تعد دار الكتب المصرية أكثر من مجرد مكتبة؛ إنها "خزانة العقل العربي" وأول مكتبة وطنية في العالم العربي، منذ لحظة ميلادها في مثل هذا اليوم من عام 1870، صمدت الدار كشاهد على تحولات التاريخ المصري، حيث حولت المخطوطات والوثائق القديمه من مجرد أوراق إلى ذاكرة حية للدولة. حلم علي مبارك التنويري تأسست "الكتبخانة الخديوية" في 23 مارس 1870، بقرار من الخديوي إسماعيل، وبناء على اقتراح "أبو التعليم" علي باشا مبارك رائد التعليم في مصر الحديثة، والوالد المؤسس لنُظمه، ولم يكن الهدف جمع الكتب، بل كان مشروعًا تنويريًا طموحًا لإنقاذ المخطوطات المبعثرة في المساجد والتكايات والمكتبات الخاصة من الضياع أو التهريب للخارج. نجح علي مبارك في وضع النواة الأولى بنظام أوروبي حديث، لتصبح الدار مركزا للمعرفة، وضمت في بدايتها أقيم المخطوطات الشرقية والمؤلفات الغربية، لتكون أول مؤسسة ثقافية وطنية تضاهي المكتبات الكبرى في باريس ولندن. رحلة المقر.. من "مصطفى فاضل" إلى "كورنيش النيل"
مرت الدار بمحطات جغرافية شكلت هويتها المعمارية والثقافية، حيث كانت الإنطلاقه الأولي سراي الأمير مصطفى فاضل في حي درب الجماميز ثم انتقلت الدار عام 1904 الي مبنى باب الخلق، ذلك المبني التاريخي المشيد بأسلوب العمارة الإسلامية الحديثة، والذي ظل لعقود رمزًا للثقافة وسط القاهرة، ومع زيادة المقتنيات واتساعها انتقلت الي مبني رملة بولاق، المبني الحالي المطل علي النيل، والذي افتتح جزئيًا في السبعينيات، ثم دمجت الدار لاحقًا ضمن "الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية"، لتجتمع تحت سقف واحد أمهات الكتب وأندر وثائق الدولة الرسمية. "ذاكرة العالم" في قلب القاهرة تستمد دار الكتب مكانتها الدولية من كونها "أول مكتبة وطنية حديثة في الشرق الأوسط". فهي لا تخدم الباحثين المصريين فحسب، بل هي قبلة للمستشرقين والعلماء من شتى بقاع الأرض. تضم الدار كنوزًا لا تقدر بثمن، منها مصاحف كوفية نادرة، ومخطوطات في الطب والفلك والهندسة لعلماء مثل ابن سينا والفارابي، بالإضافة إلى مجموعات فريد من البرديات، هذه المكانة جعلت العديد من مقتنياتها تُسجل في برنامج "ذاكرة العالم" التابعه لليونسكو. تحديات العصر الرقمي ورغم عراقتها، تواجه دار الكتب اليوم تحديات "العبور إلى المستقبل"، فمع وجود ملايين العناوين وآلاف المخطوطات، تسابق الدار الزمن لرقمنة محتوياتها لتسهيل وصول الباحثين إليها من أي مكان في العالم وحمايتها من التلف الناتج عن التداول اليدوي. كما تبرز تحديات ترميم المخطوطات، حيث تمتلك الدار معامل متخصصة تعد الأحدث في المنطقة، تعمل على معالجة الأوراق التي نالت منها عوامل الزمن. كما تعمل الهيئة حاليًا على تطوير منظومة الفهرسة الإلكترونية وتوسيع قاعات الاطلاع الرقمي، لضمان أن تظل "الكتبخانة" مواكبة للذكاء الاصطناعي ولغة العصر، مع الحفاظ على قدسية "الورقة" التاريخية. وفي النهاية، ستظل دار الكتب المصرية هي "الحصن" الذي لا يفرط في حرف واحد من تاريخ مصر. وفي ذكرى تأسيسها، لا نحتفل بمبنى، بل نحتفل بعقل أمة قرر منذ قرن ونصف أن الكتاب والوثائق والمخطوطات هى عقل الأمة وأساس السيادة والنهضة.