أسعار الخضراوات واللحوم والدواجن.. الخميس 30 أبريل    جدول امتحانات الصف الثالث الإعدادي 2026 محافظة الإسكندرية الترم الثاني    جدول امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي 2026 محافظة الإسكندرية الترم الثاني    ميتا ترفع إنفاقها على الذكاء الاصطناعي رغم تراجع السهم ونمو قوي في الأرباح    ترامب يرحب بانسحاب الإمارات من منظمة أوبك ويصف بن زايد بأنه «ذكي جدا»    محافظ البحر الأحمر يتابع تفعيل منظومة إدارة المخلفات بعد إغلاق المقلب العمومي    ملحمة الشرطة في أرض الفيروز من «مواجهة الإرهاب» إلى مرحلة «الاستقرار والتنمية»    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الخميس 30 أبريل    وول ستريت جورنال: أمريكا تضغط على حكومات أجنبية للانضمام إلى تحالف دولي جديد لفتح مضيق هرمز    ترامب لنتنياهو: ضربات إسرائيل على لبنان يجب أن تكون «محدودة الاستهداف»    بوتين وترامب يبحثان هدنة مؤقتة في أوكرانيا خلال اتصال هاتفي    إلهام شاهين: أدواري الجريئة محدش يقدر عليها| حوار    ربة منزل تستغيث.. ومباحث شبرا الخيمة تضبط اللصوص خلال ساعات| صور    "الجيش الصهيونى "يبدأ السيطرة على سفن أسطول الصمود المتجه لغزة    إنشاء ساحات انتظار وكافتيريات ضمن تطوير الكورنيش الشرقي بمطروح    قائد البحرية الإيرانية يعد بكشف "سلاح يرهب الأعداء" ويؤكد ضرب حاملة الطائرات "أبراهام لنكولن" 7 مرات    تطورات الوضع الإيراني في ظل الحصار البحري الأمريكي    تقرير تركي: فنربخشة في مفاوضات لضم محمد صلاح    أرتيتا: لا أفهم سبب إلغاء ركلة الجزاء.. وفي الدوري الإنجليزي لا تحتسب    فييرا: الزمالك يثبت أن لا شيء مستحيل وأتمنى حصوله على الدوري    إيناسيو: مواجهة الأهلي والزمالك لا تخضع للتوقعات وقد تحمل مفاجآت    بشأن قضايا الطفل والذكاء الاصطناعي وتغطية الجنازات.. قرارات هامة من «الصحفيين»    أخبار × 24 ساعة.. التخطيط: تراجع معدل البطالة خلال عام 2025 ليسجل 6.3%    إصابة 3 أشخاص فى حادث تصادم دراجتين ناريتين بطريق البصراط- المنزلة بالدقهلية    إحالة أوراق شقيقين متهمين بقتل سائق بسبب مشاجرة في الإسكندرية إلى المفتي    مشاجرة نسائية تتحول لتهديد بالسلاح الأبيض في القليوبية.. والمباحث تكشف الحقيقة    إصابة 8 أشخاص في انحراف أتوبيس عن مساره بطريق «القصير - مرسي علم»    عبدالرحيم علي: ترامب ينتظر نضج لحظة انفجار الأوضاع من الداخل الإيراني    حمدي الميرغني يعلن تفاصيل عزاء والده الراحل في السويس والشيخ زايد    نقابة الصحفيين تختار الزميلة «زينب السنوسي» أمًا مثالية لعام 2026    عبد الرحيم علي: ترامب يحوّل الوقت إلى أداة ضغط استراتيجية داخل إيران    أخطر 10 أمراض معدية تهدد البشرية: عندما يتحول المرض إلى سباق مع الزمن    موتسيبي وألكسندر تشيفرين يوقعان مذكرة تفاهم بين الاتحادين الأفريقي والأوروبي    أول هاتف كتابي قابل للطي، سعر ومواصفات 2026 Motorola Razr Fold (صور)    كيف تُطيل عمر بطارية هاتفك؟ دليل عملي لتقليل الاستهلاك اليومي    "البوابة نيوز" تنشر قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    السفير ماجد عبد الفتاح: إنشاء قوة عربية مشتركة يحتاج إلى إطار مؤسسي ودعم هيكلي واضح    السكة الحديد: 696.9 مليون جنيه تعويضات للمتضررين من مشروع قطار «بنى سلامة – 6 أكتوبر»    "البوابة نيوز" تنشر غيابات الأهلي أمام الزمالك في القمة    عرض "كتاب الموتى" يبهر الجمهور في أولى ليالي مهرجان الرقص المعاصر    علي الحجار يتألق في ساقية الصاوي ويتجاوز أزمة تصريحاته العائلية (فيديو)    ديو جديد بعد 21 عاما، " CBC" تطرح أغنية "الغلاوة" لشيرين بعد الوهاب وبهاء سلطان    صناع مسلسل الفرنساوي: دراما قانونية برؤية سينمائية تراهن على المنافسة عربيا ودوليا    ضياء السيد: القمة لا تعترف بالمعطيات والأهلي لديه حظوظ في الفوز بالدوري    مديرية الصحة بالإسماعيلية تحتفل بالأسبوع العالمي للتطعيمات وتكرم الفرق المتميزة (صور)    حمى "لصاقات الأوزمبيك" تجتاح الإنترنت.. وعود سريعة لإنقاص الوزن بلا دليل حاسم    محمد الشيخ: أمتلك لاعبين رجالا في وادي دجلة    هل يجوز تفضيل الأضحية على العمرة لمساعدة الناس؟.. أمين الفتوى يجيب    هل يجوز رد السلفة بزيادة بسبب ارتفاع الأسعار؟.. "الإفتاء" تُجيب    أمين الفتوى: النقوط ليس دينًا ولا يجوز الاستدانة بسببه (فيديو)    ننشر أبرز ملامح قانون الأسرة    تجميد عضوية عمرو النعماني من حزب الوفد وتحويله للتحقيق    «تمريض الجلالة» تنظم المُؤْتَمَرَيْن العلمي الدولي الثالث والطلابي الدولي الثاني    جولة مفاجئة لنائب وزير الصحة بالقليوبية تحاسب المقصرين وتدعم الجادين    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : الثقة بالنفس !?    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "مدبولي" يهنئ الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة عيد العمال    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ابن الفارض.. سلطان العاشقين
نشر في البوابة يوم 04 - 07 - 2014


زدني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّراً
وارحمْ حشى ً بلظي هواكَ تسعَّراً
وإذا سألتكَ أنْ أراكَ حقيقة ً
فاسمَحْ، ولا تجعلْ جوابي:لن تَرَى
يا قلبُ! أنتَ وعدتَني في حُبّهمْ
صبراً فحاذرْ أنْ تضيقَ وتضجرا
إنّ الغَرامَ هوَ الحَياة، فَمُتْ بِهِ
صَبّاً، فحقّكَ أن تَموتَ، وتُعذَرَا
بهذه الكلمات نظم ابن الفارض أشعاره في العشق الإلهي، ليصبح من كبار المتصوفة ومن أشهر من تغنى بهذا اللون الشعري.
ابن الفارض، هو عُمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، وهو شاعر متصوف لقب ب "سلطان العاشقين"، في شعره فلسفة تتصل بما يسمى ب"وحدة الوجود".
اشتغل بفقه الشافعية وأخذ الحديث عن ابن عساكر، وأخذ عنه الحافظ المنذري وغيره، إلا أنه ما لبث أن زهد بكل ذلك وتجرد، وسلك طريق التصوف وجعل يأوي إلى المساجد المهجورة وأطراف جبل المقطم، وذهب إلى مكة في غير أشهر الحج ‌‍‍‍‍‍، وأكثر العزلة في وادٍ بعيد عن مكة ثم عاد إلى مصر وقصده الناس بالزيارة حتى أن الملك الكامل كان ينزل لزيارته.
وكان حسن الصحبة والعشرة رقيق الطبع فصيح العبارة، يعشق مطلق الجمال.
تتلمذ على الشيخ أبي الحسن علي البقال صاحب الفتح الالهي والعلم اللدني، كان ابن الفارض إذا حضر مجلساً ظهر على المجلس سكون وسكينة، يتردد عليه في مجلسه جماعة من المشايخ والعلماء وعدد من الفقراء وأكابر الدولة وسائر الناس، وهم في غاية الأدب والتواضع معه، وإذا مشى في المدينة تزاحم عليه الناس يلتمسون منه البركة والدعاء ويقصدون تقبيل يده فلا يمكن أحداً من ذلك بل يصافحه.
وكانت ثيابه حسنة ورائحته طيبة، وكان ينفق على من كان يرد عليه من الفقراء والمساكين،
ولقد بعث إليه الملك الكامل أن يجهز له ضريحاً عند قبة الامام الشافعي فلم يأذن له بذلك فطلب منه أن يجهز له مكاناً يكون مزاراً له بعد موته فرفض.
يرتاد كثير من المحبين عربا وعجما ضريح ومسجد عمر بن الفارض الواقع تحت سفح جبل المقطم في منطقة "الأباجية" حيث دفن بعد موته عند مجرى السيل بجوار قبر معلمه أبي الحسن البقال كما أوصى قبل موته.
والده من حماة في سوريا، وهاجر لاحقاً إلى مصر. ولد ابن الفارض بمصر سنة 576 ه الموافق 1181م، ولما شب اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر.
ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا
سر أرق من النسيم إذا سرى
وأباح طرفي نظرة أملتها
فغدوت معروفا وكنت منكرا
فدهشت بين جماله وجلاله
وغدا لسان الحال مني مجهرا
توفي سنة 632 ه الموافق 1235م في مصر ودفن بجوار جبل المقطم في مسجده المشهور.
کان ابن الفارض من الشعراء الصوفيين المصريين الذين قدموا في هذا المجال آثاراً قيمة، وبيّنوا فيها أصول الطريقة ومبادئها .
عمر بن الفارض الذي بدأ بداية سلوکه الصوفية مع أبيه مع مساعدة شيخه ومرشده الشيخ بقال. ولهذا بدأ بإنشاد القصائد التي لايذوق حلو مذاقها إلا سالك طريق الحق والمعرفة.
يعد ابن الفارض المصري الملقب ب (سلطان العاشقين) من أکابر الشعراء الصوفية والعربية وأبرزهم بلا منازع، وله ديوان شعر بما في ذلك من عيون المعارف والحقائق الإلهية ومن قصائده التائية الکبري وهي من أفضل أناشيد المحبة الإلهية وفيها آراء حول الحب الإلهي ومراحله والحقيقة المحمدية، ووحدة الأديان ووحدة الشهود ووحدة الوجود والجمال الإلهي المطلق.
لقد ذكر حول لقبه بابن الفارض : "الفارض : بفتح الفاء وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها ضاد معجمة، وهو الذي يكتب الفروض للنساء على الرجال ".
" وأنّ أبا الشاعر كان يقوم بإثبات هذه الفروض فغلب عليه التلقيب بالفارض وعرف ابنه بابن الفارض".
ذكر المترجمون عن والد ابن الفارض أنّه من أکابر علماء مصر و يلزم ولده بالجلوس معه في مجالس الحکم و مدارس العلم.
وقد كان زاهداً وورعاً، اتخذ زهده وورعه صورة عملية في آخر حياته حين نزل عن الحكم، ورفض منصب قاضي القضاة واعتزل الناس، وانقطع الى الله في قاعة الخطابة بالازهر.
فقد شارك والد ابن الفارض في بيئته العلمية والأدبية، فقد أمضى ابن الفارض المرحلة الأولى من عمره تحت إشراف والده وتثقّف عنده كما تأثّر في حياته الفكرية والروحية تأثراً عميقاً بنسك وتقشّف والده ورفضه لمنصب قاضي القضاة من قبل الملك العزيز.
لقد قسّم الباحثون والمترجمون حياة ابن الفارض الروحية والفكرية والصوفية الى ثلاثة أطوار:
الطور الأول، أيام شبابه
حيث اهتم ابن الفارض فيها بالزهد والتقشّف والعبادة والقناعة وتثقّف تحت إشراف والده وتفقه على المذهب الشافعي.
كما كان متأثراً بعصره فكرياً وروحياً وذلك العصر الذي انتقلت الخلافة من الفاطمية الشيعية الى الأيّوبية السنّيّة. فالنظام الدينيّ في مصر والشام، أصبح خاضعاً لمذهب أهل السنة. كما أقبل الناس على الزهد والتقشّف بسبب استبداد السلاطين والحكام وظلمهم وحروب الصليبيين والبلايا الطبيعية كالطاعون وانخفاض مياه النيل.
ومن الملاحظ أنّ فترة حياة الشاعر كانت قد تزامنت مع التيارات الصوفية المختلفة ومن أهمّها تياران: التيار المحافظ على التعاليم الدينية المأخوذة من الكتاب والسنة وتنفيذ الأحكام والعبادات، والتيار غير المحافظ على التعاليم الدينية وعدم التحفظ بأصولها ومبادئها.
ويشير المؤرخون إلى أن ابن الفارض يمثل التيار الأول مع استثناء بعض أبيات الشاعر توهم في ظاهرها الخروج عن الشرع، ولكنها في حقيقتها ضرب من الشطح الذي يصدر فيه عن الواقع تحت سلطانه أقوال غريبة تبدو في ظاهرها مخالفة كل المخالفة لما جاء به الدين واحتوت عليه تعاليم الكتاب والسنة.
الطور الثاني : مغادرته إلى الحجاز
كان ابن الفارض منشغلاً بالعبادة في أرض الحجاز وبوادي مكة بمدّة خمسة عشر عاماً، وتعد أهمية هذا الطور ليس فقط لما تمتاز به الحياة الصوفية لابن الفارض من الفتح والكشف فحسب، وإنما هي ترجع أيضاً، إلى ما نظمه الشاعر فيه من شعر تبدو عليه المسحة البدوية، وتتردّد في أبياته الصور الحجازية، ومنها القصيدة التي مطلعها:
أبَرقٌ بدا من جانب الغَور لامعُ
أم ارتفعت عن وجه ليلى البراقع
أنارالغضا ضاءت وسلمى بذي الغضا
أم ابتسمت عمّا حكته المدامع
في هذه القصيدة، ذكر الشاعر الأماكن الحجازية ووصف محبوبته على عادة القدماء، وألبس زياً بدوياً جميلاً بها.
الطور الثالث: العودة إلى القاهرة
عاد ابن الفارض إلى القاهرة بإشارة الشيخ البقال وقال في سبب عودته: "سمعت الشيخ البقال يناديني يا عمر تعال إلى القاهرة احضر وفاتي وصلِّ عليَّ ". فلبّى ابن الفارض دعوته ورجع إلى القاهرة.
هذه الفترة تعتبر فترة انقطاعه عن الكشف والفتح الذي يشير إليها :
نقلتني عنها الحظوظ، فجُذّتْ
واراداتي، ولم تدُم أورادي
آه لو يسمح الزّمان بعودٍ
فعسى أن تعود لي أعيادي
فقد رجع إلى مصر في عام ( 628 ه ) ولكنه كان حزيناً بسبب تلك الديار المقدّسة دائماً.
عند عودته إلى مصر كان الأيوبيون مهتّمين بتخليد ذكرهم فيها ببناء المدارس والمعاهد والمساجد وبتأسيس الخانقاوات لمواجهة طريقة الفاطميين. لذا كان عصر الشاعر مهداً مناسباً لتعاليم الصوفية. وصار الجوّ مناسباً لابن الفارض فتلألأ كنجمة في السماء الشعر الصوفي.
كانت حياته مصادفةً مع ولاية أربعة من الملوك، صلاح الدين، العزيز، العادل، والكامل وكلّهم يحترمون الشاعر - ابن الفارض - وكانوا يحضرون مجالسه الأدبية.
مؤلفاته
لا يعرف لابن الفارض آثاراً أدبية أو صوفية غير ديوانه وهو صغير الحجم وعدد أبياته ألف وثمانمائة وخمسين بيتاً ( 1850 ) ويعد تحفة أدبية وعلى صغر حجمه من أحسن الدواوين العربية من ناحية الموضوع والأسلوب ويدور على موضوع واحد فهو الشعر الصوفي في الحب والخمر.
لديوان ابن الفارض خصائصٌ فنّية وصوفية، ولعل أظهر ما يمتاز به شعر ابن الفارض من الناحية الفنية هو الإسراف في الصناعة اللفظية أو الإغراق في المحسّنات البديعية، وهذا برأي النقاد طبيعيٌ لأنه كان يعيش في عصر يمتاز بكثرة الجناس والطباق والبديع وهو عصر التصنّع والتكلّف، مع ذلك قد امتاز شعر ابن الفارض برقة اللفظ مع الجزالة والمتانة ودقة المعنى وعمق الفكرة والسلاسة والوضوح وبصدق الحسّ وسلامة الأسلوب وبعد الخيال وجمال الصورة.
هذا من الناحية الفنية، أما من الناحية الصوفية، فقد كان الديوان ذو نزعة صوفية واضحة لما امتازت به نفس الشاعر من رقة الشعور ودقة الحس وسموّ العاطفة التي سيطرت على نفسه سيطرة قويّة .. فإذا هو يقضي حياته مقبلاً على محبوبه، كلفاً به مشوقاً إليه، مفنياً نفسه فيه، حتى ظفر من هذا كله بما قرت به عينه، واطمأن إليه قلبه، من اتصال بالذات العليا وكشف للحقيقة المطلقة التي هي عنده كل شيء في هذا الوجود وإليها يردّ كل موجود، ومن هنا كان ديوان شاعرنا أنشودة جميلة من أناشيد الحب.
آرائه ومذهبه الصوفي
إنّ القسم الأكبر من آراء ابن الفارض في الحب الإلهي والوحدة والحقيقة المحمديّة، صرّحها بمذهبه في الحبّ حيث قال :
وعن مذهبي في الحب مالي مذهب
وإن ملتُ يوماً عنه فارقت ملّتي
يظهر ابن الفارض في هذا البيت حقيقة مذهبه الصوفي أنّه الحب الالهي الذي اتخذه موضوعاً لقصيدته الصوفية " التائية الكبرى " . وقد استطاع ابن الفارض أن يلخص أطوار هذا الحب إلالهي عند جميع الذين تذوّقوه في تاريخ التصوف العربي من عهد رابعة العدوية إلى الوقت الذي نظم الشاعر هذه القصيدة.
قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي
روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ
لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي
لم أقضِ فيهِ أسى ً، ومِثلي مَن يَفي
ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ،
في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ
فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛
يا خيبة َ المسعى إذا لمْ تسعفِ
يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي
ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ
عَطفاً على رمَقي، وما أبْقَيْتَ لي
منْ جِسميَ المُضْنى ، وقلبي المُدنَفِ
فالوَجْدُ باقٍ، والوِصالُ مُماطِلي،
والصّبرُ فانٍ، واللّقاءُ مُسَوّفي
يقول في قصيدته "شربنا على ذكرِ الحبيبِ مدامة":
شربنا على ذكرِ الحبيبِ مدامة ً
سَكِرْنا بها، من قبلِ أن يُخلق الكَرمُ
لها البدرُ كأسٌ وهيَ شمسٌ يديرها
هِلالٌ، وكم يبدو إذا مُزِجَتْ نَجمُ
ولولا شذاها ما اهتديتُ لحانها
ولو لا سناها ما تصوَّرها الوهمُ
ولم يُبْقِ مِنها الدَّهْرُ غيرَ حُشاشَة ٍ
كأنَّ خَفاها، في صُدورِ النُّهى كَتْمُ
فإنْ ذكرتْ في الحيِّ أصبحَ أهلهُ
نشاوى ولا عارٌ عليهمْ ولا إثمُ
ومنْ بينِ أحشاءِ الدِّنانِ تصاعدتْ
ولم يَبْقَ مِنْها، في الحَقيقَة ِ، إلاّ اسمُ
وإنْ خَطَرَتْ يَوماً على خاطِرِ امرِىء ٍ
أقامَتْ بهِ الأفْراحُ، وارتحلَ الهَمُ
ولو نَظَرَ النُّدمانُ ختْمَ إنائِها،
لأسكرهمْ منْ دونها ذلكَ الختمُ
ولو نَضَحوا مِنها ثَرى قَبْرِ مَيتٍ،
لعادَتْ إليهِ الرُّوحُ، وانْتَعَشَ الجسْمُر
ولو طرحوا في فئِ حائطِ كرمها
عليلاً وقدْ أشفى لفارقهُ السُّقمُ
ولوْ قرَّبوا منْ حلها مقعداً مشى
وتنطقُ منْ ذكري مذاقتها البكمُ
ولوْ عبقتْ في الشَّرقِ أنفاسُ طيبها
وفي الغربِ مزكومٌ لعادَ لهُ الشَّمُّ
ولوْ خضبتْ منْ كأسها كفُّ لامسٍ
لما ضلَّ في ليلٍ وفي يدهِ النَّجمُ
ولوْ جليتْ سرَّاً على أكمهٍ غداً
بصيراً ومنْ راو وقها تسمعُ الصُّمُّ
ولو أنّ ركْباً يَمّمَوا تُرْبَ أرْضِها،
وفي الرَّكبِ ملسوعٌ لماضرَّهُ السمُّ
ولوْ رسمَ الرَّقي حروفَ اسمها على
جبينِ مصابٍ جنَّ أبرأهُ الرَّسمُ
وفوقَ لِواء الجيشِ لو رُقِمَ اسمُها،
لأسكرَ منْ تحتَ الِّلوا ذلكَ الرَّقمُ
تُهَذّبُ أخلاقَ النّدامى ، فيَهْتَدي،
بها لطريقِ العزمِ منْ لالهُ عزمُ
ويَكْرُمُ مَنْ لم يَعرِفِ الجودَ كَفُّهُ،
ويَحلُمُ، عِندَ الغيظِ، مَن لا لَهُ حِلْمُ
ولو نالَ فَدْمُ القَوْمِ لَثْمَ فِدامِها،
لَأكسَبَهُ مَعنى شَمائِلِها اللّثْمُ
يقولونَ لي صفها فأنتَ بوصفها
خَبيرٌ، أجَلْ! عِندي بأوصافِها عِلْمُ
صفاءٌ، ولا ماءٌ، ولُطْفٌ، ولاهَواً،
ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جسمُ
تقدَّمَ كلَّ الكائناتِ حديثها قديماً،
ولا شَكلٌ هناكَ، ولا رَسْمُ
وقامَتْ بِها الأشْياءُ، ثَمّ، لحِكْمَة ٍ،
بها احتجبتْ عنْ كلِّ منْ لالهُ فهمُ
وهامتْ بها روحي بحيث تمازجا
اتّ حاداً ولا جرمٌ تخلَّلهُ جرمُ
وكَرْمٌ ولا خَمْرٌ، ولي أُمُّها أُمُّ
وكرمٌ ولا خمرٌ وفي أم‍ِّها أمُّ
ولُطْفُ الأواني، في الحَقيقَة ِ، تابِعٌ
للطفِ المعاني والمعاني بها تنمو
وقدْ وقَعَ التَّفريقُ، والكُلُّ واحِدٌ،
فأرواحنا خمرٌ وأشباحنا كرمُ
ولا قبلها قبلٌ ولا بعدَ بعدها
وقبليَّة ُ الأبعادِ فهيَ لها حتمُ
وعَصْرُ المَدى منْ قَبْلِهِ كان عصْرها،
وعهدُ أبينا بعدها ولها اليتمُ
محاسِنُ، تَهْدي المادِحينِ لِوَصْفِها،
فَيَحسُنُ فيها مِنهمُ النَّثرُ والنّظمُ
ويَطرَبُ مَن لم يَدرِها، عندَ ذِكرِها،
كمُشْتاقِ نُعْمٍ، كلّما ذُكِرَتْ نُعْمُ
وقالوا شربتَ الإثمَ كلاَّ وإنَّما
شَرِبتُ التي، في تَرْكِها، عندي الإثمُ
هنيئاً لأهلِ الديرِ كمْ سكروا بها
وما شربوا منها ولكنَّهمْ همُّوا
وعنديَ منها نشوة ٌ قبلَ نشأتي
معي أبداً تبقي وإنْ بلى َ العظمُ
عليكَ بها صرفاً وإنْ شئتَ مزجها
فعدلكَ عنْ ظلمِ الحبيبِ هوَ الظُّلمُ
فدونَكَها في الحانِ، واسْتَجلِها بهِ،
على نغمِ الألحانِ فهيَ بها غنمُ
فما سَكَنَتْ والهَمّ، يوماً، بِمَوضِعٍ،
كذلِكَ لم يَسكُنْ، معَ النّغْمِ، الغَمُّ
وفي سكرة ٍ منها ولو عمرَ ساعة ٍ
تَرى الدَّهْرَ عَبداً طائِعاً، ولَكَ الحُكْمُ
فلا عيشَ في الدُّنيا لمنْ عاشَ صاحياً
ومنْ لمْ يمتْ سكراً بها فاتهُ الحزمُ
على نفسهِ فليبكِ منْ ضاعَ عمرهُ
وليسَ لهُ فيها نصيبٌ ولا سهمُ
https://www.youtube.com/watch?v=W5JKd-u-AN8
https://www.youtube.com/watch?v=4vmqWslCQQk


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.