تمر اليوم 11 مارس ذكرى ميلاد قاسم سليماني الذي لم يكن مجرد جنرال يرتدي البدلة العسكرية المرقطة، بل كان يمثل "الحالة الإيرانية" في ذروة تمددها الإقليمي؛ فهو الرجل الذي نجح في تحويل أحلام "تصدير الثورة" من مجرد شعارات أيديولوجية إلى واقع جيوسياسي ملموس على الأرض. من رحم المعاناة في ريف كرمان، ومن بين غبار ورش البناء، صعد سليماني ليصبح القائد الفعلي لجيوش الظل العابرة للحدود، محولًا "فيلق القدس" إلى أداة ضاربة تتجاوز حدود الدول والأعراف الدبلوماسية، ليرسم ب "دبلوماسية الرصاص" خريطة نفوذ تمتد من ضفاف المتوسط إلى مضيق باب المندب، واضعًا طهران كلاعب لا يمكن تجاوزه في أزمات المنطقة المعقدة. وعلى مدار عقدين من الزمن، نسجت الماكينة الإعلامية الإيرانية حوله هالة من "الأسطورية" وصورته كقائد زاهد لا يقهره الموت، إلا أن هذا الستار كان يخفي خلفه استراتيجيات دموية وقبضة حديدية لم تتردد في سحق أي حراك يهدد مصالح "الإمبراطورية الفارسية" الناشئة. لم تكن نهاية سليماني في فجر بغداد مجرد تصفية لجنرال عسكري، بل كانت سقوطًا لرمزية "الغطرسة" التي اعتقدت لسنوات أنها فوق الحساب الدولي؛ لترحل معه أسرار حقبة كاملة من التدخلات، وتترك خلفها إرثًا مثقلًا بالصراعات المذهبية والدمار الذي طال عواصم عربية عريقة، في رحلة بدأت بطموح فقير وانتهت ببرق "درون" أمريكية وضعت الكلمة الأخيرة في كتاب "جنرال الظل". من أزقة كرمان إلى خنادق الثورة لم تكن بدايات "قاسم سليماني" توحي بأنه سيصبح يومًا ما مهندس السياسات الخارجية الإيرانية؛ فقد وُلد في مارس 1957 بقرية "رابور" الجبلية في محافظة كرمان، وسط عائلة فلاحية كبلتها الديون والفقر. دفعته الظروف المعيشية القاسية للهجرة إلى مدينة كرمان وهو في الثالثة عشرة من عمره، حيث عمل "عامل بناء" بأجر يومي ليسدد ديون والده، ثم انتقل للعمل بصفة موظف بسيط في دائرة المياه التابعة لبلدية المدينة بعد نيله الشهادة الثانوية. كانت هذه المرحلة "مرحلة التشكيل النفسي"، حيث صقلت الأعمال الشاقة صبره، قبل أن تأتي رياح الثورة عام 1979 لتوفر له الملاذ العقائدي، فانخرط في "الحرس الثوري" الوليد، ولم يبرز كجندي فحسب، بل كمنظم أثبت جدارته في قمع انتفاضة الأكراد بمهاباد، وهي التجربة التي لفتت إليه الأنظار ككادر عسكري صلب لا يعرف الهوادة. جاءت الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988) لتكون "المختبر الحقيقي" لجنرال المستقبل، حيث نضجت مهاراته القيادية في أتون الجبهات المشتعلة. بدأ سليماني مشاركته في الحرب بتدريب كتائب من كرمان وإرسالها للجبهة، لكن سرعان ما وجد نفسه في قلب المعارك، متميزًا بقدرته العالية على الاستطلاع وجمع المعلومات خلف خطوط العدو. هذا النبوغ العسكري المبكر دفع القيادة الإيرانية لترقيته بسرعة قياسية؛ فتولى قيادة فيلق "41 ثأر الله" وهو لا يزال في منتصف العشرينيات من عمره، ليقود تحت لوائه عمليات كبرى واجه فيها الجيش العراقي وجهًا لوجه. ومن تلك الخنادق، بدأ سليماني ينسج علاقاته الأولى مع المعارضين العراقيين (مثل فيلق بدر)، واضعًا اللبنات الأولى لاستراتيجيته القائمة على "تصدير الثورة" عبر الميليشيات، وهي الاستراتيجية التي سيطبقها لاحقًا على مستوى إقليمي شامل.
قيادة "فيلق القدس": تصدير الفوضى في عام 1998، حدث التحول الأبرز في مسيرة سليماني بتعيينه قائدًا ل "فيلق القدس"، وهو الذراع النخبوية المكلفة بالعمليات الخارجية للحرس الثوري. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد سليماني مجرد جنرال عسكري، بل تحول إلى "رجل المهام الصعبة" والمهندس الفعلي للسياسة الخارجية الإيرانية في المنطقة. استغل سليماني خبراته في حرب العصابات ليرسخ عقيدة "الدفاع الهجومي" خارج حدود إيران، فكان يتنقل بين العواصم العربية كظلال لا تغيب، يغتال الخصوم السياسيين، ويسلح الحلفاء، ويفرض واقعًا جديدًا يخدم مصالح طهران. وبحسب تقارير استخباراتية، كان سليماني يمتلك صلاحيات استثنائية تجعله يتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية، ليكون "صانع الملوك" الذي يقرر من يصعد إلى السلطة ومن يسقط في دول الجوار. تجاوز طموح سليماني مجرد الدعم العسكري التقليدي؛ إذ أشرف بنفسه على بناء "جيش عابر للحدود" يتكون من ميليشيات عقائدية تدين بالولاء المطلق للولي الفقيه. في لبنان، عمّق نفوذ حزب الله ليصبح دولة داخل الدولة، وفي العراق أسس "فيلق بدر" و"جيش المهدي" ليحكم قبضته على بغداد بعد عام 2003، وصولًا إلى دعم "جماعة الحوثي" في اليمن لتغيير موازين القوى في الجزيرة العربية. لم تتوقف حدود طموحه عند هذه الدول، بل امتدت لتشمل "فاطميون" و"زينبيون" من أفغانستان وباكستان، وحتى محاولات اختراق العمق الأفريقي في نيجيريا. كان سليماني يرى في هذه الأذرع "خطوط دفاع أمامية" لإيران، مصرحًا بزهو أن العواصم العربية باتت تخضع لإرادة طهران، بل ومبشرًا ب "ثورات إسلامية" قادمة في دول مثل الأردن، في سعي دؤوب لتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الفارسي تحت غطاء الأيدولوجيا.
سورياوالعراق.. الميدان الأخير مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، لم يكتفِ سليماني بدور المستشار، بل تحول إلى "المدير التنفيذي" الفعلي لغرفة عمليات بقاء نظام الأسد، حيث استقر في دمشق محاطًا بقادة متعددي الجنسيات من حزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية. أدرك سليماني أن سقوط دمشق يعني بتر "الشريان الأبهر" لمشروعه التوسعي، فاستخدم نفوذه المطلق على الحكومة العراقية لفتح الأجواء والممرات البرية كجسر إمداد لا ينقطع لنقل السلاح والمقاتلين طوال تسع سنوات. لم تكن معاركه في القصير أو حلب مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت "معارك وجودية" صرح خلالها أمام مجلس الخبراء الإيراني بأن "سوريا هي خط الدفاع الأول عن المقاومة"، محولًا الأراضي السورية إلى ساحة لتصفية خصوم طهران وتثبيت أركان نفوذها الإقليمي مهما كان الثمن الإنساني. في العراق، كان سليماني المهندس الخفي الذي أعاد رسم خارطة البلاد عقب سقوط نظام صدام حسين؛ إذ بدأ بتشكيل "فيلق بدر" و"جيش المهدي" لتصفية الكوادر السنية والنخب الوطنية التي قد تقف عائقًا أمام التغلغل الإيراني. ومع اقتراب نهايته، واجه سليماني أكبر تحدٍ لنفوذه متمثلًا في الاحتجاجات الشعبية العراقية (تشرين) التي نادت بإنهاء التبعية لطهران. تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن سليماني زار بغداد سرًا عدة مرات في أشهره الأخيرة، حيث ترأس اجتماعات أمنية رفيعة المستوى لإعطاء الأوامر المباشرة لقادة الميليشيات بقمع التظاهرات ب "الرصاص الحي" وإخماد الحراك الشعبي، في محاولة يائسة لحماية الأذرع السياسية والعسكرية التي بناها على مدار عقدين، مؤكدًا أن بقاء "السطوة الإيرانية" في بغداد هو الأولوية القصوى التي تتقدم على أي اعتبار وطني عراقي.
"الغطرسة الفارسية" والشرخ المذهبي خلف الستار الذي حاول تصوير سليماني كرمز ل "وحدة الهوية الشيعية"، كشفت تقارير معهد واشنطن (2017) عن وجه مغاير تمامًا يتسم ب "الغطرسة الفارسية" في إدارة الميليشيات العربية. لم تكن العلاقة بين سليماني ومقاتلي الأذرع الإقليمية قائمة على الشراكة الندّية، بل كانت علاقة "آمر ومأمور" يشوبها الكثير من الازدراء؛ حيث اشتكى العديد من العناصر —بمن فيهم مقاتلو حزب الله اللبناني— من القسوة والفوقية التي يعاملهم بها القادة الإيرانيون بتوجيهات من سليماني. وتجلت هذه الغطرسة في زج المقاتلين العرب في الصفوف الأمامية للمعارك الأكثر دموية في حلب وغيرها، مع إبداء عدم اكتراث واضح بحجم الخسائر البشرية في صفوفهم، مما ولّد شرخًا مكتومًا بين "المركز الفارسي" و"الأطراف العربية" التابعة له. لم يتردد سليماني في استخدام "سياسة التجويع" لفرض إرادته العسكرية؛ ففي اللحظات التي أبدت فيها قيادات الميليشيات اعتراضها على استراتيجياته أو طالبت بتخفيف الضغط عن مقاتليها، كان رده حاسمًا بقطع الرواتب والمخصصات المالية لشهور متتالية، كما حدث حين أوقف الدعم عن حزب الله لثلاثة أشهر لإجبارهم على إرسال المزيد من التعزيزات لجبهة حلب. هذه الممارسات أدت إلى تآكل مفهوم "الولاء العقائدي" لدى الكثير من المقاتلين المخضرمين، الذين بدأوا يدركون أنهم ليسوا سوى "أدوات وظيفية" في مشروع قومي فارسي توسعي، يهدف لتأمين حدود إيران الجيوسياسية على حساب دمائهم، وهو ما حوّل مشاعر الكثير منهم من الإيمان بالقضية إلى الشعور بالخيبة، بعد اكتشافهم أن "وحدة الهوية" لم تكن سوى غطاء سياسي لخدمة طموحات "الجنرال" وطهران.
"البرق الأزرق".. الفصل الختامي في فجر الجمعة 3 يناير 2020، وبأمر مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نفذ الجيش الأمريكي عملية "البرق الأزرق" (Blue Lightning). وبدقة متناهية، استهدفت غارة جوية موكب سليماني ومعه القيادي في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس قرب مطار بغداد. رحل سليماني تاركًا خلفه إرثًا من الصراعات المشتعلة في المنطقة، وميدالية "ذو الفقار" التي منحه إياها خامنئي كأرفع تكريم عسكري، لكنه رحل أيضًا وهو يحمل لقب "المسؤول عن تصدير الإرهاب"، لتنتهي بوفاته حقبة "جنرال الظل" الذي اعتقد لسنوات أنه فوق الحساب.