم قطاع غزة    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    هيئة الرعاية الصحية تُطلق منصات مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر – In Egypt We Care»    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    أوقاف البحيرة تعقد 180 مقرأة قرآنية و تواصل عقد المجالس العلمية بالمساجد الكبرى    ترامب: ألغيت موجة ثانية من الهجمات العسكرية على فنزويلا بعد عملية السبت    تعرف على آخر تحديث لسعر الذهب اليوم.. عيار 24 ب6840 جنيها للجرام    محافظ الشرقية يُشيد بجهود فريق عمل وحدة «أيادي مصر»    شاهد رابط المباراة.. السنغال تواجه مالي اليوم في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    الجيش السورى يمنح قسد مهلة جديدة لإجلاء عناصرها من حى الشيخ مقصود بحلب    وزيرة التخطيط تستقبل المشرف العام على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة    حبس عامل 4 أيام لاتهامه بقتل زوجته الحامل إثر خلافات أسرية بقنا    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    عضو مجلس الزمالك: فوجئت بتعيين معتمد جمال مديرًا فنيًا للزمالك من الإعلام    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    الجيل الديمقراطي: ذكرى السد العالي تجسد قدرة مصر على حماية أمنها القومي    محافظ المنيا يوجّه بتقديم كافة تيسيرات الكشف الطبي والتطعيمات لحجاج بيت الله الحرام    13 قطاعًا تتصدر قيم التداول بالبورصة بجلسات نهاية الأسبوع    الحوافز المقدمة في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    إصابة 13 شخصا فى حادث انقلاب ميكروباص بالمنيا    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    استقرار بيتكوين قرب 91 ألف دولار مع ترقب بيانات الوظائف الأمريكية    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    مدحت عبد الهادي: لا بد من تواجد مهاجم صريح لمنتخب مصر أمام كوت ديفوار    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    الأعلى للجامعات يبحث نظم الدراسة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    «الشؤون النيابية» تنشر إنفوجرافات جديدة من سلسلة «توعية وتواصل»    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بهجت أبوغربية.. هذا المناضل الجسور
نشر في القاهرة يوم 31 - 01 - 2012

تماهت حياته مع مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، وإن غاب في عز حاجتها إليه. ذلكم هو شيخ المجاهدين الفلسطينيين بهجت أبوغربية الذي ولد لأسرة ميسورة، سنة 1916، في مدينة خان يونس، بعد أن كان أبوه قد ولد في مدينة الزقازيق المصرية. وأمه عثمانية من يوغسلافيا. وحين سقطت خان يونس في يد القوات البريطانية، بعد عام واحد من ولادة بهجت، انتقلت الأسرة إلي مدينة الخليل. في العام 1918 استكملت القوات البريطانية احتلال فلسطين، واجتزأتها عن الجسم السوري الكبير، ومنذئذ صار لفلسطين حركتها الوطنية القطرية. ضاق الحال بأسرة عليان عبدالعزيز عليان، والد بهجت، خاصة بعد زواج الأب بزوجة ثانية، وزواج شقيق بهجت، وعمه، في السنة نفسها، وللجوء عمة بهجت وابنها لأسرة عليان، بعد أن استبد الفقر والمرض بزوجها. علي مدي عشر سنوات من الاحتلال البريطاني، تحكمت الصدامات بالعلاقات الفلسطينية الصهيونية، وتوِّجت بهبة البراق، صيف 1929، فكانت أول حركة ثورية يشارك فيها بهجت، لينتقل منها إلي انتفاضة 1933، وفيها تم تصحيح برنامج الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث تحول الانجليز من حَكَم بين الشعب الفلسطيني والحركة الصهيونية، إلي عدو رئيسي للحركة الوطنية، والصهيونية مجرد ذيل له، بعد أن كان كبار الملاك الذين احتكروا قيادة الحركة الوطنية علي مدي العقد الأول من الاحتلال البريطاني يفرضون علي الشعب الفلسطيني معاداة اليهود كدين. نشأ بهجت متدينًا، وأقبل علي الثقافة العامة، ينهل منها، متمثلةً في التاريخ، والشعر، وسير الثروات. وقد هزه إعدام أبطال الحركة الوطنية الثلاثة (جمجوم، الزير، حجازي)، في صيف 1936، علي أيدي سلطات الاحتلال البريطاني، علي أن ثقافته لم تمنعه ممارسة هوايته في الرياضة، حتي غدا مدربًا رياضيا في المدرسة الابراهيمية بالقدس، وشارك عبدالقادر الحسيني في تأسيس "الجهاد المقدس"، لمواجهة الاحتلال البريطاني والصهيونية في آن. الساعاتي اليهودي اضطر بهجت إلي مغادرة المدرسة، في السنة الدراسية 19311932، حين كان صاحبنا في الثانية الثانوية. واشتغل في محل ساعاتي، يمتلكه يهودي في القدس، وفي هذا المحل ألم بهجت بالمشروع الصهيوني الاستعماري، وتعمق فزعه علي مستقبل شعبه من هذا المشروع. تم تعيين بهجت مدرسًا، سنة 1934، في المدرسة الإبراهيمية، بعد أن صار شقيقه مدرسًا، وشريكًا فيها، لكنه لم يتمكن من التقدم إلي امتحان "لندن مترك" (الثانوية العامة)، بسبب اندلاع ثورة 1936 الوطنية الفلسطينية، في إبريل / نيسان من السنة المذكورة. في الشهر نفسه أودع بهجت ورفيقه سامي الأنصاري، بالسجن، بتهمة إحراق مخزن أحذية كبير، يمتلكه اليهود في شارع يافا بالقدس، لكن المحكمة برأت بهجت ورفاقه نسف سينما أوديون بالحي اليهودي من القدس . وأودت هذه العملية بحياة ثلاثة صهاين وجرحت اثنين آخرين. تلتها عملية الهجوم علي قائد شرطة القدس الانجليزي، المفتش آلنسيكرست، حيث تم قتله (12/6/1936)، تلاها هجوم علي رجال الطيران البريطاني. بذا كان بهجت أحد أبناء المدن القلائل الذين شاركوا بالسلاح في ثورة 1936، بعد أن كانت النسبة الأكبر من مقاتلي الثورة من الفلاحين. مع خفوت الثورة، ربيع 1939، تحول بهجت ورفاقه إلي دعم مقاطعة العرب للبضائع الصهيونية تجاريا، ومحاربة انتقال الأراضي للمستوطنين اليهود. خلال سنين الحرب العالمية الثانية (1939 1945)، تطوع بهجت في الدفاع المدني بالقدس. قبل أن يعاد إحياء تنظيم "الجهاد المقدس"، وفي القلب منه بهجت، الذي أسهم في تسليح أعضائه، من أسلحة تم شراؤها في مخلفات الحرب العالمية الثانية، في صحراء مصر الغربية. فقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية كانت متأكدة بأن موعد تنفيذ المشروع الصهيوني قد ظهر في الأفق . وفعلاً أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارها القاضي بتقسيم فلسطين (29/ 11/1947)، فاندلعت الاشتباكات بين العصابات الصهيونية المسلحة (الهجانة والأرجون وشترن) وبين المجاهدين الفلسطينيين. وهنا أُصيب بهجت إصابته الأولي، وتم إيداعه السجن، لتصديه لمحاولة المسلحين الصهاينة نسف عمارة الأوقاف. وقد استشهد شقيق بهجت، شفيق، وأفلت بهجت من سجنه، ليتولي قيادة صار محاور القدس في مواجهة العصابات الصهيونية، في حي الشيخ جرًّاح . وفي 16 فبراير 1948 كانت إصابة بهجت الثانية . وفي 30 ابريل من السنة نفسها كانت إصابته الثالثة، بعد استشهاد قائد "الجهاد المقدس"، "عبدالقادر الحسيني"، بواحد وعشرين يومًا، في معركة القسطل. بيت لحم يوم 2مايو / أيار 1948 توجه بهجت ورفاقه المقاتلون إلي حي الشيخ جرًّاح المحرر بالكامل، ففتحت عناصر العصابات الصهيونية عليهم النار من رشاش سياندو، وأصيب بهجت بجراح بالغة، تسببت في عاهة دائمة، حنت ظهر بهجت، منذئذ وحتي آخر أيام حياته. عولج في نابلس، لكنه انتقل منها إلي القدس (17/ 6). وسافر بهجت إلي بيروت، لاستكمال علاجه، وتغلب علي افتقاده جواز سفر، وحين عاد بعث الأمل في نفوس رفاقه المقاتلين. انتقل بهجت إلي بيت لحم، حين لاح خطر احتلالها من قبل الصهاينة. وشارك رفاقه في الدفاع عن صوريف، وعن طريق القدس الخليل، وخربت علين، والدير. بعد هدنتين قصيرتين، خضع لهما حكام العرب، واتفاقات هدنة مديدة بين إسرائيل ودول "الطوق"، كل علي حدة، فيما بين فبراير ويوليو / 1949، بعد أن رضخ أولئك الحكام للهدنة، في 7/1/1949، انغمس بهجت في النشاط الثوري، وسرعان ما غدا بهجت عضوًا في القيادة القطرية لحزب البعث في الأردن، بعد أن ضُم شرق فلسطين إلي شرق الأردن (1950)، وحمل اسم "الضفة الغربية" من المملكة الأردنية الهاشمية. وتقدم بهجت الصفوف في الكفاح ضد الإمبريالية والصهيونية، خاصة المعركة ضد جر الأردن إلي "حلف بغداد"، أواخر 1955 . اللافت أن بهجت كان أول بعثي في الضفة الغربية (يوليو / تموز 1947)، ومن هنا أخذ يبشر بمبادئ البعث سرًا، ويكسب بعض الأعضاء والمؤازرين، وإن لم تتشكل قيادة قطرية للحزب في الأردن حتي مطلع 1950 . عاد بهجت للعمل مدرسًا، إلي جانب نشاطه الحزبي وجهوده في "نادي الشباب العربي"، و"رابطة المناضل الجريح". وإن عزف عن ترشيح نفسه في أول انتخابات برلمانية، لعدم قناعته بجدوي النضال النيابي. كان بهجت ضمن من اجتمعوا في الشخصيات الوطنية، في المدرسة الرشيدية بالقدس، أواسط يوليه / 1950، رغم الاحتياطات الأمنية الشديدة، وأدان المؤتمرون توجه ملك الأردن عبدالله بن الحسين إلي الصلح مع إسرائيل. حين اغتيل عبدالله بن الحسين علي باب المسجد الأقصي بالقدس (20 /7/1951)، كان بهجت ضمن من اعتقلوا للاشتباه في مشاركته في قتل الملك، وإن أفرج عنه، بعد ذلك، للتوصل إلي الفاعلين. مؤتمر باندونج قام المجلس النيابي الأول للضفتين بإنجازات عدة، ضمن النفوذ الأجنبي، وإصدار دستور، وقانون للأحزاب، أتاح حصول "البعث" علي ترخيص. اجتاح نهوض ثوري الوطن العربي من أقصاه إلي أقصي، بعد المشاركة القوية لعبدالناصر في مؤتمر باندونج"، ربيع 1955، ومده ثورة الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي بالأسلحة، قبل كسره احتكار الغرب للسلاح في الوطن العربي، بعقد عبدالناصر "صفقة الأسلحة التشيكية"، خريف 1955 ولم يشذ الأردن عن هذا النهوض، فبعد أن حال دون جر الأردن إلي "حلف بغداد"، تمكن من طرد القائد البريطاني للجيش الأردني، جون باجوت جلوب، ما رفع منسوب المواجهة مع الغرب. كرر عبدالناصر صفقة الأسلحة من "المعسكر الاشتراكي"، واعترف بالصين الشعبية، الأمر الذي كانت واشنطن تؤثمه، وردت واشنطن بسحب عرضها لتمويل "السد العالي" في مصر، وفي أذيالها جاء سحب العرض المماثل من لندن والبنك الدولي. وجاء رد عبدالناصر سريعًا، بإعلانه تأميم قناة السويس (26 /7/ 1956). وتسارعت الأحداث حتي كان "العدوان الثلاثي " علي مصر وقطاع غزة (29/10/1956). ما رفع منسوب النهوض الثوري العربي، ورفع درجة المواجهة بين القوي الوطنية الأردني والنظام الحاكم الذي نجح في تدبير انقلاب عسكري، أطاح بمكونه سليمان النابلسي الوطنية (29/10/56 11/4/1957)، وتوجيه ضربة قاصمة للأحزاب القومية واليسارية والوطنية، ومعها ضباط الجيش الوطنيين، واستقوي النظام الأردني بالأحكام العرفية، فحل الأحزاب، وزاد من التضييق علي الصحافة، وملأ المعتقلات والسجون بالمناضلين من الشيوعيين والبعثيين والقوميين العرب أساسًا . وتولي بهجت قيادة "البعث" بعد أن نزل الحزب تحت الأرض، وغادرت النسبة الأكبر من قادته وكوادره، إما إلي خارج البلاد، أو في غياهب السجون والمعتقلات. اختفي صاحبنا بداية في القدس، قبل أن ينتقل إلي عمان، وقد أخفي أسلحته في المدرسة الابراهيمية. تتابعت الانتصارات الثورية العربية، فمن قيام الوحدة المصرية السورية (22/2/1958)، إلي الثورة الوطنية في العراق التي عصفت بالنظام الملكي هناك (14/7/1958)، فحضت هذه الثورة "البعث" في الأردن علي بذل قصاري جهده من أجل اللحاق بالوحدة المصرية السورية، بعد أن زال خطر الطغاة : نوري السعيد وعبدالله الإله في العراق. لكن الحزب عجز عن مجرد تنظيم مظاهرة تأييد لثورة العراق في عمان! كان لفقيدنا الصوت الأعلي في الاحتجاج علي حل الحزب الأم في سوريا، رضوخًا لطلب عبدالناصر، بعد أن أوهم قيادة "البعث" في سوريا بأنه سيسلمها مقاليد الأمور في القطر السوري. ولما لم يتحقق هذا الوعد، أعلن وزراء "البعث" الخمسة استقالتهم من الحكومة المركزية في "الجمهورية العربية المتحدة " الوليدة (23/12/1959). وارتدت قيادة "البعث" خائبة فيما وُعدت به، وعملت علي إحياء الحزب في سوريا، والعودة لممارسة النشاط الحزبي سرًا! مما دفع بهجت ورفاقه إلي الخروج من هذه اللعبة، وتشكيل "حزب البعث الثوري". وأخفقت كل محاولات إشعال ثورة مسلحة في الأردن، إلي أن تم اعتقال بهجت نفسه، وهو جريح، في 7/8/1960، ليقضي في المعتقل سنتين حفلتا بأشكال شتي من التعذيب الجسدي والنفسي. مزرعة الدجاج بعد شهرين من الإفراج عنه، تذكر فجأة أنه لم يتزوج، وقد بلغ السادسة والأربعين من عمره، وعثر علي شريكته، سهام توفيق أبوزهرة، فتزوجا في يوليه 1962، وعمل صاحبنا في فندق واشتري مزرعة دجاج لتساعده في مواجهة مطالب الحياة. كان في الضفة الغربية رجل يعول كثيرًا علي الولايات المتحدة الأمريكية، وقد مولت لها مشاريع زراعية، بعد أن كان عزاف نوري السعيد قد أمده بالمال سنة 1945، فأنشأ "المكتب العربي"، وجعل مركزه القدس، فيما كان للمركز فرع في كل من لندن وواشنطن. وأخذ المكتب العربي علي عاتقه مهمة تبصير الرأي العام في الولايات المتحدة وبريطانيا بالقضية الفلسطينية العادلة، وبكذب مزاعم الصهيونية! وكأن الرأي العام في هذين القطرين كان رزحا تحت تأثير الدعاية الصهيونية، وليس لواشنطن ولندن مصلحة أكيدة في المشروع الصهيوني! اعتذر بهجت عن قبول عرض من رجال موسي العلمي لتمويل أمريكا مشروع زراعي علي الحدود مع إسرائيل . وألحقه باعتذار آخر عن عدم العمل مع "فتح"، وكان العرض قد جاء من أحد قادة "فتح" غير المعروفين آنذاك وهو كمال عدوان. خطط عبدالناصر لإحياء الكيان الفلسطيني، فدعا في 23/12/1963 إلي عقد قمة عربية، ومثل أحمد الشقيري فلسطين في هذه القمة، والتي عقدت في القاهرة، في 13/1/1964، وكلفت الشقيري باستمزاج رأي مختلف التجمعات الفلسطينية في الشكل الذي ترتئيه تلك التجمعات لإحياء ذاك الكيان . لكن الشقيري عاد إلي القمة العربية الثانية في الإسكندرية، في سبتمبر / 1964، ليضعها أمام الأمر المقضي، فقد كان الشقيري وبدعم كامل من عبدالناصر قد أقام "منظمة التحرير الفلسطينية"، بعد أن عقد مؤتمرها الأول، في القدس، أواخر مايو / أيار أوائل يونية/ 1964، متجاوزًا حدود تكليف القمة الأولي له! وعي بهجت أن الدول العربية وافقت علي قيام "المنظمة" تجنبًا لخطر العمليات الفدائية الفلسطينية التي قد تجر الدول العربية لحرب مع إسرائيل، لا تريدها تلك الدول، ولم تستعد لها، رغم مرور ستة عشر عامًا علي هزيمة الجيوش العربية علي يد إسرائيل، وتوعد الأنظمة العربية إسرائيل بما أسمته هذه الدول "الجولة الثانية". ورغم ذلك فإن بهجت تحمس لقيام المنظمة، وصار عضوًا في لجنتها التنفيذية الأولي، قبل أن يصطدم بفردية الشقيري، فيغادر صاحبنا اللجنة التنفيذية في المجلس الوطني الفلسطيني الثاني (القاهرة، 31/
54/6/1965)، لكنه عاد إليها في الدورة الثالثة للمجلس (غزة 2024/5/1966). إلي أن اتفقت أنظمة مصر وتونس والأردن علي تنحية الشقيري عن رئاسة المنظمة، الأمر الذي تحقق في 24/12/1967 . جيش التحرير لكن عبدالناصر كان قد وعد قيادة "فتح"، في أول لقاء له معها، صيف 1967، بأن ينقل إليها قيادة منظمة التحرير، الأمر الذي تحقق، صيف 1968، بعد أن كان رفيق فقيدنا يحيي حمودة قد تولي رئاسة منظمة التحرير بالنيابة منذ استقالة الشقيري، وحتي انعقاد الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة صيف 1968، وفيها انتقلت زمام أمور منظمة التحرير إلي الفصائل الفدائية الفلسطينية، وإن حازت "فتح" نصيب الأسد فيها. بعد أن كان بهجت قد بذل قصاري جهده لتشكيل ذراع حرب العصابات في "جيش التحرير الفلسطيني" النظامي، الأمر الذي تم في فبراير/ 1968، فكانت "قوات التحرير الشعبية" التي أسهمت بنصيب معتبر في العمليات الفدائية خاصة في قطاع غزة. منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 1968 بدأت الاشتباكات المتقطعة بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش الأردني، وأخذت في التصاعد الملحوظ، في فبراير ويونية/ 1970، وصولاً إلي صدامات سبتمبر/ أيلول 1970 الدامية غير المسبوقة. حتي كان الاتفاق في القمة العربية بالقاهرة، يوم 27/9، علي وقت المذبحة. وانتدب بهجت للإشراف علي تنفيذ الاتفاق في إربد، فيما أخذ المرض يشتد عليه. توالت الأحداث الجسام في المجال الفلسطيني، فمن ميل القيادة المتنفذة في منظمة التحرير إلي التعامل مع المشاريع الأمريكية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، التي لم تكن إلا مشاريع لتصفية القضية الفلسطينية، واشتعال الحرب الأهلية في لبنان، بدءًا من ربيع العام 1975 . وتدخل الجيش السوري، بعد أربعة عشر شهرًا من اشتعال تلك الحرب، واغتيال رأس الحركة الوطنية اللبنانية/ كمال جنبلاط (مارس / 1977)، ثم العدوانين الإسرائيليين علي لبنان (1978 و1982)، وفي الثاني اضطرت قوات المقاومة الفلسطينية إلي مغادرة بيروت ولكن بعد صمود اسطوري في بيروت، لنحو ثلاثة أشهر متصلة، أبدي خلالها المقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون آيات من الجسارة، نالت تقدير العالم. ثم كانت الحرب ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان، التي شنتها ميليشيات حركة "أمل " بمباركة إسرائيلية (1985 1988) . والانتفاضة الفلسطينية (1987 1991)، وحرب الخليج الثانية (19901991)، واستقال بهجت من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني، احتجاجًا علي تورط القيادة الفلسطينية المتنفذة في "مؤتمر مدريد"، وباتفاق أوسلو من بعده (13/9/1993). كل هذا وفقيدنا يعض بالنواجذ علي الثوابت الوطنية، شاهرًا سيفه ضد الانحراف، والتفريط في الحقوق الوطنية الفلسطينية، إلي أن أقعده المرض، قبل بضعة أسابيع من غيابه عنا في عمان في 26 يناير، تاركًا لشعبه وأمته ذخيرة لا تنفد من المواقف الكفاحية الجسورة، لذا فأمثال بهجت أبو غربية لا يموتون.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.